من أجل ثقافة بلا سلاطين وبلا شبيحة..!! بقلم : نبيل عودة

فن وثقافة ….
بقلم : نبيل عودة – الناصرة …
دأب السلاطين دائمًا على استئجار قرائح الشعراء، وكيف لا، والشعر هو الوسيلة الاعلامية الأكثر انتشارًا في عالم العرب في وقت قلَّ من يعرف القراءة والكتابة، لم تتغير الحال في وقتنا، حقا ازداد عدد من يعرفون القراءة والكتابة ، لكن القراءة صارت من الكماليات التي لا ضرورة لها.. وربما نسمع قريبا فتوى تدين من يقرأ غير تراثه الديني بالزندقة ، ومن يرسل ابنائه لدراسة الفيزياء والرياضيات وسائر العلوم بالردة والكفر.
الكتابة ؟ من يحتاجها ولدينا تراث عظيم لا ابداع بعده، حيث توقف العقل العربي عن النشاط ، ليبقى عقلا غير مستهلك، محفوظا بالتمام والكمال،  قيمته مرتفعة في بورصة العقول، وصارت فتوى شيخ مخبول تبيح للمرأة  ارضاع زميل العمل منعا للخلوة المحرمة من فلسفات العصر العربي الجديد… وظل الرواة والمحدثين من مروجي الحكايات الأسطورية والغيبيات والخرافات والخوارق هم وسائل اعلام المجتمع. فهل يستحق مثل هذا المجتمع غير الدواعش لتنظيفه من خبله ، وتحرير عقوله من السبات الطويل، وتنشيطه حتى لا يصبح كتلة لا تنفع الا طعاما للديدان ؟!
حمل الشعر في وقته، الحكايات والأحداث ( السياسة بلغة اليوم )، حسب مفاهيم ذلك العصر، وكان اما شعرًا هجائيًا أو مديحًا اما إذلالاً او تكريمًا، اما حبًا أو كراهية…أو بطولات أسطورية ، وما زلنا في نفس الساحة لم يتغير فينا إلا وسائل تنقلنا ونوع مساكننا ، وأنواع أكلنا ووسائل استماعنا .
بالطبع ازداد السلاطين عددا وتنوعا وأشكالا وتعددت مناصبهم طولا وعرضا ، ارتفاعا وانخفاضا ، وكثر الطلب على الدلالين والمداحين ومنظمي الكلام . وبما ان الشعر والشعراء هما أشهر ما تبقى في الذاكرة من موروثات تاريخ “الأمجاد العربية”، لذا طمع السلاطين بحشد الشعراء في صفوف “السحيجة” , وإخضاعهم لسلطانهم (بصفتهم حافظوا على مكانتهم كأهم وسيلة اعلامية الى جانب الدعاة والشيوخ الأجلاء ، في مجتمع سماعي يرفض استعمال كماليات القراءة ) ، فاستأجروا قرائح الشعراء وذممهم ، بصفتهم ممثلي الاعلام الشعبي ، بعد ضمان الإعلام الإلهي بإعلانهم الرسمي المتكرر اسبوعيا بأنهم أولي الأمر على الناس ، وأصحاب الحق الإلهي بالطاعة بما يميزهم من ورع وطاعة الله  وتوكيلهم من السماء بجز الأعناق وفض بكارة من تعشقهم العين.
ربما تكون بعض الحكايات التي نقلها التاريخ على ألسنة الشعراء ، مجرد تشويه للحقيقة التاريخية وتحريفها بما يتلاءم وحجم العطاء ( القربان ) الذي يهبه السلاطين . حجم العطاء يقرر نوع المديح وإعلاء شأن السلطان ، وتمجيد كل ترهاتهم الكلامية وبطشهم واستبدادهم وجعل غبائهم وضيق أفقهم استجابة لأوامر ربانية ، ولا بد من تعداد بطولاتهم الحربية ( مثل انتصاراتهم على الصهاينة والأمريكان والمرتدين والصائبة والايزدية والنصارى) ولا ننسى فحولتهم الأسطورية بتعداد صاحبات النعمة اللواتي فض السلاطين بكارتهن شرعا.. وأمنوا لهن الجنة قبل قطيع الجواري والمحظيات !!
مع ذلك ، تاريخنا يحدثنا عن شعراء لم يخونوا كرامة الكلمة ولم يتخلوا عن كرامتهم ، وكان مصيرهم الجوع والعوز أو الموت بسيف سياف السلطان.
يبدو أن الحال لم يتغير في بلاد العرب وفي بلادنا – فلسطين سابقا- التي كانت من بلاد العرب وذهبت جفاء وصارت نسيا منسيا إلا في مؤتمرات القمة، وطالب خبير سياسي عربي ان تدرس بيوت الفتاوى العربية فتوى هامة بتحريم استعمال اسم فلسطين في اللغة العربية، حتى لا يرث الأبناء عار فلسطين كما هو حال البالغين اليوم.
مع ذلك ما زال الشعر مزايدة تهدف الى احتلال المكانة في رأس الصف، والحصول على المراد بالموهبة وقوة الصوت ( السنا شعوبا سماعية؟) ، وهو مجد ما بعده مجدًا ، وتذكرة تسمح بالصولان والجولان في دنيا السلاطين ودنيانا كلها سلاطين… من السلطان الكبير ووريثه حتى سلاطين الأحزاب والتنظيمات القومية والإلهية.
هل بالصدفة أن أهم شعراء العرب البارزين في العصر الحديث، قضوا جل حياتهم بعيدًا عن بلادهم وعن سلاطين بلادهم حتى لا يطولهم سياف السلطان بحربته الجاهزة لقطع الرؤوس؟
هل بالصدفة ان رافضي نعم السلاطين ، مشردون في بلاد الغرب الكافر ، او مقيدون في سجون السلاطين  تلافيا لشرهم ؟
قرأت للكاتب العراقي الساخر خالد القشطيني مقطوعة عن معاناة الشاعر العراقي معروف الرصافي الذي تمسك بالوطنية والصدق ورفض كيل المدائح الشعرية للملك فيصل في العراق وزُلمه امثال نوري السعيد …فجاع (او جُوع)  ولولا الجيران والأصحاب لمات جوعًا.
اختار الرصافي الموت معوزًا جائعا على الموت في بحبوحة ألسلطان ، وكان معروف الرصافي يستدين من بقالة في الأعظمية لشخص اسمه “جمعة العطار”، لكنه يعجز عن سداد دينه ، حتى قرر جمعة العطار وقف تزويد الشاعر بما يسد رمقه ، حتى يسد ما تراكم عليه من ديون. لكن من اين للرصافي ان يسد ديونه المتراكمة… وهو يرفض الخضوع لسلطان زمانه الملك فيصل ويمدحه بغير وجه حق…؟! فما كان من الرصافي إلا أن كتب بيتين من الشعر يُنفس فيهما عن مشاعره ، على الظلم والتعسف الذي لحقه من جمعة العطار،الذي ربما رأى فيه الرصافي تجسيدا حديثا لتعسف السلطان ، ولبطش سياف السلطان، الذي يقطع الرؤوس بالجوع ، وهي تكنولوجيا حديثة ابتكرها العرب ، لم يحصل مبتكرها على نوبل  ولو كان مبتكرها يهوديا او أمريكيا أو أوروبيا لجاء نوبل من قبره ليقدم الجائزة المرجوة.
قال الرصافي:
عجبت لأهل الأعظمية كيف لا يرضون جيرة جمعة العطار
جاورته زمنًا وكان جواره في منتهى الإنصاف ، شر جوار
لكن جمعة العطار لم يتراجع عن موقفه… ومات الشاعر فقيرًا معوزًا جائعًا ، لكنه لم يخن كرامته الوطنية ومصداقيته… وخلد في شعره جمعة العطار، قاطع الرقاب بالجوع..
اليوم أصبح الكثير من الشعراء بغنى عن جمعة العطار ومقربين كالمحظيات لبلاط السلطان ، يملئون بطونهم وعقولهم بالماكدونالد والتشيكين ويندوز والهات دوجز ، يشربون الكوكا لتخفيف ضغط المعدة والدماغ وللهضم السريع ، يلقون شطاراتهم في الأمسيات ، ينشرون على صفحات الجرائد والإنترنت قصائدهم ونثرياتهم وخطاباتهم القومية التي تطفح بالاعتزاز ألعروبي ، مؤكدين بديهية انتمائهم للحضارة العربية الشرقية … لكنهم أكثر بعدًا عن الرصافي واعتزازه بنفسه وأدبه … أصبحت الوفرة سنة الحياة ، ولم تعد مجاهرتهم بانتمائهم القومي العروبي إلا لغوا لضرورات الوزن الشعري وعنترية المعاني، أصبح شتم الصهيونية قبل وبعد الوجبات الدسمة ، يملأ الجيوب باليورو الأفضل من الدولار .. بل ويشاركون شعبان عبد الرحيم في مبادئه الغنائية ” انا بكره أمريكا ” و ” انا بكره اسرائيل ” انه لنصر عظيم تحقق منذ تحرروا من جحورهم التي ناموا فيها نومة أهل الكهف خلال العقود الماضية  والحق يقال بعضهم لم يصبر على النوم أكثر من عقدين !!
فقدت الكلمة قيمتها ، باتت الصفحات مليئة بالمدائح لمن لا يستحقون أكثر من بصقة ، أصبحت الوطنية تقاس بعدد الكلمات وضخامة معانيها . أصبح التهريج مقياسا للوطنية ، صار كل مكتشف لسر صياغة الكلام شاعرا وكاتبا وطنيا يفضل الزيت والزعتر عن الهمبورغر، خاصة أمام الجماهير الغفيرة  والغفورة بعد ان كانوا منخرسين حفاظا على سلامتهم ومصالحهم ومداخيلهم.
إنخرسوا حين كان شعبنا وطليعته النضالية  يدفعون ثمنا رهيبا بحريتهم وبلقمة خبزهم .
اليوم يريدون اقناعنا بمصداقيتهم الوطنية والشخصية .
أقنعوا “جمعة العطار” الذي تمتلئ رفوف دكاكينه بما لذ وطاب من نعم ، بأنهم خير زبائن .. فابشروا وانشروا تفاهاتكم ، ما تزال جوارير السلطان تفيض بالدولار واليورو والشيكل .
أين ما ينشر ويكتب اليوم من التحدي السياسي الوطني مثل :”سجل أنا عربي” التي اطلقها محمود درويش في ظل أشرس هجمة للسلطة الغاشمة  على الذين وقفوا بصدورهم المتحدية  وأكفهم العارية يتحدون بطش وعنصرية وإرهاب السلطة الاسرائيلية في أيام سطوتها ، مصرين أن امهاتهم ولدتهم أحرارا  وما كان لأي بطش أو سجن أو ملاحقة حتى لفراش النوم ، ان يكسر عزيمتهم وإصرارهم على حقوقهم وحريتهم ؟
لم يكسرهم تعسف السلطان  وإغلاق أشباه جمعة العطار ابواب سد الرمق امامهم وأمام أطفالهم .
شعراءنا ومثقفينا ومناضلينا وشبابنا وشيوخنا ونساءنا ورجالنا لم يهادنوا السلطان حتى في أحلك أيامه على شعبنا وأكثرها سطوة وتعسفا وإرهابا وقمعا.
لا أحبائي لم نصل الى ما نحن به من دمقراطية وحقوق ، رغم نقصانها الفاضح … لأن بطلا قوميا ظهر فجأة وأرعب الصهيونية في عقر دارها. أو لأن العواصم العربية أصبحت من عزة النفس ليحسب حسابها .
كانت طليعة آمنت بدرب معروف الرصافي  واجهت وأفشلت بأجسادها  مؤامرة الطرد من الوطن ، حين كان المتنعمون اليوم “يقرفصون” على عصاعيصهم أمام عتبة السلطان . أين هم من شعراء وسياسيين صلبوا في الزنازين وشتتوا بالسجون والمنافي ؟! اين هم اليوم من مثقفين لم يرضوا حتى بالصمت ، جاهروا بمواقفهم وطردوا من التعليم ومن العمل ، ضيق السلطان مصادر الرزق والتعليم عليهم ، ولم يشتروا رضاء السلطان حتى بكلمة خادعة ؟!
لا أريد التعرض لعباقرة الشعر والنثر والفلسفة والسياسة اليوم ، ولا للذين صاروا سحيجة لكل ما يصاغ نثرا أو شعرا أو تهريجا سياسيا ، بعملية تخريب وإفساد لم أجد في تاريخ الشعوب الثقافي أو السياسي مثيلا لها .
حتى اللغة فقدت قيمتها .. لا أهمية لما تنشر ، المهم ان تضبط قواعد اللغة وتملأ صياغاتك بياض الجريدة أو صفحات الكتب.
والويل اذا القي القبض عليك بخطأ لغوي .. مسموح لك ان تخطئ في استقامتك ، ان تخطئ في مصداقيتك ، ان تخطئ في شرفك ، ان تخطئ في وطنيتك ، ان تبالغ في مدح السلطان وتأليهه،ان تبيع نفسك ببعض الفضة ، ببعض الشواكل  ولكن الويل اذا أخطأت بتشكيل آخر الكلمة.
ما قيمة اللغة عندما تصبح كلمات لا معنى لها، كيفما قرأتها من فوق الى تحت أو بالعكس ، لا يتغير المعنى  ويجب ان تقر رغما عنك ، انك امام مبدع طال انتظارنا له  أكثر من انتظار اليهود للمسيح .. المهم ان تضرب بسيف السلطان ، مهما كانت مرتبته متدنية.
كان السلطان يستأجر القرائح بالمال والخوف من سيف سيافه، فصار “السلطان” يستأجر القرائح بالألقاب والنشر والتضييق بالثرثرة لرفع مكانتهم السلطانية ، بل ويقوم بتصنيفهم وطنيا حسب “سلم ريختر”.
هل الرأي الذي يطرح لإرضاء السلاطين، له نفس قيمة الرأي الذي يطرح ويتعرض صاحبة لبطش السلطان وشبيحته؟!
هل الرأي الذي يطرح بتفكير واختيار صعب للمعاني ، للتحايل على قوانين السلطان ، قيمته نفس قيمة الرأي الذي يقال بدون أي حساب وبدون أي تفكير وبدون ملابسات تعرضك للبطش السلطاني ؟!
هناك شعراء قتلهم شعرهم، واليوم تقتل التفاهة الشعر، تقتل الأدب الجيد، تقتل المواقف، تقتل العقلانية ، تقتل الفكر، تقتل اللغة، تقتل الكرامة الشخصية وتقتل رغبة القراءة لدى القراء.
قال الشاعر الراحل محمود درويش:”الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة ” هذه حقيقة بديهية والكرامة تعيد الحياة الى الإنسان ، والصدق يعيد الحياة الى المجتمع البشري ، والاستقامة تعيد للنفس البشرية تفاؤلها‘ وفي عصر ثقافي وسياسي مثل عصرنا المأزوم   الذي استهلك اللغة وأهانها ، واستهلك الانسان وأذله ، نحتاج حقًا الى إعادة تفكير، وإعادة ترتيب بيتنا الثقافي والسياسي ، والفصل بين الأدب وبين الضحالة التي أغرقتنا ، بين السياسة والتهريج الذي أنزلنا الى القاع ، علنا نُعيد للكلمة رونقها، للنص جماليته، للغة معناها وقيمتها ، للشعر أسطورته ، للأدب قيمته التي نفتقدها ، للعقلانية منبرها ومكانتها  وللسياسة احترامها .
امنيات .. وتجربتنا علمتنا انه لا شيء مستحيل !!
[email protected]

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة