من حكاوى الرحيل ( الرابعة عشره ) بقلم : د . سمير ايوب

فلسطين ….
بقلم : د. سمير ايوب – الاردن ….
أول النساء ، فخر النساء .
في عَتْمِ كل ليلٍ ، يُعاوِدُني وجهُها الأسمرُ المُكتنز النَّضِرْ . بحثاً عن سكينةٍ يَطمئنُّ لها قلبي ، أتمعن مطولا بشوقٍ يتيم ، في حبتي لؤلؤ أسود من النوع النادر في عينيها . وأحدق في الوشم المدقوق بعناية ، على شفَتِها السفلى ، ووسط ذقنها وقمم وجنتيها .
فألتمس العذر لقلبي ، إن ميزها بهذا النوع والكم من الحب . كانت تنجح في ترميم بوصَلاتي . حتى حزني كان يفرح في حضرتها . لا يصمد ولا يشاكس . يستجيب لنسائم عينيها . يخلي الساح ويتبدد. كثيرا ما كنت أتجه إليها ، وأيمم وجهي شطر حكمتها . فتنجح في نقل قلقي ، من ضفاف الهواجس ، الى بر الأمان .
لم تكن نطفة في رحم المستحيل ، بل مطرا أنيقا ، حلالا صافيا كقطر الندى . ولم تكن أسمى من كل النساء ، بل إمرأةً لا تشبه إلا فخر النساء ، اللواتي يُثرينَ بتنوعهن مواسم الأمومة . ممتلئة كبرياء وأنفة وإباء بلا عبث . وعنفوان إيجابي ، وحق قطعيُّ الصدق ، وعدل محايد لا يُتأتئ ولا يعبث . إحتوت الحياة بالحمد الساعي . وقاومت ضنك العيش ، بلا آهٍ شاكية . فَعَرَفها التسبيحُ والسجود والصبر الجميل جيدا . وكانت بعد كل هذا ، تبقي في قلبها شيئا ، لا يعلمه إلا الله .
كالملائكة كانت ممددة بثوبها الأبيض . غافية فوق بلاط المُغتَسَلِ بلا نوم ، حين أدخلوني إليها . سَلَّمْتُ وإقتربت . تمعنت في وجهها الذي زاده الحزن سمرة نبيلة ؟ سألتها ما بك ؟ ما بالك ؟ أيطاوعك قلبك على الرحيل من دوني ؟
تطاول جزعي . فغطيت وجهها بباطن كفي ،  وإمتد جزعي حتى هطل الدمع مدرارا . وأنا احدق في عينيها المغمضتين ، وشفتيها المزمومتين ، إنحنيت عليها ، محتضنا وجهها المحتقن إلا قليلا . أقبل رأسها وألثم يدها . أحسست بحرارةٍ . وسمعت هاتفا بين شفتيها ، يقول بحنو مبحوح : إنتبه لنفسك ولا تخذلني . لا تبدد حزنك النبيل او الجليل بالبكاء . وإنقشع الحزن الذي كان يغشاها ، وانفرجت اساريرها بظلال بسمة ، شقت طريقها وسط الدمع . اختلطت دموعي بدفء ما خلته دموعا لها . خفت من وجعي واصابتني قشعريره باردة وكنا في آب اللهاب . فقلت لها : بردان يا غالية . سأحن فيما احن ، الى دفئك وخبزك وقهوتك .
وتمضي المواسم والفصول  دون ان تغيب . بعيدا رحل بعضها ، وبعضها باذخ الحضور ، باق لا يغيب . تشيب الحياة وتقسو . وهي وطن الوذ به ، ومثابة أبوء اليها ، وقت ما أشاء . وعندي من الشوق لها ، ما يسري على ساقين ، تسارعان الى مثواها في مقبرة الهاشمية ، استظل به واحتمي من هجير التصحر . في حضرة أمي هناك ،  اتقلب في همس ألسنة صمتي .  محاولا بعث صمتها من مرقده . اتجول داخل روحها . واتفاهم مع صمتها ، وأعاود تذوق بنوتها المرة تلو المرة . منذ ان كنت ابنها الأكبر .
كلما تعبت من الوقوف وحدي ، تزودني بأجنحة طليقة وهي تقول : إياك يا ولدي ان تكون واقعيا فقط ، احلم واحلم بلا كلل وبلا ملل . فالحياة يا ولدي حلم ، تعلم كيف تحققه ، بلا خوف وبلا تخاذل .
الاردن – 17/11/2016

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة