الغرائبية الفنية في الشعر والموسيقى – بقلم : تحسين عباس

فن وثقافة ….
بقلم : تحسين عباس – العراق …
إنَّ أوّل ما يستدعي الناقد للتعبير عما خالجَ ذائقتَهُ المعرفية، هو صورة الجمال التي يحملُها العمل الفني،من صياغةِ البناء،ومستوى التوصيل للمتلقي،وقد لاحظت في أغنية ( أذلني حبي)، للفنان القدير رعد بركات غرابةً في تجسيد الوجع العراقي بما يحملُ منْ حزنٍ ومعاناةٍ، وبالرُغم من أنَّ بناءَ الموسيقى كانَ بعيداً عن الهوية العراقية التي تُقاس بمعيار التراث الريفي والمقام العراقي، من حيث التأليف الغنائي وأسلوب إظهاره في اختيار التنغيم والإيقاع المألوف استخدامهُ عند العراقيين لكني، أحسستُ بهِ من وجهة نظرٍ مختلفةٍ، كأنَّ المُطربَ كان يتحدثُ بلسان حالِ العراقيين الذين وُلدوا في المهجر فهؤلاء بالتأكيد، كانوا بعيدين عن الإحساس المألوف بالموسيقى الشرقية، كما أنّهم قريبون وعلى تماسٍ مباشر من الإحساس الغربي، وبما أنَّ العراقيين قد اتسعت مساحة تواجدهم في الغرب من أثر الحروب وانتهاكِ الحريّات، فكانَ موضوع بناء هذه الأغنية منطقياً، لإيصال معاناة الاغتراب والحنين إلى الوطن بلسان حال المغتربين، كما أنّ بناء الأغنية بهذه الطريقة يشكّلُ حافزاً لتنويع آليّةِ الذائقة عند المستمع المواطن، عطفاً على أنَّ الأغنيةَ ستُشغِلُ اهتمام بلدان المغرب العربي لأنَّهم الأقربُ إلى الثقافةِ الغربيةِ لو تمَّ تسويقها إعلامياً بطريقةٍ ناجحةٍ وخصوصاً أنّها مكتوبة باللغة العربية وبقلم شاعرٍ كبير كــ ( يحيى السماوي).
الفكرة:
التجذر في أعماق الوطن هو أساس بناء فكرة النص الأدبي، وبالرغم من أنَّ كثيراً من الشعراء تناولوا هذا الموضوع وكتبوا عنه الكثير وكلٌّ حسب رؤيتهِ الفنية وتجربتهِ الإبداعية إلا أنَّ خبرة شاعرنا (السماوي) يحيى، حالت دون ابتذال في المفردات وطريقة الطرح الأدبية التي تحمل في عاتقِها عاملَي التوصيل والتشويق مع متعة متابعة القصد وكيفية استخدام الشاعر لعامل الفجأة الذي يُجبرُ القارئَ أو المستمعَ لهذا العمل الفني أنْ يعيدَ استماعَهُ للنصِّ وللأغنية بل أنّهُ سيحتارُ أحياناً كثيرة بين متابعة النص والتنغيم الرائع للفنان الرائد رعد بركات فقد جذبَهُ المعنى الأكبر لهذا النص كي يتسلقَ مقامُ النهاوند المشاعرَ الوطنية التي حملَها بين (شموخ النخلة وسمو الروح) وبين (دنو مقل العشب وأرغفة الشعب)، كم قصم ظهر العاشق هذا الاختلاف في القياس حين أذلهُ هذا التجذّر في انتمائهِ لهذا القلب المُبلّلِ بمعاناةِ العراقيين منذُ آلافِ الأنين والصبرِ المُعتَّقِ!
قد تكرستْ غرابة تكوين الفكرة في أنَّ الذلة في كلِّ مضامينها هي انتكاسة للكرامة إلا أنَ تكونَ في عشق الوطن، فهنا يكون معناها كرامةٌ،ولذة للذوبان في الانتماء، وقد عملَ الفنان الرائد رعد بركات في التنغيم على هذا المعنى في اختيار الإيقاع المترنح بين ضلوع مقامي النهاوند والحجاز كار والحجاز، فكأنّك تشعر أنَّ هناك لذةً في معاناة العاشق لمنابعِهِ الأولى التي لم يستطعْ نكرانَها والتنصلَ عن ارتباطِهِ الوثيقِ بها، بالرغم من كلِّ ذاك الاضطهاد والتشرد. كما صاحبت هذه الغرابة الأدبية غرابة البناء الموسيقي حيث ابتدأت الموسيقى مع الغناء بنغم النهاوند وانتهت بنغم الحجاز وهذا ما لم تشهدهُ الأساليب السابقة في التأليف الغنائي إلا القلائل من الغناء السبعيني كأن ينتهي الغناء بغير ما ابتدأ به من نغم، كأغنية ( يا طيور الطايره) و (مسافرين) و ( مره وحدة).
التنغيم (اللحن):
أذلني حبي
وجرحيٓ الممتدّ من خاصرةِ النخيل
حتى مُقلِ العُشبِ
أذلني حبي
وجرحيَ الممتدُّ من روحي
إلى أرغفةِ الشعبِ
أذلني حبي…. أذلني حبي
تبدأ الأغنية بمقدمة قصيرة من مقام النهاوند ( الماينور) وعلى إيقاع السوينك 6/8 تفاجؤنا الجملة الشعرية ( أذلني حبي) وهي تسري في أمواج الموسيقى و عذوبة التنغيم كي يبين لنا مقطع الأغنية الأول ما مدى هذه المعاناة وحجمها الممتد من خاصرة الشموخ إلى بطن الصحراء ومن الروح في سمائها إلى رغيف البسطاء.
( وحينما حاصرني الطغاة ذات ليلةٍ
عبرتُ سورَ الوطنِ الجريحِ
زادي……… قلقي…….
وكوثري: رعبي
طوّفتُ في حرائق الشرقِ
وحدائق الغربِ
وليسَ من صحبِ
إلا بقايا من رماد الدارِ
من طين الفراتينِ على ثوبي)
ويستمر نغم النهاوند في المقطع الثاني أعلاه وعلى نفس الإيقاع في أمواج المعاناة المصاحبة للقهر وإقصاء الآخر وإبعادِهِ عن جذورهِ ومنبعِهِ الذي نشأ فيه وترعرعَ بين شطآنِهِ ونخيلهِ وكيف أصبحَ الحال عليه في البحث عن السكينة التي يبتغيها الشاعر الذي يمثلُ كلَّ المضطهدين في الوطن الجريح حتى ينتقلَ التنغيمُ إلى نغمِ الحجاز من الدرجةِ الخامسةِ ليبصمَ على هذه المعاناة بالحزن فتتجسدُ الجملة النغميةُ في الصورةِ الشعرية الخاتمةِ لهذا المقطع (وليسَ من صحبِ إلا بقايا من رماد الدارِ، من طين الفراتينِ على ثوبي).
” فتشتُ في نفايات الحروب
عن مدينتي..
فتشتُ ما بين سبايا العصرِ عن حبيبتي..
فتشتُ عن طفولتي
وعن فراتٍ ساحرٍ عذبِ
فتشتُ يا ربي
وفجأةً
رأيتُ نخلةً على قارعة الدربِ
هززتها
فانهمرَ الدمعُ على هُدبي
وحينما هززتُ جذع الأرضِ
يا ربي:
تساقط العراقُ
في قلبي !! ”
وقبل أن يبتدئ المقطع الأخير تأتي جملة رائعة من نغم (الحجاز كار) منسابة من نفس الدرجة التي كان عليها نغم (الحجاز) فيتفاعلُ المعنى مع الحجاز كار لينتجَ لنا عراقاً مُسجّى بين نفاياتِ الحروب وسبايا العصر ونخلةٍ تحملُ بدلَ الرطبِ دمعاً، فقد كان التعبيرُ النغمي متداخلَ المعنى في الصورةِ الشعرية الهائلةِ التي بيّنت لنا أنَّ خيرَ الكون كلّهُ في بقعة العراق الذي استعارَهُ الشاعرُ بدلاً من الرطب، فهو حاضنة الحرفِ الأوّل ومهد الحضارات القديمة.
هنا كانت للمنغم رؤية من زاوية أخرى حيث بَقِيَ على نغم ( الحجاز كار ) مواظباً مع الصورةِ الشعريةِ الأخيرة بالرغم من أنّها توحي بالتفاخر وقد جاءَ التنغيمُ شديدَ الحزن، فكأنّه أراد أن يطرحَ تساؤلاً إنكارياً بحزنٍ داكن( أ هكذا يُفعلُ بمن لهُ فضلٌ على الكون كلّه؟!) وهذا ما ترجمَهُ الإخراج الفني للصورة التي ظهرت فيها فلول الحقد وهي تُكَسّر معالمَ الآثارِ الحضاريةِ الموجودةِ في مدينةِ الموصل.
الأداء:
مطربٌ وموسيقي كرعد بركات يملكُ كلَّ أدواتِ الأداءِ الجّيد والمتميز، فقد صاغَ تنغيمَهُ بنفسهِ طبقاً لإمكانيات حنجرتِهِ وسعتِها في أداء المساحة الصوتية المناسبة لفضائهِ الموسيقي حيث امتدَّ أداؤهُ إلى مساحةِ السلّم والثلاث درجات من السلم الثاني أي ما يُعادل ثمان مساحاتٍ صوتية، أبحرَ من خلالِها في عوالم نغم النهاوند من( الحجاز والكُرد) ومن ثمَّ إلى نغم (الحجاز كار).
التوزيع:
لعبَ التوزيعُ دوراً مهماً في إظهار معالم الجمالِ في التعبير والتوصيل حيثُ تعانقتِ الجملُ النغميةُ مع أصواتِ المؤثراتِ الموسيقيةِ في بدايةِ الأغنيةِ بصوتِ ينبوعِ الماء – الناعور- الذي يمثلُ الحياةَ والإنسانَ الأوّل الذي أسّسَ الحضارة وفي نهايتِها بصوتِ ضرباتِ القلب التي كانت تمثل القلقَ والتأسفَ والاستفهامَ الحزين،وقد تخلّل الأغنيةَ أسلوبٌ التداخل الصوتي – الهارموني- في أصواتِ الكورس والجملِ المُنغَّمةِ للتعبير عن صيحاتِ الوجع بمختلفِ الطبقاتِ الصوتية. كما لعبتِ المحاكاةُ بينَ الآلاتِ الموسيقيةِ دوراً جمالياً رائعاً حيثُ شكّلَ دخولُ الناي في مجالِ التأليف الغربي لهذهِ الأغنيةِ غرابةً في التوزيعِ كونَهُ من الآلاتِ الشرقية وقد نجحَ الموزِّعُ القدير رعد بركات بأنْ يؤالف بين المَعنى الصوتي للموسيقى والمعنى الإيحائي المُراد توصيلَهُ للمستمع حيث أعطى الناي إشارة للحزن وما آلَ إليه البلد من خراب بالرغم من أنّه ثمرة الحياة في هذا الكون.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة