إضاءة على إغتيال المخيمات الفلسطينية – بقلم : د . سمير ايوب

إصدارات ونقد …
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن …
تل الزعتر إبادة جماعية ، لن تنسى ولن تغتفر
منذ أيام في 12/8/2016 ، في الذكرى الاربعين لسقوط مخيم تل الزعترفي لبنان ، أصدر الصديق الدكتورعبد العزيز اللبدي ، شهادته الثانية عن مجزرة المخيم .  في 376 صفحة من القطع الكبير ، يضمها كتاب صادر عن منشورات ضفاف في لبنان ، عنوانه يشي بمضمونه بشكل جلي ، تعمد الشاهد الراوي ان يكون بإسم : حكايتي مع تل الزعتر .
تل الزعتر كان واحدا من ستة عشر مخيما للاجئين الفلسطينيين في لبنان . ازيل بالكامل من الوجود ، إثر واحدة من أبشع جرائم العصر . بات منذ يوم 12/8/ 1976وسيبقى ، عنوانا لجريمة مهولة ، لا تشبه ايا من تلك التي ارتكبت بالمتعمد المقصود هناك . إرتكبها فاشيون عنصريون . وصمت عنها بالتواطئ وبالتقصيرعرب .
فمخيم تل الزعتر ، لم يكن الأضحية الأولى في مذابح المخيمات ، والتجمعات الفلسطينية . فقد سبقه مخيم النبطية في جنوب لبنان . ورافقه مخيم ضبيه القريب منه  . وتبعهما مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت , وفيما بعد مخيم نهر البارد في شمال لبنان . ومخيم جنين في فلسطين المحتلة . وتجمعات الفلسطينيين في ليبيا ، و في الكويت ، و في العراق . ومخيم اليرموك في سوريا . محافل المعسكر الصهيوامريكي ، وادواته وأذرعه من الأشباه ، هم وحدهم من يعرفون ، كل وفق حجمه ودوره في إبادة الفلسطينيين ، مِنْ مخيم اليرموك الى أين ؟ ومتى ؟ !!!
على الرغم من كل العناوين المثقلة بالتفاصيل وألغازُ التفاصيل ، في وحشية محاصري المخيم  ، وبربرية الموجات المهاجمة له ، والأصابع الصهيونية الحليفة للأنعزالية الطائفية الهمجية ، والصمت العربي المريب والمتواطئ ، والتقصيرالفظ والمشبوه للقيادة الفلسطينية آنذاك ، بقي تل الزعتر ، غنيا بالمتلازمات النضالية الفذة ، التي عززت صموده الأسطوري على كل الصعد ، طيلة 52 يوما من الحصار الوحشي الظالم . منها المستوى البطولي للمدافعين عن المخيم ، متلازما مع الصمود العظيم لأهاليه . المقاومة الصحية في المخيم ، كانت هي الأخرى عنوانا كاشفا في ملحمة الصمود تلك  .
الصديقان الدكتور عبد العزيز اللبدي ، والدكتور يوسف العراقي ، وباقات من القامات والهامات الطبية والصحية ، نحتوا معا ، بدمائهم وعرقهم وقلقهم ، وهندسوا بصبرهم ، وجسدوا بعزمهم ، تجربة طبية في تل الزعتر ، فريدة تعز على الوصف . تمثل بحق ، الواجهة الصحية في الصراع من اجل الحياة الانسانية ، في ظروف كانت ولا اسوأ . آنذاك ، كان كل شئ في المخيم شحيحا بإمتياز ، إلا كَمُّ الكراهية ونوعية الحقد ، وشبق القتل والتدمير، لدى قتلة تل الزعتر .
في صفوف التجربة الصحية تلك ، نساء ورجال من كل الأعمار ، محترفون ومتطوعون ، من كل الأطياف السياسية والتنظيمية في المخيم ، نجح الثنائي الدكتورعبد العزيز والدكتور يوسف ، في تنسيقه وتفعيل دينامياته ، للعمل بمرونة  كفريق عمل متطوع بإحتراف . في تجربة خلت كثيرا آنذاك ، من كل مظاهر الإمكانيات الضرورية ، لرسم  الحدود المتداخلة بين المكونات المادية للنجاح والفشل المستحيل . إستثمروا بتركيز مبدع ومبتكر ، في كل ومضة  من عزم ومن ارادة ومن أمل ، دفاعا عن حقهم في الحياة . كان يصعب عليهم العيش بدونها او تجاهلها .
عبد العزيز و يوسف ، قائدان ميدانيان للصمود الصحي في المخيم ، كما عرفتهما عن قرب شديد ، بصفتي أثناء محنة إغتيال مخيم تل الزعتر ، كنت مسؤولا لجهاز ألإعلام المركزي والعلاقات العامة وشؤون المتطوعين في الهلال الاحمر الفلسطيني في لبنان ، هما شخصيتان مسيستان ، ثريتان بتجربتهما النقابية الميدانية . أنخرطا في تجربة تل الزعتر ، وهما يؤمنان بقيمة العمل الجماهيري المنظم والمتراكم ، والمهتدي بفكر راشد بالعلم والإنتماء الملتزم . فمارسا بشكل مميز وإستثنائي ، مع اطقمهم الطبية في الزعتر ، روح الصمود وإبداعاتها . تواجدهم هناك طيلة ايام وليالي الحصار ، وعملهم الدؤوب وسط الناس ، اضفى رمزية  وشهرة وجاذبية لتجربتهم . التي اشارت الى قدرة العمل بين الجماهير وتعبئتها ، بعيدا عن فذلكات التنظير والأستقطاب والتفرقة والتحريض ونقص الأمكانيات وسوء الظروف .
مع بداية هذا العام ، قبل الذكرى الأربعين للمجزرة ، أنجز الدكتورعبد العزيز اللبدي ، قراءته الثانية ليومياته في التجربة ، التي عاش دقائقها باللحم العاري ، والأعصاب المشدودة ، والعزم الجسور ، اثناء حصار واغتيال المخيم .  خدمة للذاكرة الجمعية العربية الفلسطينية ، وجموع العطاش لمعرفة كل او جُلِّ ما حصل ، ولِمَ حَصَلْ ،  والدروس المستفادة من التجربة وتداعياتها . وقبل ان تمضي الذكرى ، صدر كتابه هذا ، مع ما أصدره الدكتور يوسف العراقي ، حراسا أمناء للذاكرة الجمعية ، واضعا بأمانة الشاهد المشارك بوعي ، الكثير من النقاط ، على الكثير من الحروف ، التي يراد لها أن تطوى بالنسيان ، وبالتناسي المتعمد المشبوه .
قبل أشهر قليلة ،  شرَّفني صديقي العزيز الدكتور عبد العزير اللبدي ، بالطلب إلي ، ان أقدم لشهادته التي أعدها بتأن شديد ، والذي عرفت عن قرب ومتابعة حثيثة ، الكثير من تفاصيل ملف المجزرة . ، فقد كان من مهام عملي في الهلال الأحمر الفلسطيني آنذاك ، توثيق التجربة الصحية للمخيم ، ومجزرة اغتياله .
وفي مقدمتي للكتاب قلت :
نص جديد كتبه د عبد العزيز اللبدي ، يستشعر فيه ، لااهمية ما عايش شخصيا من تفاصيل الحدث وويلاته الواقعية ، التي ما تزال آثارها الدامية وتأثيراتها المدمرة حية وقريبة . وبكثير من التبصر ، يحاول تلمس دروسه . حتى تتاح الفرصة لكل من اسهم او كان شاهدا او شهيدا ، لمناقشة متأنية ، بعيداً عن أحكام الثأر والحقد ، وجدل المصالح المتضاربة والمتزاحمة حد الأحتراب ، كل ما شهدت  زوايا ولجج وضفاف المجزرة ، من شذوذ في الأختلاف وفي التصادم وفي الأصطفاف . فمسارات الصراع وهي ترسم أيا من خطاها الصغرى ، لا يجوز لها في اي حال من الأحوال ، ان تغفل الرؤى الأستراتيجية المتكاملة .
نعلم الكثير عمن تخلوا عن الزعتر لصالح مواقعهم السياسية ، ولكن حماقة الزعتر ، صمود الزعتر ، معاناة الزعتر ، سقوط الزعتر غيلة ، زوايا لنتائج فضحت القصور والتقصير ، وعرت الفساد من دواخله ، والمؤامرة من أرحامها . على أرض الزعتر تعمقت كثيرا ازمات جميع من تلوثت اياديهم وقلوبهم وعقولهم وضمائرهم ، والممسكين من وراء الكواليس بخيوط الحماقة الزائفة . كلهم كانوا حينها قد قرروا ، تحت ضغط من العدو الصهيوامريكي ، أن يقطعوا خيوط الصمود في الزعتر ، وأن يتركوه في العراء لمصيره الحتمي الدامي ، حيث لم تنفعه مظلة اتفاقيات ولا تحالفات ولا حتى مظلة التوافقات .
سقط الزعتر باللكمات . دخل التاريخ . سيبقى مع غيره من الدم الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها ، يلاحق كل مسؤول ولغ بالدم . وسيبقى يلاحق احرار العرب في فلسطين وخارجها ، لتذكيرهم بأن كل ألآفاق مشرعه في قادم الأيام . فالنوازل كاشفة بالضرورة ، لجدية الانتماء والالتزامات واخلاقيات الخلاف والأختلاف ، بين الأعداء المتصارعين ، وبين المختلفين من الأعدقاء والأدعياء .
الكتاب في الواقع ، وثيقة تاريخية مهمة. لا غنى عنه لأي باحث عن اجابات لأسئلة معلقة ، وإن كانت غير محايدة ، ولا حصر لها .
وثيقة تستحق الاحترام والتقدير ، لأنها :
– تفتح الآفاق لمقاربات ومحاولات أكثر من  موسمية لأِستخلاص الدروس والعبر . محاولات منظمة بدقة وإتقان ، لمخاطبة الذات قبل الآخرين . مآسي فلسطين المحتلة وأهلها في كل مكان ، ليست بحاجة الى بكاء او غضب حاقد . بل غضب دارس يتعظ ويعتبر. ويحاسب المقصرين والمتواطئين ، وكل من إرتكب اثما سياسيا او نضاليا في حق فلسطين .
– وتعيد التأكيد على ضرورة إبتداع رؤيا جمعية للصراع وطبيعته ، مع كل مكونات معسكر الأعداء ، وتحديد مفردات معسكر الأصدقاء والحلفاء ، وتحديد جلي واضح للأدوات والأولويات والمواقيت . دون ذلك سيتكرر إغتيال الحلم والأمل والتبريرات والأتهامات . وسيبقى تحرير فلسطين بالتأكيد  ، على الطريق غير الصحيح الى حيفا .
تحية للصديق د عبد العزيز وشريكه في التجربة د يوسف ،  وكل مدخراتنا ممن مضى الى ربه مستشهدا ، وممن بقي من المناضلات والمناضلين من امثالهما. المجد لأرواح اهلنا في تل الزعتر وغيره ، دماء اكثر من 3000 من الشهداء ممن راحوا ضحايا مجانية ،  تلعن صبح مساء ، المجرمين والمقصرين والمتخاذلين والمتواطئين ، وكل من ورطهم في خلافات عربية ، لا ناقة لهم فيها ولا جمل . وحمى الله فلسطين من سيناريوهات تكررت وما تزال .
تل الزعتر مذبحة  – جريمة ، مسكوت عن الكثير من دهاليزها ، ومن دروسها حتى الآن . يراد لها ان تدفن . حتى لا تبقى شاهدة على مؤامرات أرتكبت ، وما تزال ترتكب يوميا ، ضد فلسطين واهلها في كل مكان . لن يفلت من الحساب ومن العقاب يوما ما ، أي ممن تشير لهم أصابع الإتهام .
الاردن – 18/9/2016

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة