من حكاوى الرحيل ( التاسعة ) مواجع الرحيل وعبثية الترحال – بقلم : د . سمير أيوب

فلسطين ….
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن ….
لِما يَشِفُّ من  مشاعرِها وما تَكْتُمه ، إيقاعٌ مًتمردُ النبرةِ ، لا يُشْبِهُ سِواه . وصخبٌ يُلازمُ أزمانَ معارجِهِ القولية .الكثيرُ من تضاريسِ جَسدِها المُكتَنِزِ ناطقٌ بِفصاحة  . تَمْنَحً نسائمُ حضورِها ، رمزياتٍ مُتَحَرِّكَةٍ  لكل ما قد يُلاِمسُ ذاك الحضور .
كانت على بُعدِ همسةِ عِطرٍ مني ،  حينَ إستأنَفَتُ هذا الحوارَ معها . لكنّي لم أتوقّع أبدا أن أخجل إلى هذا الحد ، وأنا أقارنُ فلسفةَ عقلي ،  بِتِلقائيّةِ أحاسيسِ تلك المرأة . التي ظلّت نسائمُها ، تُلاحِقُ عقلي ، تارةً مَشياً وأخرى هرولة .
قالت مُباغِتَة : …… ولا أذكرُ أنّي تَحررتُ من أسئلةِ جسدي ،  وإستبدادِ عقلي . بعضُ طغيانهما غيرَ مفهومٍ لي . ويحصد الكثيرَ من هَدأةِ لَيْلي .  أحياناً كنتُ أفقدُ توازني بينهما . فأُلقِي بأسلحتي ، لأعيشَ إنسانيّةَ قلبي ، بعيداً عن القوّةِ الّتي يًطلقُها عقلي في ظاهر تصرفاتي .
وأكْمَلَتْ دون أن  تنظُرَ بإتجاهي ،  أو أن تنتظر مني  تعقيباً :
لي قلبانِ مُشاغِبانِ يا سيدي  . ليسا من فصيلٍ واحد . قلبٌ في عقلي ، وعقلٌ في قلبيَ الآخر . تمورُ فيهما نسائمٌ وعواصِف . واحدٌ منهما يكرهُ مواجعَ الرحيلِ وعَبثيةِ الترحال . والآخرُ ، مُصرٌّعلى خوضِ التجريب . في البدايات ، لم أكن منحازةً لأيٍّ مِنهما . وقَفْتُ مُتفرجةً . تَرَكْتُ عقلي وقلبي على غارِبَيْهِما .
هذان القلبانِ المُستبدانِ . نجَحَتْ إشكالياتُ أفخاخِهِما الساحرةِ ، في خَلْخَلَةِ طُمأنينَتي ، فيما أعيش من قُصاصاتٍ واقعية . ولكن مع معطيات عَدِّ السنينَ وتراكُماتِها ، ما أعتقِدُه القُدرةَ القُصوى لإحتمالِي ، تَجاوَزَتْ أبعادَ ما قد مضى من عُمرٍ .  وباتَتِ الضروراتُ حَتمياتٍ . فَلَمْ يَعُدْ مُمْكِناً تجنبُ خوضَ هذه المعركة . وإن كنت أدركُ ،  أن لا تَكافُؤ بين ضروراتِ القلبين وحَتمياتِهما .
وتابعث وأصابعها تعبث بشئ من شعرها الغجري : لأعيشَ نفسي بِمَواريثِها ، وروحي بِقِيَمِها ، وفُتاتَ جسدي المُغَيَّبِ ، رفَعتُ أعلاماً ناصعةَ البياض .  وقررتُ التَّحللَ منَ الكثيرِ من أسبابِيَ المعقولةِ ، لأنها عاقرٌ . وقررتُ الإنصاتَ لِوخزِ قلبي ، الذي باتَ وحدُه ، هو اليقينُ المُمْكِن .
إلتفتت إليَّ معاتبة بشئٍ من سخرية مشاغبة : لا تبتسم مُتَشككاً او شامتاً او مُستنكرا . أُطمأنُك ، إن قلبي حُرٌّ ، وعقليَ هو الآخرُ حرٌّ . ولا يرغمهما على الخضوع ، إلا هَوى الحالةِ وجدلها الباطني .
إلتَقَطَتْ بِفِطنةٍ تُحسَدُ عليها ، طيفَ تساؤُلٍ كان يتجولُ بين عينيَّ وشفتي ، وتابَعَتْ قولَها :
بمنطقِ الإستثنائيةِ المُجْحِف ،  حشدتُ الكثيرَ من كشاكيلِ عقلي  وقَلَقِه النَّقدِي ، قبلَ أن أطرقَ سِمْعَكَ في هذا البوح ، عَلَّني أنجحُ في مُلامسةِ شيئا من فهمِكَ لما أُعاني . من أجل هذا أنا هنا الآن معك .
دون أن تتوقَّعَ ، ولَو شبهَ إحتمالٍ للإيقاعِ بها ، قلت : أنتِ إمرأةٌ تُرابيةَ المنابع والمراجع والمواطئ والمصب . تعيشين فراغا حِسياً مُتوالِدا ، ذا حضورٍ مُستبدٍ . وإن تسامى رأسُكِ في معارج السماء ، وإمتلأت رئتاك بالكثيرِ من جُغرافيا الهواء .
قاطعتني ، وهي تُحاول ان تَكظِمَ غيظاَ تنامى على صفحاتِ وجهها : بل أنا يا سيدي ، بوقائعِ حياتي ، إنسانةٌ جدا . تستدعي كل ما تعرفه عن الفرح ، وتسخره في هندسة قلبها وتنميقه بِصدودُ  التطرف ومحرضاته . .  مُبتلاةٌ ليلَ نهارٍ ،  بِصمتٍ مُمْتَلِئَةٌ خوابيهِ حَدَّ الحَوافِ
مكتظةٌ لو كنت تعلم ، بِيُفطٍ تُبعثرُني كل ليلة ، بعد أن تُلاعِبَ مسارِبَ أحلامي ومَواجعَها ، من عيونِ الليلِ وهيَ تَرْحَلْ ، تراتيلُ ام كلثوم ، دِفءُ عطرٍ مشاغبٌ بِقسوة ، شمعةٌ يُراقِصُ وهجُها مَرايا سريري ، خصلاتٌ من شعريَ الغجريِّ المجنونِ تُداغِبُ شَفَتَي . كل ذلك وأنا أدركُ ان مداراتُ عطشي ومَنْطِقَهُ الهامسُ ، لن يرويها ويفتنها بالتبريد ، إلا الكثيرُ من تَوابلِ مطرٍ يُسافر إليَّ مُحرِّضاً ، بلا انقطاعٍ وبلا تعب  ،  بحثا عن مُستَنبتاتيَ الخصبةِ ، سواءٌ ما قبلَ شباطٍ او ما بعد نيسان ، وبالطبعِ ما بينهما من حضورٍ لا ينقطع .
الاردن – 24/9/2016

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة