صراع المفاهيم في عقل الإنسان – بقلم : بكر السباتين

دراسات ….
تحليل بكر السباتين….
*كيف نفهم أن الإنسان حيوان عاقل؟..
يتميز الإنسان بين المخلوقات الحية بأنه عاقل، فيقول المعجم الوسيط”تعقَّل الرَّجلُ : تفكّر ، تدبَّر ، فهم وأدرك” أي استخدم عقله.
من هنا فإن العقلاني مصدر صناعي لمن يستخدم عقله، وأخذت المذاهب هذا المعنى لتحدد علاقة السلوك المنهجي بالعقل، وعليه فإن من يقدم الفكر وإعمال العقل على العاطفة فهو عقلاني، والعكس صحيح وهذا في جوهره متفق عليه بين كثير من الفلاسفة.

*فما هو العقل؟
العقل هو مصطلح يستعمل، عادة، لوصف القدرة على التمييز والادراك واتخاذ القرار بالاستفادة من بيانات للدماغ البشري وخاصة تلك الوظائف التي يكون فيها الإنسان واعيا بشكل شخصي مثل : الشخصية، التفكير، الجدل، الذاكرة، الذكاء، التحليل وحتى الانفعال العاطفي يعدها البعض ضمن

*وظائف العقل.
يقول أبو حامد الغزالي العقل هو: “الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم، وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية، وتدبير الصناعات الخفية الفكرية”(مجلة البحوث الإسلامية).
*فالنظريات التي تبحث في العقل، ما هو وكيف يعمل، تعود تاريخيا إلى عهد أفلاطون وأرسطو وغيرهما من الفلاسفة الإغريق. النظريات ما قبل العلمية وجدت جذورها في اللاهوت والفكر الديني عموما. وركزت على العلاقة بين العقل، والروح (أو الجوهر الإلهي المفترض للذات الإنسانية). أما النظريات العلمية الحديثة فهي تعتبر العقل ظاهرة تتعلق بعلم النفس. وغالبا ما يستخدم هذا المصطلح بترادف مع مصطلح الوعي.

*كيف يفكر الإنسان
يتألف العقل الكلي من العقلين (الظاهر والباطن)، وهو يمثل البرمجيات في جهاز الحاسوب الذي يمثل بدوره الدماغ، بمكوناته من: الذاكرة ومراكز تحليل البيانات، ومستقبلات ما ترسله الحواس الخمس من رسائل مشفرة.
فالدماغ هو مركز الأعصاب الحسية وغرفة التحكم التي تسيطر على الخدمات اللًوجستية اللازمة لعملية التفكير برمتها. فدعونا نقف على مكونات العقل الكلي، وهما:
العقل الظاهري، والعقل الباطني.

*فما هو العقل الظاهري؟
هو العقل المدبر المخطط و المفكر بأسلوبه المنطقي، و هو الذي يسيطر على العقل الباطن أثناء اليقظة التامة، و يفهم الزمان و المكان؛ فهو يسمى أيضا بـ (عقل اليقظة) أو (العقل الواعي). و العقل الظاهر أيضا هو الذي يتعامل مع الثقافة الحديثة و التفكير العلمي؛ لكنه لا يتحمل التعب و الإرهاق؛ فالإنسان بحاجة للنوم لكي يرتاح هذا العقل، و بحاجة إلى استرخاء و طلق الخواطر كما يشاء؛ لكي يخفف من التعب الذي يعاينه من العقل الباطن.
ويرتكز في قيامه بعمليات التفكير على الدماغ الذي يمثل بالنسبة إليه جهاز الحاسوب فيما يمثل هو البرنامج الذي يعتمد في جمع البيانات على الذاكرة والحواس الخمسة، فيما يقوم الدماغ بتحليل البيانات المدخلة لاتخاذ القرار اللازم مستعيناً بالعقل الباطن.
وهنا يمكن الاستنتاج بأن سيطرة العقل الظاهر يمثل سلطة القانون ولكنه ليس بالضرورة أن يحقق العدالة التي لا بد وتقوم على الموازنة بين الفكرة والنزعات (الأسباب) الموجودة في العقل الباطن (في نظري)..
من هذا المنطلق تكون المذهب العقلاني القائم على إعمال العقل الظاهر قبل العاطفة الذي ساد فترة حركة التنوير الفلسفيّة في إنجلترا وفرنسا والولايات المتّحدة الأمريكيّة . أما المذهب الذي يتعارض مع العقلانية في ذهابه إلى تقديم اللاّمعقول على المعقول ويقول بأن العالم لا يُدرك كله بالمعرفة الواضحة بل يتضمّن بقايا غير معقولة وغير قابلة للتأويل ينتمي أدبه للخرافة واللاَّعقلانيَّة كمذهب ( الفلسفة والتصوُّف ).
العقل أسمى من الدماغ كما ذهب إليه جورج بيركلي في القرن الثامن العشر الميلادي، موضحاً بأن العقل البشري لا يعدو ان يكون بيانا للروح.بينما قلة من فلاسفة اليوم يمتلكون هذه الرؤية المتطرفة، لكن فكرة ان العقل الإنساني، هو جوهر، وهو أكثر علوا ورقيا من مجرد وظائف دماغية، لا تزال مقبولة بشكل واسع. لا بل نسفت تماما، من قبل توماس هنري هكسلي، وهو عالم أحياء وتلميذ لداروين، عاش في القرن التاسع عشر الميلادي. وافق هكسلي أن ظاهرة العقل مميزة في طبيعتها، ولكنه أصر على أنها لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء علاقتها بالدماغ. سار هكسلي وراء تقليد في الفكر المادي البريطاني يعود إلى توماس هوبز، الذي جادل في القرن السابع عشر، إن الفعاليات العقلية كلها محض فيزيائية في حقيقتها، رغم أن المعلومات الإحيائية التشريحية في عصره، لم يكن لها أن تدعم مقولته، أو توضح ما هو الأساس الفيزيائي لهذه الفعاليات العقلية. هكسلي جمع بين هوبز وداروين ليقدم رؤية حديثة (بمقاييس عصره) للرؤية الوظيفية أو المادية.

فما هو العقل الباطني؟
إنه عقل الخواطر و الأحلام؛ و هو (العقل اللاواعي)، و هو المسؤول العام عن مزاج الإنسان، و الذي يمنح الشخصية الإنسانية صفاتها الحقيقية، و لا يتعاطى بأسلوب المنطق؛ بل بأسلوب الإيحاء و التكرار.
ومن عناصر هذا العقل:
الخيال، الروحانيات، العاطفة، الميول، الأخلاق، الشجاعة، الخوف، الفطرة، الإيمان.
إن الصراع بين مكونيّ العقل الكلي يؤدي إلى مخرجات متغيرة بحسب المدخلات التي توفرها الحواس الخمس مباشرة، لتأخذ معها من الذاكرة ما يلزم عمليات التفكير، ثم تحليل البيانات في العقل الباطن كي تتحول إلى محددات ورموز يمكن تشكيلها وفق المعايير المساندة للعقل المباشر والمتاحة له في الذاكرة لبناء الفكرة، فإذا توافقت أثناء المراجعة والتقييم مع المنطق المتفق مع طبيعة الأشياء، سيتشكل الصراع مع العقل الباطني الذي لديه منطق آخر يتوافق والمصالح والميول الشخصية ونزعتي الخوف والشجاعة، والظروف المحيطة بالعقل والأهداف المنشودة، فيخرج الفكر بعيداً عن التجريدية، بل مفعم بمكونات الشخصية (القناعات)، من هنا ترافق الفكرة مبرراتها حتى تجد لها مسلكاً بين أفكار الآخرين.
من هنا طور “سيغموند فرويد” نظرية العقل اللاواعي، والذي ذهب إلى أن العمليات العقلية التي يؤديها الأفراد بوعيهم تشكل جزءا بسيطا جداً من الفعالية العقلية التي تؤديها أدمغتهم. كانت الفرويدية، بمعنى ما، أحياء للمذهب الجوهري للعقل، ولو تغطي بغطاء علمي.

*العقل الكلي التفاعلي..
العقل تفاعلي من أصله في البيئتين الطبيعية والإنسانية، من هنا تتولد الاختلافات في التوجهات، وتراكمها النوعي يحدد المسارات والمناهج المتوافقة أو المتعارضة.
وأهم خصائص العقل الكلي أنه يتفاعل مع الحياة وما فيها من خير وشر وحسب الموقف فإنه يتزود بمعطيات الحالة، وهنا يأتي دور الدماغ كوسيلة تقنية تقوم بتحليل البيانات بالتنسيق ما بين العقلين: الظاهري والباطني، وفق مخزون الذاكرة المعرفي، والعاطفي والروحي، ليبدأ صراع العقل الظاهر مع الباطني في إطار تحليل الموقف، ثم الحكم على المخرجات، ومقارنتها بالمحددات المعرفية والفكرية والأخلاقية التي تغلب على الذاكرة فتتولد إرادة الاختيار

•كيف يعمل العقل البطني؟
إن العقل الباطن ما زال يستخدم أساليب موغلة منذ القدم و منذ أن وجد الإنسان الأول في هذا الكون، و قبل اكتشاف اللغات و الألفاظ المعروفة للتعبير. و إذا حدث العكس و سيطر العقل الباطن كليا و باستمرار على العقل الظاهر فيحدث ما يسمى (بالجنون)؛ أما إذا كانت السيطرة مؤقتة فيحدث ما يسمى (بالغياب و الفناء المؤقت). و العقل الباطن مطيع للإنسان، و مستقبل لكل التعليمات التي نوحي بها إليه، و تزداد هذه الطاعة بالتمارين الخاصة بذلك. فيمكننا مثلا أن نوحي للعقل الباطن ببعض الأفكار عن أجسامنا؛ تتعلق بالصحة أو التوفيق في الحياة، أو أشياء أخرى؛ فينعكس هذا تلقائيا على شعورنا بالصحة و النجاح و التوفيق. و هذا هو المرتكز الذي يعتمد عليه في شفاء المرضى نفسيا؛ إذ أن الإيحاء لهم بأنهم سيشفون و أن معاناتهم ستنتهي، و أنهم سيصبحون أصحاء؛ هو الذي سيساعدهم على تخطي أمراضهم. و إذا كان العقل الباطن على خلاف مع العقل الظاهر؛ فستحدث الاضطرابات العصبية و عدم الشعور بالراحة، و قد تصل إلى حد المرض؛ و بالتلقين نستطيع أن نوجه العقل الباطن، و نجعله في خدمتنا حتى يكون مع العقل الظاهر على وفاق تام.

•كيف تولد الفكرة؟
لكن مؤثرات أخرى ستتحدى العقل الكلي (الظاهر والباطن) وتوقف اتخاذ القرار الحاسم فيما يوصف بحالة التردد، ولعل من أهم هذه المؤثرات تلك المخزنة في الذاكرة كتجارب سلبية أو إيجابية، والتي تزود مدخلات عماية التفكير بالخوف فتكون النتيجة قراراً بالامتناع، أو بالرضى فيخرج القرار بالموافقة؛بعد صراع بين العقلين الظاهري والباطني؛ ليضع العقل (مستعيناً بإمكانيات الدماغ وفق الظروف الداخلية والخارجية) خطته العملية بغية تحقيق ما يؤمن به، أو نبذ ما يرفضه العقل الكلي.
وبما أن الذاكرة التي تزود العقل بالمدخلات والتي تأتي على صورة تجارب وخبرات حياتية سابقة، ومحاذير، وقواعد منطقية وأخلاقية ودينية وحقوقية، ولغة، وأسئلة روحية ومادية منفتحة على كل الاتجاهات، إضافة للظروف المحيطة من مصالح وأزمات)، فإن خيار العقل يأتي بعد مخاض فكري كخلاصة منطقية للمدخلات، في صيغة جواب لأسئلة العقل الباطني :” ماذا وكيف ولم وهل” ثم يوازن العقل الي من خلال عملية التفكير القائمة على التحليل وعقد المقارنات وافتراض الحلول والنتائج وإخضاعها لمعايير ومحددات مخزنة في الذاكرة ، وتتداخل مع الخيال لتوصيف النتيجة قبل خروجها، ثم تكون الفكرة الإبداعية.
وتساعد اللغة والرموز بدلالاتها الروحية والمجردة، العقل الكلي على توصيفها ومن ثم إطلاقها على شكل حل لمشكلة ما، أو سؤال عاصف، أو قصيدة وربما تكون مبادرة.
وإذا تراكمت الأفكار المتكاملة تتحول إلى مشروع تتوافق فيه مجموعة الأفكار الخاصة بعقل كلي واحد أو نتاج مشترك لعدة عقول تتوافق على محددات ما، فكلما انسجمت هذه النتيجة مع توقعات العقل في إطار الفكرة الذاتية، أو العقول المتفاعلة في إطار المشروع ، نال الرضى وارتاحت النفس وتتحول النتيجة إلى مدخلات للبناء عليها، وإذا لم تنسجم معها أو تعرض العقل الكلي( الظاهر والباطن) إلى ضغوطات نفسية وخارجية دفعه القلق أو الخوف لمراجعة القرار والبحث عن خيارات، ومن هنا يأتي التحدي وتتولد بحسب المواقف صفتا الشجاعة أو الجبن. مقابل الشك بالنتيجة وهدمها في العقل قبل الواقع.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة