مــفــكــرون لــلـسلــطـــان – بقلم د . احمد الخميسي

فن وثقافة ….
بقلم : د. أحمد الخميسي – مصر ….
يقول كافكا ” الكتابة هي أن تهجر معسكر القتلة”، يقصد بالنسبة للكتاب الذين يمثلون الضمير الانساني وعذابات البشر وتوقهم للحرية، إلا أن التيار الأغلب في تاريخ الكتابة كان تيار الكتاب الذين بذلوا عصارة عقولهم خدمة للسلاطين والأمراء، وفي ذلك ينطلق عدد كبير منهم من أن النصيحة الصادقة هي كل ما ينقص الحاكم، وأن إسداء النصح إليه يؤدي لتحسين أداء السلطة. ويشير د.عز الدين علام في كتابه ” الآداب السلطانية” ( عالم المعرفة 2006) إلي أن ذلك الفكر نوع قائم بذاته داخل الفكر السياسي لازم الثقافة اليونانية والعربية والفارسية والأوروبية. لهذا سنجد في تلك النصوص الاستعارات المستقرة التي ترى أن الكاتب لسان السلطان، مثلما أن الوزير يده ! ومن العناصر المهمة في تعريف الكاتب السلطاني أنه رجل سياسة ورجل ثقافة في الوقت ذاته. ويتداخل في كتابات أولئك المفكرين التعبير الأدبي والسياسي بالاغتراف من شتى مجالات المعرفة. ويرى عابد الجابري أن استبداد الحكام يجد غطاءه الأيديولوجي في مثل تلك الآداب. في حينه عارض ابن خلدون تلك المؤلفات واعتبرها ” لغو أحاديث واستكثار أقوال.. لأن طبائع العمران هي التي تحكم أفعال السلطان وليس ما تخططه هذه التآليف”، وهكذا رأى ابن خلدون مبكرا أن إسداء النصح للحكام هو تصور مضلل لإمكانية القفز على الشروط الحقيقية التي تحكم حركة الحكم والحاكم والتي لا ينفع فيها” إسداء النصح”. ويمكن اعتبار نص جلال الدين السيوطي المسمى ” ما رواه الأساطين في عدم المجئ إلي السلاطين ” بمنزلة تكثيف لمختلف الآراء المعارضة للعمل مع الحاكم ، إذ يعبر فيه بوضوح عن رفضه حتى لمجرد الدخول إلي بلاط السلطان ناهيك عن قبول عطائه ، انطلاقا من مبدأ الحياد الذي يدعو الفقيه العالم إلي اعتزال دنيا الحكام حتى لا يكون عونا لظلم السلاطين ولكي يحافظ على مكانته العلمية من”مذلة ” قد تلحق به. أما الفقيه الشوكاني فاتخذ موقفا عكس ذلك تماما وبرر في كتابه ” رفع الأساطين ” تعاون المفكرين مع الحكام وكتب قائلا : ” إن كل بني آدم يسعى من أجل تحصيل الرزق بشتى الطرق فكيف نحرم هذا على العلماء وهم ذوو بضاعة خاصة ؟ “. أي أن الشوكاني يقول بصراحة إن الرزق يستلزم الحركة والخفة. وقد ظهرت فكرة اسداء النصح للحاكم في كتابات أفلاطون ونصائح أرسطو مرورا بكتاب كليلة ودمنة مرورا بكتاب ” الأمير” لميكيافيلي. وحين ترجم ابن المقفع ” كليلة ودمنة ” كتب منوها : ” إن ظاهرة سياسة العامة .. وباطنه أخلاق الملوك ” . وذهب أبو بكر الطرطوشي إلي أن قراءة كتابه المسمى ” سراج الملوك ” تغني الملك عن مشاورة الوزراء . لكن ذلك تاريخ ذلك الفكر السيسي الطويل لم يستطع اخفاء الحقيقة أو طمرها، سواء ما جرى منه بدوافع المصالح أو بدوافع جدوى إسداء النصح للحاكم، وظل على الضفة الأخرى من يقولون الحقيقة وهي أن “طبائع العمران هي التي تحكم أفعال السلطان وليس ما تخططه هذه التآليف”، وظل من يقولون إن : “الكتابة هي أن تهجر معسكر القتلة”.
***
د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة