العبادات التعاملية و العبادات الشعائرية – بقلم : محمد خضر قرش

كتابات ومواد دينية ….
محمد خضر قرش – القدس المحتلة …
بغض النظر فيما إذا كان القول المأثور والمنقول على الألسنة  منذ قديم الزمان ” الدين المعاملة ” حديث نبوي غير مسنود أو ضعيف أو مثل يضرب لتبيان أهمية العلاقات والمعاملات بين المسلمين ، إلا أنه من المتفق عليه أنه لا يتعارض مع نصوص الدين وجوهره. بل ذهب البعض إلى القول بانه مشتق أو مبني على الحديث الشريف ”  إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” فهو يعكس أو يدلل على مبلغ أهمية الأخلاق عند المسلم ، وهو تاكيد لعدة احاديث نبوية شريفة مثل “ألا أخبركم بأحبكم إليً وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ فأعادها ثلاثاً أو مرتين. قالوا: نعم يا رسول الله. قال: “أحسنكم خلقاً” رواه أحمد. وفي صحيح البخاري عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من خيركم أحسنكم خُلقاً” وقبل هذا مخاطبة الله عز وجلَ رسوله ” وانك لعلى خلق عظيم” فكلها تعكس عظمة الأخلاق في الإسلام. فالمسلم بحسن خلقه وأفعاله ومعاملاته وليس باقواله ولا بألفاظه السيئة وشتم الأخرين. فعامة الناس بغض النظر عن دينهم يتأثرون عادة بالأفعال والممارسات الملموسة وليس بالأقوال. فالدين ليس فقط أن تصلي وتصوم وتؤدي العبادات والشعائر والفروض وإنما في كيفية معاملتك للناس وعدم إيذائهم. وتأكيدا لذلك  قول الرسول عليه الصلاة والسلام:
((أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ ـ فقالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له, ولا متاع فقال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة؛ بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ ـ قبل أن يُقْضى ما عليه ـ أُخِذَ من خطاياهم؛ فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار))
فالإنسان الذي يغتاب ويطعن أخاه الإنسان ويأخذ ما ليس له ولا من حقه ويمارس الغمز واللمز والنميمة ويسرق ويذم الناس ويكذب ويفتري ويأتي بالفواحش،لكنه يصلي ويصوم ويحج كل عام, فمصيره إلى النار, هذا هو الدين! كما يقول العلامة الدكتور محمد سعيد النابلسي في شرح له لمعنى الدين المعاملة بتاريخ 29/8/1998 .فالدين أسه العبادات التعاملية فإن صدقت واستقامت،صحت العبادات الشعائرية؛فالأولى تعني أن تكون صادقا ًوأميناً وعفيفا ًومنصفاً ورحيما ًومتواضعاً ومؤدبا وعلى خلق فإن تحققت هذه، صحت العبادات الشعائرية أو الفروض كالصلاة والصوم والحج والزكاة. فالأخيرة لا تصح ولا تُقبل عند الله إلا إذا صحت العبادة التعاملية، وفقا لما ذكره النابلسي ايضا. فالعديد من المسلمين يتوهمون ويعتقدون أن كل من صلىً سواء في بيته أو في المسجد وأدى الفرائض الأخرى فهو مسلم متناسين أن المسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمِنه الناس على أموالهم, وأعراضهم, فالصفة أو الميزة المرافقة والملازمة والملاصقة للمؤمن ليست صلاته ولا صيامه ولا زكاته ولا حجه؛ بل في صدقه وأمانته وعفته.فالرسول عرف بأسم الصادق الأمين وليس بالحاج أو المزكي أو الصائم أو المصلي. فالدين وفقا لذلك يعني الاستقامة والأمانة والصدق والعفة والرحمة والعدل والإنصاف والابتعاد عن النميمة والفساد والإفساد والخداع وإيقاظ الفتن بأنواعها والتضليل وعدم سرقة الأموال العامة والخاصة وتجنب الاعتداء على ممتلكات وأموال المسلمين والنيل من أعراضهم وجز رؤوسهم على الملأ تحت صيحات الله أكبر. فالأعمال والسلوكيات والأخلاق الحسنة هي من تجعل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وليس الأفعال الشنيعة والشائنة التي يقوم بها العديد من المسلمين في العراق وسوريا والصومال واليمن ومصر، فعلى المؤمنين أن يعرفوا بان الله طيب لا يقبل إلا طيباً. فاقتصار مفهوم الدين على العبادات الشعائرية(الفروض) مفهوم مرفوض وغير مقبول عند الله. الدين بالأساس والجوهر يكون بالعبادات التعاملية، فإن صلحت وصدقت واستقامت، صحت العبادات الشعائرية. فاغلب المسلمين العرب ومن ضمنهم بل وفي مقدمتهم داعش والنصرة وأخواتها والذين يمولونها ماليا ويشكلون البيئة الخصبة لها ويدافعون عنها ويبررون أفعالها المتوحشة ويرددون من باب المباهاة والمفاخرة قوله تعالى ” “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، دون أن يكملوها فهي مشروطة بتحقيق وتطبيق ” تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ”. فالله سبحانه وتعالى قدًم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الإيمان به، وهذا يعني ان العبادات التعاملية هي جوهر الإيمان والإسلام والدين.فإذا لم نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر! فلا قيمة لما ندعيه بأننا نؤمن بالله وبأننا مسلمون،وبالتالي ستنتفي عنا بالضرورة وصف كنتم خير أمة أخرجت للناس. لم يعد من المقبول ولا من أصول الدين التغني بأننا خير أمة أخرجت للناس إذا لم نتوقف عن سفك دماء المسلمين وغير المسلمين المسالمين وغير المعتدين علينا أو المحتلين أرضنا والقيام بالعمليات الانتحارية ضد أبناء جلدتنا وعروبتنا وتدمير مؤسساتنا ومدننا وقرانا .فهذه كلها من المنكرات التي قدمها الله عز وجل عن الإيمان به واتباع شعائره. وخلاصة القول أن ذهاب المسلم إلى المسجد الأقصى أو أداء فريضة الحج والصلاة في المسجد النبوي الشريف  والكعبة المشرفة ونشر صوره على وسائل التواصل الاجتماعي للمفاخرة لا يمكن قبولها عند الله ما دامت عباداته التعاملية مع إخوانه المسلمين وبقية الديانات الأخرى سيئة وتقوم على الكذب والخداع وإيقاظ الفتن المذهبية والطائفية. فالرسول عليه الصلاة والسلام تزوج القبطية المسيحية واليهودية كما المسلمة وساوى بيتهما في المعاملات ولم يميز بينهما أبدا.تلك هي السنن الواجبة الإتباع من قبل المسلمين الحقيقيين .فمن لا يقيم وزنا للعبادات التعاملية فلا معنى ولا ثواب لكل عباداته الشعائرية ،لأن الله لا يقبلها ،فهو طيب لا يفبل إلا طيبا . وهذه السلوكيات والافعال الحسنة ما يتوجب على خطباء المساجد والوعاظ أن يركزوا عليه في خطبهم أيام الجمع وغيرها ونفس الشيء بالنسبة إلى أساتذة ومدرسي التربية الدينية في كافة مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي .فعليهم أن يزرعوا في عقول الطلبة صفات مدعي الإسلام و المنافقين وهي :إن حدث كذب وإن وعد أخلف وإن أؤنمن خان وإن صام وصلى وادعى انه مسلم ومنهم من يضيف إذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر.وهذا الحديث كما غيره كثير يؤكد على العبادات التعاملية باعتبارها أساس الدين.فاقامة الشعائر وتطبيق الفروض ضرورة ولكنها ليست كافية للمؤمن والمسلم الحقيقي ،فلا بد من مرافقتها وملازمتها بالعبادات التعاملية فهي الترجمة الفعلية للفروض ولصفة المسلم. وللحديث صلة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة