الحصار – قصة : ماجد عاطف

القصة ….
بقلم : ماجد عاطف –
(1)
على الهاتف فهم الوضع. لديهم طلبيات كثيرة ويحتاجون إلى فنيين من أجل تلبيتها، والأجرة أعلى قليلا من الحد الأدنى. يقدّر أن العمل مؤقت لأن اسم المشغل يتكرر كثيراً في الاعلانات المجانية على الانترنت، كل عدة شهور مرّة.
لم يكن لديه خيار، ولحسن الحظ يسكن قريبا ولا مواصلات. أخبر مكلّمه، وهو صاحب العمل نفسه، انه كبير في العمر لكن صحته معه، وليس فنياً. كان يفكر في أجرة المواصلات التي إن دفعها مستعجلا الوصول قد يخسرها في حالة لم يعرفوا التفاصيل الأساسية.
–         الشغل سهل وتتعلم بسرعة، تعال في الغد صباحا عند الثامنة لأراك.
–         إن شاء الله.
كانوا في حاجة لفنيين وعمال على حد سواء.
وخرج مبكراً في الصباح ليذهب ماشياً. أميال معدودة ستنفعه بتليين جسمه. وصل قبل نصف ساعة من الموعد ولم يكن هناك غيره. جلس على جدار الساحة المنخفض ينتظر. وأتت موظفة افتتحت المكاتب تبعها شاب طويل في الثلاثين افتتح أبواب المشغل. انتبه له وعاد يسأله فأخبره بالموضوع. ادخله وجعله يبدل ملابسه ليعمل مباشرة.
وبعد ساعة حين أتى صاحب العمل، وهو يقترب من الأربعين، استغرب من وجوده، فأبلغه ما حصل وأنه تكلم معه على الهاتف. بهدل المسؤول الشاب لكن تركه يعمل. لم يمر في مقابلة ولا ملأ استمارات.
كان عملا دقيقاً ومتعباً لكنه ممتع.
اغتنم أول فرصة طلبوا منه فيها العمل على آلة سريعة، ليبتعد عن العمال الصغار. إنهم يحترمون شيبته، لكن الاحترام بين العمال لا يغني عن الانجاز في العمل. كان يعمل أكثر من أي عامل فيهم، لهذا السبب تحديداً. بالمقابل تحفّظ في الكلام مع التهذيب.
يعلم ما سيحدث: سيحاول هذا تركه يعمل نيابة عنه، وآخر سيتودد له، وثالث قد يكرهه بسبب أمر ما، كأن ينافسه. وهو مسالم مع الجميع إن أنجز عمله ساعد آخرين طواعية، وان احتاج المشغل إلى تنظيف بادر إليه دون طلب فينحرجون ويأتون لينظّفوا معه.
ثم بعد ثلاثة أيام، وكان يعلم أن هذا ما سيحدث، أتت الموظفة السكرتيرة طالبة هويته وبياناته بحجة التأمين. لقد تجاوز المرحلة الأولى -وهي جدواه كعامل- بنجاح، ولا بد من اجراءات التأمين الاجبارية.
سيحدث التالي: سيتدخل موظف رسمي بين التأمين وصاحب العمل.
أعادت له الموظفة هويته. قبل نهاية اليوم طلبتها مجددا، فقدمها ثانية. كانت تنظر له وفي عينيها ارتباك ما. تجاهله. عليه أن يتجاوز هذا الحصار العنيف الذي يسد أبواباً تهمّه ويترك له أبواباً لا يريدها. إن اضطر خرج من المساحة المرتّبة التي لا يستطيع أن يواجه فيها، لمساحة أخرى لم يتجهزوا فيها بعد.
لا صاحب العمل سيفهم ما يحدث ولا الموظفة ولا العمال، وعليه أن يواجه بطريقته.
ونادته وهو يهم بتبديل ملابسه ليمرّ على المكتب. حين دخل المكتب كان هناك جو من الرسمية المتوددة، تكلم صاحب العمل:
–         ما شاء الله أبو عمر، عملك ممتاز!
وطلب  من الموظفة أن تصب له القهوة. إنّه متبسّم يتحدث في موضوعات شتى تدور حول العمل. لم يخبره أنه يمتلك مهارات مسبقة في التعامل مع الآلات، وتركه يعتقد أنه اكتسبها داخل المشغل في الأيام السابقة. ودفع صاحب العمل الحديث نحو الحرفية، أن يصبح معلماً بأجرة أفضل. لم يهتم بالأمر، لأنه حديث مبكر ولأن أي عمل عنده، مساو لآخر، فالذي يهمه هو الدخل.
ثم حاول أن يحصل على معلومات عنه، فردد التفاصيل الاجتماعية والعائلية وأنه كان يضطر للعمل في الورشات. لم يعط تفصيلة واحدة حول عمل سابق خاض فيه شيئاً يؤدي للتصادم مع أصحاب العمل والذين يدعمونهم في السلطة، لأنها غير مهمة طالما هو مجرد عامل، ولأنه لا يريد تداخلات لا يفهمها.
أخيراً أخذوا بصمته للحضور والغياب، مع أنهم لم يثبّتوه بعد، ولم يفعلوها مع غيره من العمال الجدد.
لا مشكلة مع البصمة، لكن لا بصمات عند السلطة وليتحققوا من شخص مثله، هو المعتقل السابق، لا بد من العودة لقاعدة البيانات التي عند..
(2)
ولا كلمة واحدة نقابية صدرت منه. وتحدث أمور عمالية مشاكل وشكاوى ومنافسات، فلا يتدخل. ولأنه الأكبر في المشغل قد يلجأون إليه، فيتكلم كلمات مقتضبة عن كونه جديداً وأن الآخرين أصلح منه ويحاول حل الموضوع بالحسنى. لكنه إن تضامن مع عامل مهدد بالتسريح أو دارت حوله مشكلة، ألمح له، بخفاء، عمّا قد يحدث.
العمال ضباع متصارعة ومن يستطيع اكتساب شيء على حساب الآخر لا يتأخر أو يتردد. ويستفيد صاحب العمل من الصراع فيؤججه. ومن في الخلف يهمهم الولاء. بالنسبة له، هو النقابي السابق، الذي يجهلون عنه أشياء كثيرة ويكتفون بمناداته بأبي عمر، تغيّرت أموره لكنه لا يريد توضيحها لأحد.
لم يعد يؤمن بالنقابية والعمل الجماعي وانتزاع الحقوق والمكتسبات إنما الاصلاح، أن يحسّن الأوضاع بصفة فردية، وإذا كان هناك تحرك جماعي يتضامن معه ويقف إلى جواره، لكنه لا يتبناه.
على الطرف البعيد، ما خلف صاحب العمل والتأمين، يعلم أن ثمة اشياء كثيرة تدور. ليست لديهم سوى اشارة واحدة: ترك التدخين، ويحرص على الصلاة. لكنه يصلي في وقت الاستراحة، وقته الخاص هو. وهي أمور لا تقتصر عليه، ويفعلها عمال آخرون.
//
ويقترب منه حرفيّ صديق لصاحب العمل، وكان صاحب مشغل وانكسر، ليخبره –بتضخيم وأهمية مفتعلتين- أنه يوجد زائر للمشغل. يلقي عليه نظرة ولا يكترث به. لم يغفل عن حذائه العسكري وإن كانت ملابسه مدنية. يتواجدون في المنطقة الصناعية بكثافة، لأن إلى جانبها معسكرا ومستوطنة..
في مرّة ثانية، قال له مباشرة:
–         مخابرات!
–         ايش خصنا؟
لا يجهل أن الحرفي السابق نفسه، محدّثه، خلفه ما خلفه!
(3)
وقالوا بعد اسبوعين إن القطع الألفين التي قصّها على الآلة قصت بقياس خاطئ! تلك كارثة مالية.
كان يفضّل العمل على الآلات ليفكر براحته وليتجنب الاحتكاكات. يحدّث العامل هذا أنه لم يخطئ لكنه يشيح بوجهه، ويتكلم مع آخر فيتصرّف الأخير بخيبة أمل.
يحاول التكلم مع المسؤول الشاب، فيهز له رأسه بعينين مكذّبتين.
عندما أتى صاحب العمل وعرف ما حصل، صار وجهه شديد الألوان ولم يستطع قول شيء له، هو الأكبر عمرا، “العامل الجديد” الذي حمله العمّال الآخرون مسؤولية الخطأ. هزّ صاحب العمل رأسه وطلب أن يشلفقوا التجميع كيفما اتفق.
لم يسلّم بما حصل وإن كذّبه الجميع.
ظل يبحث عن القطعة الأصلية التي أعطاها له الحرفي المنكسر ليقص القطع على طولها حتى وجدها، وعندما اختبرها وجد قطعه الالفين صحيحة القص.
انتهز قدوم صاحب العمل، وحدّثه مباشرة تاركا عمله، فتوقف العمال عن العمل. وسلّمه في النهاية القطعة التي قصّ على طولها. ولكي يدفع أي شك عنه، طلب منه على مسمع أن يعود للكاميرات ويتأكد بنفسه مما حصل..
وقاس صاحب العمل القطعة الأصلية وقطعه هو، أمام جميع العمال، وسكت دون أن يقول شيئاً. ظهرت أمانته. وعندما كان يخرج النفايات للشارع اقترب منه وهمس له أن يتأكد من العمل بنفسه من خلال استلام الطلبية نفسها ورؤية المواصفات، وأن يحذر “لأن الآخرين قد يسعون للاضرار به”.
وصلته الرسالة التي سرّبها صاحب العمل.
(4)
وأبو عمر حديث المصنع!
المسؤول الشاب، الحركيّ، يغازله ويتودد له. ولا يجهل أن خلفه ما خلفه. لم يأخذ منه شيئا واحداً!
العمال يتضامنون معه ويبدون احترامهم له، مع أنه يحاول العكس، أن يكون مجرد عامل بينهم.
والسكرتيرة تهتم به وتوصله بسيارتها وتحاول خلق أحاديث معه وتطرح أسئلة يتجنبها.
والحرفي السابق يقترب منه ويعرض عليه أن يشكلا تحالفاً يحل مكان الشاب المسؤول، ويصير هو حرفياً بأجرة أعلى، مكان المهدد بالتسريح.
هذه المرّة أخبره بوضوح:
–         لن أكون سبباً في قطع رزقة أحد، خاصة العامل المهدد بالتسريح، القديم منذ سنوات وسنوات صاحب الأجرة الأعلى.
بوجود الآلات التي تنجز العمل بسهولة، لم تعد للحرفية أهمية كبيرة، فيحاول صاحب العمل تخفيض التكاليف.
–         اعوذ بالله أن اقطع رزقة أحد!
وأوضح نفسه قدر المستطاع:
–         حق صاحب العمل يصله بأمانة ونزاهة، وأنا مع العمال دائماً وأبداً.
لم يتشاجر مع أحد أو يتواطأ معه أو يغتر به أو يصعد على ظهره. كان يعمل بأمانة، مفضلا تجنب الاحتكاكات. لكن الاختبار الحقيقي سيكون تجاوز الشهر الثالث، فترة التجريب. ولما سُرّح أربعة عمال منهم حرفيون، عرف أن صاحب العمل قد لبّى طلبياته كلّها، وأن التسريح سيصله آجلا أو عاجلاً.
//
يوم القبضة الثالثة له وجد السكرتيرة تتحدث بطلاقة نيابة عن الجالس في مكتبه. قدمت له المظروف الذي يحتوي راتبه، وجعلته يوقع على سند قبض، ثم أخبرته أن يرتاح عدة أيام لأن الشغل خفيف.
لم يكن هناك ما يقوله، فهو يقدّر هذا سلفاً. صمت.
في الطريق فتح المظروف فإذا به يحتوي مبلغاً أكثر بكثير مما يستحقه، لأن السكرتيرة -على ما يبدو- عاملته معاملة الحرفي.
عاد للمكتب وقدم المبلغ الزائد، فاحمر وجهاهما بشدّة: صاحب العمل، والموظفة التي أخطأت! يظل عليه أن يجد طريقة ليواجه الآخرين الماكثين في مكاتبهم، متخفين خلف المعاملات الرسمية وإجراءات التأمين وصفتهم الوطنية.
وهو ما سيحصل بوضوح في العمل التالي.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة