ياسين الحافظ في ذكرى غيابه الثامنة والثلاثين بقلم : منير درويش

دراسات ….
بقلم : منير درويش – سوريا …
قبل 38 عاماً أي في  يوم 28 تشرين أول  1978 غيب الموت   المثقف ياسين الحافظ عن عمر لم يزد عن 48 عام . ومهما مرت الأيام والسنين وزادت المصائب  والمعاناة واشتدت المحن لن ننسى ذلك الجندي المجهول الذي وضع أسساً هامة لمشروع عن النهضة  والتقدم للمجتمعات العربية من خلال منظومته الفكرية التي تبقى حاضرة مهما جارت الأيام ، أو حاول البعض ممن تبناها أن  ينساها أو يتناساها لأنها أساس فاعل لتقدم تلك المجتمعات التي عجزت حتى الآن عن السير في طريق التقدم وتبني مشروعاً حضارياً يخرجها من أسوار التأخر والتخلف الذي يحيط بها بقوة ويحجبها عن مسيرة العالم  إذ أن البنية الفكرية  لهذه المجتمعات هي بنية سلفية متأخرة تعيدها للزمن الماضي  البعيد زمن الفتن والنزعات القبلية و الطائفية وإلى ما قبل المدنية والدولة التي ترعاها دون أن تكون هذه الثقافة هي رغبة لدى هذه المجتمعات للتمسك بها بل أساس الوعي الذي يسيرها .
استشرف الحافظ  مستقبل المجتمعات العربية من خلال منظومته لكن صورة هذا
المستقبل ومنذ ذلك الحين ووفق المسار الذي  تسير عليه كانت   تشير إلى ما
هو أسوأ  وهذا ما آلت إليه في وقتها الحاضر من انحطاط لم تشهده في أي زمن آخر . أنظمة مملوكية استبدادية  استولت على السلطة بعضها باسم الدين أو بالسياسة  وأخضعت المجتمعات لسلطتها وهمشت مشاريع الدولة  التي كان قد وضعها الاستعمار وفق مصالحه لكن رد الفعل تجاهها كان سلبياً  أدى لغيابها
وبالتالي فإن هذا الغياب  أبقى المواطنين  في هذه المجتمعات يوصفون بالرعية بدل المواطنة مما يعبر عن موقع هذه الأنظمة في المجتمع وموقع رعيتها فيه ، كما أن السياسات العربية في الطرف المقابل للأنظمة لم تخرج عن كونها مجموعات شللية أو طغمة سياسية  انقسمت وفق مصالحها و رغم
التضحيات الجسيمة التي فرضها عليها الاستبداد   إلى تبني إيديولوجيات
مختلفة وهي في وعيها وسلوكها لم تخرج عن كونها زعامات حارات أو عشائر وطوائف ، تتنازعها المصلحة الشخصية أو  الجماعية وتغيب عنها مصلحة الوطن ويركبها الغرور الذي يجعلها تتهرب من أخطائها و مسؤوليتها عن هذه الأخطاء  وإلقاءها على الآخر مهما كانت غارقة فيها كما يركبها الشعور بالانتصار الدائم لتخفي هزيمتها الدائمة ، وهنا ينطبق عليها القول ، بأنها ”
المنتصرة دائماً وهي المهزومة دوماً ”  ،دون أن يعني ذلك بالطبع وجود
أعداد منها كانت مخلصة لقضيتة الوطن والشعب   إن سلوك الأنظمة والسياسات
في المجتمعات العربية أدت  لتصفية مشروع الدولة وانفصال الأنظمة  عن الشعب  وذلك بسبب مملوكية هذه الأنظمة التي أعطتها  المشروعية الاستبدادية للاستيلاء على السلطة وممارسة النهب والقمع والفساد . كما أن السياسات المتأخرة كانت وراء عزوف الشعب هذا عن السياسة .
لقد بقيت النخب السياسية  في واقعها منقسمة بين  السلفية  التي تنطبق على الأغلبية الساحقة واغترابية لبقية من تبقى من هذه النخب . لقد وجدت
الأولى في سلفيتها   حصناً للدفاع عن الذات أمام الحصار الثقافي والسياسي
والاقتصادي الغربي وبالتالي فقد عجزت  عن الانتقال بوعيها  من مستوى العشيرة والطائفة إلى مستوى الدولة بينما عجزت الفئة الثانية باغترابها عن الفهم السليم للمفاهيم الغربية خاصة في مجال الديمقراطية والعقلانية
والعلوم ، وبالتالي فإن الطرفين عجزا   عن تحليل الثقافة بما يتلاءم مع
العصر ، كما عجزا عن   تحلل الاقتصاد تحليلاً كاملاً وتفصيلياً  ، وأهمل
كلاهما موضوع الأقليات والمكونات وتلاحمها مع المجتمع واندماجها فيه بحيث تشعر أنها جزء من الوطن وليس عبئاً عليه . وفي الواقع لم يكن رفض النخب للمفاهيم الغربية نابع من فهم هذه المفاهيم بل كتعبير عن تأكيد الذات مغلفاً بالأصالة والسلف الصالح مستخدمة القدم التاريخي كتعبير عن تفوقها ومستخدمة الحياد كتغطية للعجز الذي تمر به . يقابلهم في الطرف الآخر من تمثلوا إيديولوجيات مختلفة ( ماركسية أو ليبرالية  أو قومية ) لم يختلفوا في تصوراتهم وسلوكهم عن القوى التقليدية فهم يغطون  تأخر المجتمعات وتمويه واقعها واضعين همهم في الواقع الاقتصادي ومعاداة ( الإمبريالية ).
فالقومية مثلاً لم تبنى على أساس الدولة الوطنية  – الأمة والتي تؤدي لتجانس المجتمع وتلاحمه واندماجه بل بنيت على أساس القرابة التي هي أساس العلاقة في هذه المجتمعات وليس المواطنة سواء بالنسبة للأفراد أو للجماعات بما فيها الأحزاب السياسية التي نشأت في هذه المجتمعات  وحكمتها العلاقات الأسرية أو العشائرية أو الطائفية وعلى أساس هذه العلاقة كانت تمارس السياسة وليس على أساس العلاقة الثقافية أو السياسية .
لقد وضع ياسين شروطا لنجاح المشروع الحضاري مبنية على أساس بناء الدولة الديمقراطية  دولة المواطنة التي يتساوى فيها المواطنون دون أي تمييز بينهم ، كما عني بشؤون الديمقراطية على الصعيد الاجتماعي والسياسي حيث تتمثل الديمقراطية المجتمعية بالتوحيد المجتمعي وامتزاج الدولة بالمجتمع وتحرر المرأة و الحل الديمقراطي لمشكلة المكونات ، وعلمنة السياسة والتعليم  بينما تفضي الديمقراطية السياسية إلى حرية الرأي والتعبير والاعتراف بالآخر  والتنظيم وتداول السلطة وفق صناديق الانتخاب وفرز والأكثرية والأقلية على أساس سياسي وليس على أساس عددي  .
لا يحق للنخب العربية أن تدعي أنها ديمقراطية بمجرد إعلانها عن ذلك فالحوارات التي تجري الآن لمعالجة الواقع الراهن مثلاً تتسم بالفوقية والتعالي وعدم الاعتراف بالآخر وتسفيه رأيه والتهرب من المسؤولية وهو ما يؤكد كم أن  البنى الثقافية لهذه النخب مبنية على مباديء الاستبداد الذي يلغي حرية الفرد وحقه في ممارسة حياته وفق رغبته والتعبير عن آرائه دون أن يتعرض للمساءلة الاجتماعية والمحاسبة ، بنى تقليدية تكرس التأخر وتشد المجتمعات للوراء .
لم يشهد الواقع العربي وضعاً أسوأ مما هو فيه الآن حتى في عصور الانحطاط ، ولا ندري كم سيمر من الزمن رغم أننا في  عصر التواصل والمعلوماتية كي تستطيع المجتمعات العربية من تجاوز هذا الواقع وترتقي إلى مستوى المدنية التي تميز العالم اليوم ، حيث يخيم الاستبداد الاجتماعي منه أو السياسي  تزول كل مظاهر الحياة الفكرية ويصبح المجتمع رهينا لهذا الاستبداد فهو وكما يعرفه ياسين ” الصد الذي يؤدي لركود وصمت في المجتمع من جانب ، وصخب مكتوم من جانب آخر ، إنه السبب الذي  يجعل عقل الأمة يذوي في العطالة أو يهاجر أو يتعهر ”
سيبقى ياسين الحافظ في ذاكرتنا وسنبقى نكتب عن

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة