جريمة في بهيم التاريخ المعاصر.. ملف كامل حول مذبحة الدوايمة في فلسطين – بقلم : بكر السباتين

الجريمــــــة …..
بقلم : بكر السباتين ….
دراسة تحليلة معمقة ( توثيقية وقانونية)، بمناسبة ذكرى مجزرة الدوايمة التي تصادف مرورها في التاسع والعشرين من أكتوبر الماضي..
*أكبر مذبحة اقترفتها العصابات الصهيونية في فلسطين عام ثمانية وأربعين..
.الدوايمة!! تلك القرية التي شهدت أكبر مجزرة عرفتها فلسطين منذ النكبة، وهي بلدة تتبع محافظة الخليل, جنوب فلسطين، وكان تعداد سكانها يصل إلى حوالي  (3710) نسمة وذلك حسب إحصائية عام 1945م.
لقد جاءت مذبحة الدوايمة استكمالاً لمخططها المرسوم مسبقاً لتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين، وتتابعاً لسلسة المذابح التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية والعصابات الصهيونية بحق سكان القرى الفلسطينية, ولم تكن مذبحة الدوايمة الأولى ولا الأخيرة في سلسلة هذه المجازر, وكان الهدف منها هو تطهير الأراضي المحتلة من أصحابها، سواء كان ذلك بالذبح أو القتل أو التهجير.
لم تغطَّ أحداثُ هذه المذبحة بسبب التعتيم الكامل الذي قام به الكيان المغتصب، أثناء هجوم عصاباته المنفلتة كالوحوش الضارية الآمنين في القرى والمدن الفلسطينية، وكان ذلك جزءاً من إستراتيجيته في تهجير شعب بأكمله عن بلاده واقتلاعه من وطنه.
لقد كانت هذه الإستراتيجية واضحة وتم تنفيذها بدقة وخطط لها بإحكام، إذ كان الوجود الفلسطيني بالنسبة لهم عقبة حقيقية استوجب التغلب عليها لتحقيق مشروعهم الصهيوني، ولم يكن لديهم من وسيلة سوى تنظيم طرد جماعي للسكان العرب وتطهير المكان.
لقد أوضح بن غوريون هذه الإستراتيجية عندما قال:
” من العدل أن يرحل العرب عن دولتنا”
وقد استشرع هذا الكيان لنفسه  كل الوسائل المحرمة دولياً، ليس في الدوايمة أو دير ياسين فقط، بل في سعسع وأبو شوشة وغيرها حتى وصل عدد المذابح الجماعية التي ارتكبها اليهود عام 1948 الى 34 مذبحة… تحت ستار من الكتمان والتحفظ، وهو ذاته ما جرى لقرية الدوايمة التي حصلت فيها مذبحة حصدت أحلام أهلها وذرتهم كالغبار في المنافي دون مراعاة للقيم الإنسانية، وكأن الضحية أقل قيمة من الحشرات.
فكيف أميط اللثام أخيراً عن هذه المجزرة التي يندى لها جبين الإنسانية!
إذْ وصلت أنباء المذبحة بوساطة أحد الجنود الإسرائيليين ممن شاركوا في المذبحة، ويبدو أن ضميره قد استيقظ مؤقتاً، فتحدث بتفاصيلها إلى اليعيزر بري، محرر صحيفة علهمشمار.
لقد جاء في تقرير اللجنة الفنية التابعة للأمم المتحدة ( لجنة التوفيق لفلسطين) بأنه لا يعرف سوى القليل عن المجزرة الوحشية التي تعرض لها الفلاحون العرب في قرية الدوايمة في 28/أكتوبر/48. القرية التي تقع على بعد بضعة كيلومترات غرب الخليل.
وجاء في التقرير أيضاً بأن عدد سكانها آنذاك بلغ الستة آلاف نسمة.
وكان عدد كبير من اللاجئين العرب الذين فروا من شمال فلسطين قد لجئوا إليها قبل المذبحة.
ولعل السبب في التكتم الإعلامي آنذاك حول مجزرة الدوايمة رغم أنها كانت أكثر وحشية من مذبحة دير ياسين؛ يعود إلى الرؤية الخاصة بشأنها من قبل الفيلق العربي (الجيش الذي كان يسيطر على تلك المنطقة عام 1948) والذي خشي من أن يكون لها نفس التأثير السلبي على معنويات الفلاحين كما جرى في دير ياسين، والتي على إثرها تدفق اللاجئون إلى مدن الوسط في فلسطين هرباً من البطش الصهيوني، وكان للدوايمة آنذاك نصيباً في استقبال عدد منهم.
وهناك سبب آخر كما يفيد التقرير، يتعلق بعدم إحراج موقف الوفود العربية التي كانت مجتمعة في لوزان آنذاك ، بحيث اكتفوا بأن قدموا وصفاً موجزا لمذبحة الدوايمة بناءاً على بيان قدمه مختار القرية الشيخ حسن محمود.
*تفاصيل الجريمة على لسان الضحية
وقد تم كشف تفاصيل هذه المجزرة البشعة من جديد في العام 1985 من قبل المرحوم الشيخ حسن محمود هديب مختار القرية السابق للصحف الإسرائيلية بعد أن طواها النسيان منذ الثامنة والأربعين توافقاً مع ما تكشف من جديد من اعترافات راح يسجلها المؤرخون الجدد في الكيان المحتل.
تحدث حينها المختار هديب عن فظائع المجزرة التي ظلت في طي النسيان إلى أن تكشفت تفاصيلها من قبل الجاني نفسه على الملأ، لتؤكد للرأي العام العالمي على مبلغ الوحشية التي تمت بها من قبل عصابات صهيونية (مجرمة).
وجاء في إفادة المختار؛ بأنه “بعد نصف ساعة من صلاة الظهر يوم الجمعة الموافق 28/10/ 1948 سمع صوت دوي إطلاق نار من الجانب الغربي للقرية.
وعلى إثر ذلك، لاحظ الأهالي قوات مكونة من حوالي عشرين سيارة مدرعة تقترب من قريتهم على طريق قرية القبيبة، وقوات أخرى تقترب على طول طريق بيت جبرين- الدوايمة، وغيرها من العربات المدرعة تقترب من اتجاه آخر.. وقد انتشر بعض رجال القرية جهة الغرب للتصدي للزحف الصهيوني المباغت.
ومن على مسافة نصف كيلو متر فتحت سيارات مدرعة النار من أسلحة رشاشة وقذائف الهاون على القرية، وأثناء ذلك كانت تلك القوات تتقدم في حركة شبه دائرية لتطويق القرية والتكالب عليها من الجانبين الغربي الشمالي والجنوبي. فيما دخل قسم من السيارات المدرعة القرية بأسلحة أوتوماتيكية حارقة حيث قفز أفراد القوات اليهودية من السيارات المصفحة وانتشروا في شوارع القرية وأحذو يطلقون النار جزافاً على كل من تقع أعينهم عليه.

وإزاء تلك الوحشية بدأ القرويون بالفرار من القرية، في حين التجأ كبار السن والأطفال والنساء إلى المسجد، وآخرون منهم لجئوا إلى كهف قريب يدعى عراق الزاغ.
ويؤكد المختار حسن محمود في شهادته آنذاك على المجزرة كما جاء في التقرير بأن إطلاق النار العشوائي استمر لمدة ساعة تقريبا.
في اليوم التالي، اجتمع الفارون من أهل القرية مع مختارهم لتقصي أمر ما جرى، وقد تقرر عودته تلك الليلة إلى القرية لمعرفة مصير أولئك الذين بقوا وراءهم. وقد بين المختار في إفادته بأنه أحصى في المسجد جثث حوالي ستين شخصاً، كان معظمهم من كبار السن ممن اتخذوا المسجد ملاذاً لهم. وقد تعرف المختار على والده من بين الضحايا هناك. فيما رأى أيضاً عدداً كبيراً من جثث الأطفال والرجال والنساء في الشوارع ملقاة هنا وهناك . ثم ذهب المختار في تلك الليلة إلى كهف عراق الزاغ، فعثر في فم المغارة على عشرات الجثث من الرجال والنساء والأطفال.
وبعد ذلك قام مختار القرية بتعداد سكان القرية فوجد أن ما مجموعه 455 شخصاً اعتبروا في عداد المفقودين من بينهم 280 رجلاً، وبقية الضحايا كانوا من النساء والأطفال.
وأضاف المختار كما جاء في التقرير إلى أنه كانت هناك إصابات أخرى غير محددة بين اللاجئين، موضحاً بأن القوات المهاجمة لم تطلب من أهل القرية الاستسلام ولم يواجهوا بمقاومة تذكر.. فهم ( كما جاء في التقرير) لم يكونوا بحاجة لذلك لأن المذبحة وقعت خلال الهدنة.. وهذا يعني بأن الهجوم الصهيوني الوحشي على القرية لم يكن مبرراً سوى ما يتعلق بالإستراتيجية الإسرائيلية القائمة على الإرهاب من أجل الاحتلال.
* الرواية الإسرائيلية لمذبحة الدوايمة
لم ينكر الجانب الصهيوني جريمته النكراء، فقد اعترف بعض المنفذين للجريمة ممن صحت ضمائرهم مؤخراً للصحفية الإسرائيلية (يوئيلا هارشفي )، المحرر ة في صحيفة حدشوت الإسرائيلية في إطار تحقيق صحفي موسع نشر عام الرابعة والثمانين: في أنه كان في البلدة عدد من المدافعين عنها غير النظاميين.. وقفوا يائسين بأسلحتهم الخفيفة في وجه الكتيبة 89 من لواء هنيغف “النقب” وبعد أن احتلت الكتيبة البلدة جمعت ما بين 80-100 عربياً من النساء والأطفال، وقام الجنود الصهاينة بتحطيم رؤوس الأطفال منهم بالعصي حتى أنه لم يبق بيت في البلدة إلا وضحى بقتيل أو أكثر، كما تم احتجاز النساء وكبار السن من الرجال دون شفقة أو رحمة داخل البيوت وتم حرمانهم من الماء والغذاء، وعندما حضر خبير المتفجرات الإسرائيلي رفض هدم بيتين على رؤوس كبار السن في القرية، ولكن أحد الجنود تبرع بذلك، وانجر من ورائه المتحمسون الصهاينة للإجهاز على كثير من البيوت فهدموها على رؤوس الأحياء غير آبهين بصرخات الاستنجاد التي تم إخمادها بكل استهتار بالقيم الإنسانية.
*تفاصيل جريمة “الدوايمة” على لسان المعتدي
بعد اقتحام العصابات الصهيونية للقرية وارتكاب ما سبق ذكره من أعمال؛ نورد هنا مجموعة من الشهادات الموثقة على لسان عدد من العسكريين والساسة اليهود في إسرائيل ظهرت في السنوات التالية للمجزرة في قرية الدوايمة المنكوبة.
ومن ذلك على سبيل المثال، تبجح أحد الجنود أمام زملائه قائلا:
“لقد اغتصبت امرأة عربية قبل أن أطلق عليها النار” طبقا لما أورده الباحث “احمد العداربة” في كتابه “قرية الدوايمة” من منشورات جامعة “بير زيت”.
وآخر قال أنه أجبر إحدى النساء من حاضنات الأطفال الصغار على نقل الجثث ثم قتلها هي و طفلها.
وآخرون أخذوا ثلاثَ فتيات في سيارتهم العسكرية، ووجدن “مغتصبات ومقتولات” في إحدى أطراف القرية.
وطبقا لشهود عيان من أهالي القرية ظلوا أحياء بعد الجريمة فإن بعض جنود عصابة الـ”إرجون” اليهودية المجرمة أطلقوا النار على طفل كان يرضع من صدر أمه فـ”اخترقت الرصاصة رأسه و صدر أمه فقتلتهما والطفل يلثم الثدي، وبقايا الحليب تسيل على جانبي فمه في مشهد فنتازي.
كما أرغمت النساء على خدمة الجنود بمهانة وابتذال، لقد تبجح أحد الجنود متفاخراً برعونة واستهتار بأنه قتل امرأة وطفلها الرضيع بين يديها بعد أن خدمتهم عدة أيام.
وعلى إثر هذه الجرائم البشعة النكراء، فزع المتبقون من أهالي القرية العزل ولجئوا إلى المسجد أو ما كان يسمى( الزاويه) وبعضهم التجأ إلى طور(الزاغ) وهو عبارة عن كهف شهير؛ تلافياً لخطر العصابات الصهيونية المنفلتة عليهم كالذئاب المستعرة؛ ولكن الصهاينة المجرمين لاحقوهم حتى مخابئهم.
ففي طور الزاغ قتل اليهود المختبئين فيه من سكان القرية عن بكرة أبيهم في مجزرة بشعة يندى لها جبين الإنسانية في كل زمان ومكان.
و قدر عدد الذين استشهدوا فيها بأكثر من ثلاثين عائلة، ولم ينج منهم إلا امرأة واحدة بين القتلى.
أما جامع القرية فقد شهد هو الآخر مجزرة لا مثيل لها، إذْ التجأ إليه الهاربون اعتقادا منهم بأن الجنود اليهود سيحترمون المسجد، فدخلوه آمنين وهم يكبرون ويقرءون القرآن الكريم، جاهلين لمصيرهم المحتوم، حيث تم قتلهم جميعا و كان عددهم “75” شخصا معظمهم من كبار السن والعجزة ممن لم يستطيعوا الفرار على الأقدام، وأحرق المسجد بمن فيه بعد إغلاقه بإحكام خوفاً من خروج جرحى محتملين منه؛ ليشهدوا على الجريمة النكراء، وقد تم دفن جزء من الشهداء في حفرة قرب الجامع حيث كان الأهالي قد أعدوها مسبقاً لتوسعة المسجد. و الجزء المتبقي من الضحايا المغلوب على أمرهم دفن في قبر جماعي.
ولم تتحرك القيادة الإسرائيلية لوقف المذبحة، سوى ما تم من إجراء شكلي بعمل تحقيق صوري مع أفراد الكتيبة التي هاجمت البلدة، وجاء في التقرير بأن سكان القرية قاموا بمهاجمة مستوطنات يهودية قريبة، ومساعدتهم في الهجوم على غوش عصيون مما حذا بهم للرد بيد من حديد ضد أهل القرية المنكوبة.
وأكد أحد الجنود الإسرائيليون في ذات السياق، ممن شاركوا في تنفيذ تلك الجريمة البشعة لصحيفة عمشمار في أن الكتيبة 89 الإسرائيلية تكونت من إرهابيين سابقين من عصابتي الأرغون وشتيرن، وشدد على أن المذبحة ارتكبها قادة ومثقفون… تحولوا بفعل النظرية الصهيونية الى مجرمين حقيرين (بحسب تعبيره).
*الموقف الدولي من المجزرة
تداعت لجان التحقيق الدولية لتقصي حقيقة ما جرى، وإزاء ذلك الحراك المباغت؛ وضع القادة الإسرائيليون عقبات أمام زيارة البلدة من قبل مراقبي الأمم المتحدة، وبعد عدد من الطلبات تم السماح للضابط البلجيكي (هوفي) وفريقه بزيارة القرية في 8 تشرين الثاني من عام النكبة، وقد شاهد الدخان المتصاعد من المنازل وذلك لإخفاء الجثث المتعفنة في القرية وأكد على ذلك عندما قال:
” أشتم رائحة غريبة وكان بداخلها عظما يحترق”. عندما سأل الضابط البلجيكي عن سبب تفجير المنازل، قال الضابط الإسرائيلي إن بها حشرات سامة، ولذلك قام بنسفها، وعندما سأله عن مسجد البلدة، قال له الضابط الإسرائيلي:
إنهم يحترمون قدسيته ولا يدخلونه، ولكن بعد أن أطل أحد مرافقي الضابط البلجيكي، وجد اليهود قد استوطنوه بعد أن طهر تماماً من جثث الضحايا العرب.
ولم يسمح لفريق الأمم المتحدة حينها بزيارة جنوب القرية بحجة وجود الألغام مدعين أن سكان القرية قد هربوا قبل أن يصل الجيش الإسرائيلي إليها.
كان هناك تعليقاً رائعاً من قبل وزير الزراعة الإسرائيلي في ذلك الوقت أهارون سيزلينغ الذي قال في مجلس الوزراء الإسرائيلي:
” أشعر أن هناك أشياء تحدث وتؤذي روحي وروح عائلتي وأرواحنا جميعاً، اليهود أيضاً تصرفوا مثل النازيين وأحس بأن كياني كله قد اهتز.
من جهة أخرى وفي ذات السياق، يقول المؤرخ الإسرائيلي “بني موريس” في كتابه “تصحيح غلطة” والذي نشر على حلقات في جريدة “الدستور” الأردنية بدءا من 15 مارس 2001م:
“لقد تمت المجزرة بأوامر من الحكومة الإسرائيلية و أن فقرات كاملة حذفت من محضر اجتماع لجنة حزب الـ”مابام” عن فظائع ارتكبت في قرية “الدوايمة” و أن الجنود قاموا بذبح المئات من سكان القرية لإجبار البقية على المغادرة”.
وفي شهادته حول المجزرة قال “إسرائيل جاليلي” قائد فرع العمليات في الجيش الإسرائيلي في حرب عام 1948م وأحد قادة حزب الـ”مابام” الإسرائيلي إنه شاهد “مناظر مروعة من قتل الأسرى و اغتصاب النساء وغير ذلك من أفعال مشينة”.
وعن الجرائم الصهيونية في فلسطين بوجه عام نقتبس شهادات بعض المؤرخين والحاخامات ومن بينها ما قاله “أهارون كوهين” وهو أحد أعضاء تيار المؤرخين الجدد في الكيان الإسرائيلي المحتل:
“تم ذبح سكان قرى بأكملها وقطعت أصابع وآذان النساء لانتزاع القطع الذهبية منها”.
أما الحاخام الصهيوني “يوئيل بن نون” فيقول عن هذا الصدد:
“إن الظلم التاريخي الذي ألحقناه بالفلسطينيين أكثر مما ألحقه العالم بنا”.
ضحايا مجزرة “الدوايمة”: تقديرات عامة*
إن عدد شهداء مذبحة الدوايمة يتباين وفق تقديرات العرب و”الأمم المتحدة” وجيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه ما بين 700 إلى 1000 مواطن عربي عدا الذين كانوا يحاولون التسلل للقرية لأخذ أمتعتهم و طعامهم بعد أيام من حصول المجزرة وعلى أية حال فإن الحصيلة النهائية- وهي حصيلة تقريبية- يمكن توضيحها كالتالي:
أول يومين من المجزرة 29 و 30 أكتوبر 1948م سقط “580” شهيدا منهم 75 شخصاً معظمهم من كبار السن قتلوا في مسجد الزاوية.
أيضاً في نفس الشهر سقط ما يقارب 110 شهيداً قتلوا جميعاً وهم يحاولون التسلل إلى القرية لأخذ متاعهم وطعامهم.(منهم جدي رحمه الله).
وهناك أيضاً ثمانية جرحى، إذ كان عددهم قليلاً لأن الجنود اليهود حاولوا ألا يتركوا أحياءً بينهم.
أما عن الأسرى فعددهم تسعة، منهم ثلاثة أسرى كانوا يقبعون في السجون الصهيونية.
*مجزرة “الدوايمة”: صياغة قانونية
وبينما سكان القرية يتمتعون بأجواء الهدنة العربية الإسرائيلية التي من المفروض أن تكون آمنة، ولم يكن في القرية أيٌّ من مقاتلي المقاومة العربية أو أية قوة من قوات الجيوش العربية المحاربة في فلسطين آنذاك كما تؤكده التقارير؛ قام جنود عصابات “شتيرن” والـ”إرجون” بغتة بحصار القرية وقيام عناصر أخرى منهم باقتحام القرية في ظل معرفة مسبقة من الحكومة الإسرائيلية الجديدة في “تل أبيب” وقياداتها العسكرية في هذه المناطق. وقد قام الجنود بارتكاب مجموعة من الممارسات التي تصنف قانونياً على أنها “جرائم حرب” أو “جرائم ضد الإنسانية” طبقا للعهد الدولي لحقوق الإنسان واتفاقيات “جنيف” الأربع لعام 1949م وبخاصة الاتفاقية الرابعة المتعلقة بوضع المدنيين وحمايتهم أثناء الحرب ومن بينها:
1-اغتصاب النساء والفتيات أمام ذويهم والتعدي على الحوامل وقتل الأطفال الرضع.
2- قتل الشيوخ والأطفال والإناث.
3- قتل الكثير من ذكور القرية في سن القتال دونما ضرورة عسكرية ما لم يكن هناك في القرية قوة تدافع عنها أو مكامن نشاط مفارز مقاومة أو مخازن سلاح يخشى منها.
4- اقتحام أراضي مدينة أو قرية أو غير ذلك من مناطق التجمع البشري المدنية لا تقع في نطاق عمليات عسكرية حيوية وطبقا لاتفاقيات “لاهاي” للحرب البرية والجوية واتفاقيات “جنيف” فإنه حتى لو وقعت مناطق مدنية بين منطقتين عسكريتين على طريق المعارك العسكرية بين قوتين مسلحتين فإن هناك إجراءات محددة للتعامل مع هذه الأراضي بحيث يتم ضمان أقصى قدر ممكن من الحماية للمدنيين ومعاملة المصابين منهم طبقا لما تتطلبه حالتهم.
5_ ممارسة أسوأ أعمال الانتقام بحق السكان العرب من أهالي القرية وهم من الفلاحين المسالمين العزل مما يتناقض مع بنود اتفاقية “جنيف” الرابعة التي تحرم ارتكاب الأعمال الانتقامية تجاه المدنيين والعسكريين من غير حاملي السلاح أو عندما تكون هناك فرصة لأخذ أسرى بدلا من ممارسة أعمال القتل على نطاق واسع. ومن خلال ما ورد من تفاصيل موثقة عن مجزرة “الدوايمة” سنرى أن هناك أعمال ملاحقة وانتقام متعمدة جرت تجاه أهالي القرية العرب حتى داخل مسجد القرية والكهوف المحيطة بها مما يبرز أقصى درجات الإجرام والعنصرية.
إن ما حدث في قرية الدوايمة يتناقض مع كل القيم والأعراف والمواثيق الإنسانية والدينية والحقوقية، فما هي الجريمة أو الذنب الذي اقترفه أطفال القرية وشيوخها ونساؤها حتى تحطم جماجمهم بالعصي والهروات.. وتهديم البيوت على رؤوس اصحابها المغبونين.. وإبادة الحياة في قرية مسالمة.. كانت حبيسة هدنة مجانية قدمت فيها الجيوش العربية للعصابات الصهيونية الوقت الكافي لتنفيذ جريمتهم تحت أستار الظلام الإعلامي الذي تغافل عن تفاصيلها آنذاك.. في إطار إستراتيجية صهيونية مدروسة.
ربما جاءت اعترافات الجنود الصهاينة مطابقة لطبيعة الأيدلوجية الصهيونية القائمة على عنصري الإبادة والتضليل.
وكانت مذبحة الدوايمة إزاء رؤيتهم تلك عصية على الطيّ والنسيان.
نتذكرها ليس احتفاءً بمصائب تلقيناها وإنما ترسيخاً لحقوق فلسطينية بالعودة إلى الديار السليبة.. هذه الحقوق التي باتت مهددة بموجب سلسلة من اتفاقيات سلام عقيمة النتائج.. لنقرع النواقيس كي لا ننسى نكبة أدت إلى طرد الفلسطينيين من أرضهم السليبة.. فأصبحوا من بعدها لاجئين.. على أمل ممارسة حقهم القانوني بالعودة المظفرة .. وإنه ليوم قريب.
*دروس وعبر
من هنا لا بد من التذكير دائماً بحصول هذه المجزرة، والتي على إثرها أفرغت القرى المجاورة وطهرت القرى من أهلها.. وزورت الرواية وفق رؤية المنتصر..
وهذا في حقيقة الأمر لا يكفي، فقد قتل الإنسان في هذه القرية شأن ما جرى قبل ذلك في القرى المدمرة شمال فلسطين، ومدنها الساحلية كحي العجمي في يافا، من غير ذنب، وانتهكت الأعراض جهاراً نهاراً.. وسلبت الكرامة دونما حساب لإنسانيته وانتهكت مقدساته؛ فهل يصعب علينا كإجراء عملي في سياق النضال الفلسطيني المشروع لنيل حقوقنا المسلوبة.والتي يتجاوز خطوطها الحمر، القريب منا والغريب، أن نعمد مثلاً إلى مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية التي تسمم أسواقنا بالمهانة! لماذا لا نحتذي حذو ما قامت به الشعوب الأوربية من مقاطعة للبضائع الإسرائيلية بطريقة ممنهجة ومؤثرة، حتى أنها كبدت هذا الكيان المحتل خسائرَ وصلت حدود المائة مليار دولار، بينما نحن أبناء النكبة نعوض هذه الخسائر من خلال التطبيع المهين.. صحيح أن القوانين الجائرة في الدول التي لديها معاهدات سلام مع هذا الكيان المغتصب تفرض على المواطنين انتهاج هذا السلوك المشين، ولكن ندرك أيضاً بأن كل مواطن يمتلك قراره، فلا يوجد ما يبرر السقوط في بئر الخيانة.
ونقولها أخيراً لا تطبعوا مع العدو الصهيوني، أدركوا أنفسكم، قاطعوا البضائع القادمة من هناك.. فما جرى في فلسطين وخاصة الدوايمة يتطلب من أكثر من ذلك، فهل أقله حرام علينا!” عجبي”
____________________
عمان الأربعاء 9 نوفمبر 2016

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة