قراءة في (قصيدة “مسرى الرعاة”لسليمان الفليّح) بقلم : فيحاء المرزوقي

اصدارات ونقد …
بقلم /فيحاء المرزوقي …
أينٓ يذهبُ رعاةُ الإبلِ في هذا الليلِ؟
مرّوا بي متّجهينٓ ملثّمينٓ يحثّون المطايا إلى جهةٍ غامضةٍ في البراري
تُطاردهم ناقلاتُ الجنودِ
علّقوا أحواضٓ الماءِ فوق دفوفِ النوقِ
علّقوا ربابهم المصنوعِ من جلدِ الذئبِ
علّقوا أرانبٓ مسلوخةٍ،وقنافذٓ بائدةٍ
علّقوا بنادقهم في السماءِ
علّقوا أمشاطٓهم،ومكاحِلهم،وحلي النساءِ
علّقوا سفائفٓ مزركشة بالودعِ
علّقوا بسطاًملونةً،ومرايا زرقا
علّقوا جراءَ،وطليان صغيرةً في الخروجِ
علّقوا اطفالهم في الفضاءِ
علّقوا نسوانهم في الهوادجِ
علّقوا صقورهم المدربةِ ،وكلابهم فوقَ سياراتِ الجيب الحمراء
علّقوا أعينهم في الغيومِ
***
أين يذهبُ رعاةُ الإبلِ في هذا الليلِ؟
هل يقتحمونَ المدينةًًًِ؟
هل يرعونَ الحدائقِ؟
هل يدخلونَ القصورَ لترعى جمالُهم الأزهار من على الشرفاتِ؟
هل يجتاحونَ الإستاد الدولي المزدانِ بالعشبِ؟
هل يرعونَ حقولَ النفطِ ؟
هل يرعونَ حقول الألغام ؟
هل يغرقونها بالبحرِ؟
هل يعبرونَ الحدودَ؟
هل يطلقونَ عليها الرصاصَ ؟
هل يطلقونَ عليها الذئابَ؟
هل يطلقونَ عليها الجربَ؟
هل يطلقونَ عليها سني الخرابَ؟
هل يعيدون إليها حروب العربْ؟
يتخذ الشاعر نهجاً جديداً في المعالجة،وشكلاً متميزاًفي البناء،فلم يتبع الطريقة التقليدية من حيث التزام القافية ،والوزن الخليلي ،بل اتبع نظام التفعيلة في الوزن ممايدل على أنه شاعر حداثي،مجدد
يبدأ الشاعر قصيدته باستفهام على أمل وجود جواب حيث يرتبط بهذا السؤال رموز محيّرة،وتفصيلات عميقة في تعقّب وجهتهم الغامضة حيث يقول:
(أين يذهب رعاة الإبل في هذا الليل؟
مرّوا بي متّجهين ملثّمين يحثون المطاياإلى جهة غامضة في البراري
تطاردهم ناقلات الجنود
علّقوا أحواض الماء فوق دفوف النوق ،علّقوا ربابهم المصنوع من جلد الذئب،علّقوا أرانب مسلوخة ،وقنافذ بائدة،علّقوا بنادقهم في السماء،علّقوا أمشاطهم ،مكاحلهم ،وحلي النساء…)فهذه المسافة الطويلة  تحتاج إلى زاد كافِ ،وهو ماتعّمد الشاعر ذكره من خلال استحضار  المؤونة التي يحتاجها المسافر ولاسيما  البدوي عندما يهمُّ بالرحيل إلى وجهةٍ بعيدة،
في حين يتهيأ الشاعر لوضع مقارنة الشئ وضده  حيث قارن بين نقاوة عالم البادية بكل تفاصيلها ،وماتتمتع به من بساطة ،وأمن ،واستقرار،وراحة ،وجمال وبين عالم المدينة وضجرها ،وصخبها ،وارتباط المدينة بكل ألوان التعقيد،والاضطراب ،والخوف وهو دلالة واضحة على أن الفليّح من أنصار عالم الصحراء النقي،على عالم المدينة المضّطرب الملئ بالكوارث،والشاعر ربما أراد أن يصب لجام غضبه على المدينة من خلال قوله:
(هل يطلقون عليها الرصاص؟هل يطلقون عليها الذئاب ؟هل يطلقون عليها الجرب؟هل يطلقون عليها سني الخراب؟هل يعيدون إليها حروب العرب؟) وعلى الرغم من هذا التعصب لعالم الصحراءالنقي الفطري، إلا أنه استطاع أن يصوّر بعين الناقد مدى تأثير التلوث الصناعي، وخطورته على الحياة الطبيعية (هل يرعون حقول النفط؟
هل يرعون حقول ألالغام ؟)
الإيقاع والموسيقى الداخلية :-
اعتمدت القصيدة على الإيقاع الداخلي الذي يقوم على التكرار حيث ابتدأ الفليّح بجميع مستويات التكرار مبتدأ بالحرف ،ومنتهياً بتكرار الجملة
هذه التكرارات أحدثت دلالات إيقاعية كثيرة منها تكرارصوت النون الجهوري (٢٨)مرة وأيضاً تكررصوت الباء الذي يتميز بالشدة، والجهورية حيث تكرر في القصيدة (٢٣)مرة ليؤكد لى انفعاله،وتوتره مما أعطى النص بنية متناسقة،وبملاحظة التكرار اللفظي فإن الشاعر يكرر اسمي الاستفهام (أين) مرتين و(هل)في ثلاثة عشر مرة وهذا الكم من الاستفهامات هو المحور الذي نسج منه الشاعر تجربته الشعريه وهو مايدل على صوت الأنا المتمسكة بموقفها،والرافضة التخلي عنه ،ومما يمكن لهذا التكرار أن يولد ايقاعاً داخلياً في القصيدة من خلال إسهامه في تقوية المعاني الصوتية ،أما بملاحظة الفعل ،وسيره في سياق النص ،فإن الفليّح يكرّر الفعل “علّقوا “في اثني عشر موضعاً حتى يسير في نسق تكراري منظّم يعبر فيه الشاعرعن مدى تمسّكه وتعلقه بتفاصيل الحياة الصحراوية ،وأنسه بقربها,وأيضا كرّر الشاعر الفعل”يطلقون” أربع مرات،ليدل على الانطلاق والتمرد،في وجهه المدينة لأنها سبب في الاضطراب ،والكوارث، والحروب ويجب التمرد باطلاق الرصاص،والذئاب في وجهها ،أما تكرار الجملة فإنه يعد المرتكز الذي يقوم عليه البناء الدلالي للنص بالاضافة إلى المهمة النغمية التي  يؤديها التكرار في سياق القصيدة حيث يقول:
هل يطلقون عليها الرصاص؟
هل يطلقون عليه الذئاب؟
هل يطلقون عليها الحرب؟
هل يطلقون عليها …؟
فتكرار الجمل الأربع تتابعاً ربما زاد من فاعلية
التناغم بين عبارات القصيدة بشكل منظم، متناسق
وقد راعى الشاعر الإيحاء التعبيري،والإيقاعي للصوائت الطويلة من خلال منحها ظهوراً بفضل التكرار إذ نجد “قيماً موسيقيةً”لحروف المد ووجود علاقة بين هذه القيم يـُحدث تأثيراً ،نفسياً ،شبيهاً بالتأثير الذي يُحدثه لحن الموسيقى وهذا واضح من ورودها بشكل بارز في “رعاة،غامضة،البراري ،تطاردهم،أحواض،امشاطهم ،النساء،الغيوم،حقول،الحمراء،الليل ،السماء”فتفرض إيقاعها على إحساس السامع وهو إيقاع بطيء يلائم نبرة الخوف والاضطراب التي يعيشها الشاعر ،كما كانت إيقاعاته المتسلسلة التي يوظّفها تهدف في النهاية إلى خدمة البناء الشعري ،وربط المتلقي بالنص ارتباطاً وثيقاً.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة