أفضل ليالى ذى الحجة – بقلم : السيد محمد المسيري

كتابات ومواد دينية …
بقلم السيد محمد المسيرى – مصر …
عندما يهل علينا شهر ذى الحجة من كل سنة هجرية نتذكر فيه سوياً أنه من أسمى الشهور الهجرية مكانة عند الحق تبارك وتعالى لكونه إحدى أشهر الحج الذى يحج فيه عباد الله المسلمون البالغون , العاقلون , الراشدون , المستطيعون على أدائه مرة واحدة فى عمرهم , ولكونه أيضاً إحدى الأشهر الحرم التى تكمن فيه , وفى شهر المحرم , وشهر رجب , و شهر ذى القعدة , ولكون الحج الركن الخامس الذي يقوم عليه الإسلام . ولكونه أيضا الركن الوحيد الذي يجمع أركانه (1) ففيه التوحيد الذي يعتبر أساس الإيمان والإسلام . وفيه الطواف بالكعبة وبالصلاة عندها . وهي قبلة المسلمين في كل صلاة . وفى هذا الخصوص ,  يقول أحكم الحاكمين فى محكم آيات كتابه الحكيم “ولله على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا” سورة آل عمران , آية 97 (2) .

ويقول رب العزة سبحانه وتعالى أيضاً فى آية أخرى “إن عدة الشهور عند الله إثنى عشر شهراً فى كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم” سورة التوبة , آية 36 (3). وروى عن عبد الله بن عمر رضى الله تعالى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , وصوم رمضان وحج البيت ” رواه البخارى (4) .

لذا , يستحب الصيام فى هذه الأشهر الحرم كما كان يفعل حبيبنا المصطفى سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه . قال عثمان بن حكيم رضى الله تعالى عنه : سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب ونحن يومئذ فى رجب قال : سمعت ابن عباس رضى الله عنه يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم ” . وبالتالى , فأفضل ليالى ذى الحجة هى الليالى العشر الأول منه .

-(2)-
وبشأن ذلك  يقول رب العالمين فى قرآنه الكريم “والفجر . وليال عشر” سورة الفجر , آية 1 , وآية 2 (5). ويقول المولى عز وجل أيضاً “وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق . ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات” سورة الحج , آية 27 وآية 28 (6). فالأيام المعلومات هنا هى العشر من ذى الحجة . ففضلها كبير , وثوابها عظيم , وقدرها رفيع , ومنزلتها سامية .
ووردت بخصوصها عدة أحاديث نبوية شريفة تحث على فضلها , وترغب فيها : منها : عن إبن عباس رضى الله تعالى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام يعنى أيام العشر : قالوا يا رسول الله ولا الجهاد فى سبيل الله , ولا الجهاد فى سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشئ ” رواه البخارى والترمذى وأبو داود وابن ماجة (7).
ويبين الرسول الصادق الأمين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم هنا أن العمل الصالح فيهن أفضل من العمل الصالح فى عشر رمضان فالعمل الصالح فيهن يكون بإكثار الحاج وغير الحاج من ذكر الله من تسبيح وتحميد , وتكبير , وتهليل , ودعاء إلى خالقهم , ومن تلاوة القرآن , ومن الإكثار من إخراج الصدقات على الفقراء والمساكين واليتامى , والبؤساء , والمحرومين , والمعوذين لكون الصدقة فى مثل هذه الأيام العشر هى فى قوامها من أسمى , وأقدس , وأحب الأعمال الصالحة , والخالصة للمولى جل ثناؤه إبتغاء وجهه الكريم , ورضوانه , ومرضاته عليهم أجمعين .
ومن ثم , جاء عن أبى هريرة رضى الله تعالى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذى الحجة , يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة , وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر” رواه الترمذى وابن ماجة والبيهقى . وعن أنس بن مالك رضى الله تعالى قال : كان يقال فى أيام العشر بكل يوم ألف يوم , ويوم عرفة عشرة آلاف يوم . قال يعنى فى الفضل ” رواه البيهقى والأصبهانى (8).
وعن جابر رضى الله تعالى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذى الحجة . قال رجل : يا رسول الله : هن أفضل أم عدتهن جهاداً فى سبيل الله قال: هن أفضل من عدتهن جهاداً فى سبيل الله , وما من يوم عند الله من يوم عرفه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهى بأهل الأرض أهل السماء : فيقول : إنظروا إلى عبادى جاءونى شعثاً غير ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتى ولم يروا عذابى , فلم يرى يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة ” رواه أبو يعلى والبزار وابن خزيمة وابن حبان والبيهقى (9) .
-(3)-
وبالتالى , كان رسولنا الهادى البشير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يصوم هذه الأيام العشر ما عدا يوم العيد . لذا , فصيامها سنة وتكون فقط على غير الحجيج . فقد روى عن أبى قتادة رضى الله تعالى قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة , فقال : يكفر السنة الماضية والباقية . ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة لمن كان موجوداً بعرفه أى الحاج . وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ” من صام يوم عرفة كتب الله بعدد من صام ذلك اليوم وبعدد من لم يصمه من المسلمين ثواباً ويتبعه سبعون ألف ملك إلى الموقف إلى الصرط , ومن الصراط إلى الجنة , وينشرونه بكل خطوة يخطوها ببشارة جديدة .

ومن ثم , وبناء على الإطار الآنف الذكر , فإن أفضل الليالى من شهر ذى الحجة هى الليالى العشر الأول منه لكونها أيام مباركة مليئة بالكثير من الفضل , والثواب , والعمل الصالح , والذكر , والدعاء , والإنفاق فى سبيل الله تعالى , ولتضمين كل ذلك فى القرآن الكريم , وفى السنة المحمدية المطهرة . وبالتالى , ينبغى على المسلمون الذين يؤدون شعيرة هذا الحج هذا العام , والذين لا يؤدونه أن يقتدوا بكل ما سبق تبيانه قولاً وفعلاً , وأن يغتنموا هذه الليالى الكريمة , ويكثروا فيها من الأعمال الصالحة , ومن أعمال الخير والبر , والذكر , والدعاء , وتلاوة القرآن الكريم أعلى مراتب الذكر , والصلاة والتسليم على الرسول الخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حتى يتقبل المولى سبحانه وتعالى خالص أعمالهم , وسائر أفعالهم .
الهوامش
1- السيد محمد المسيري , حكمة مشروعية الحج , مجلة المنهل , العدد 618 , ذو القعدة – ذو الحجة 1430 هـ – نوفمبر – ديسمبر 2009 م  , دارة المنهل للطباعة والنشر المحدودة – جدة المملكة العربية السعودية , ص26 .
2- سورة آل عمران , آية 97 .
3- سورة التوبة , آية 36 .
4- رواه البخارى .
5- سورة الفجر , آية 1 , آية 2 .
6- سورة الحج , آية 27 , آية 28 .
7- رواه البخارى والترمذى وأبو داود وابن ماجه .
8- رواه البيهقى والأصبهانى .
9- رواه أبو يعلى والبزار وابن خزيمة ابن حبان والبيهقى .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة