الشنفرى : لاميته ، حياته ، نسبه ، أخلاقياته – بقلم : كريم مرزة الاسدي

فضاءات عربية …..
بقلم : كريم مرزة الأسدي ….
أقيموا بني أمّي  صدورّ مطيــــكمْ ***  فأنـّي إلى قوم ٍ ســـــواكمْ لأميلُ
فقدْ حُمّتِ الحـــــــــاجاتُ والليلُ مقمرٌ *** وشـُدّتْ لطيّاتٍ مطايا وأرحلُ
وفي الأرضِ منأ ًى للكريم عـن الأذى** وفيها لمنْ خــــافَ القِلى مُتعزّلُ
لعمركَ ما في الأرضِ ضيقٌ على أمرىءٍ*سرى راغباً أو راهباً وهو يعِقلُ

إذا كان قد طـُعِن دعبل بنسبه لتمرده وتجرأه على مقام الخلافة ، ومعالي الوزارة ، وأبو نؤاس لمجونه وشعوبيته  ، وبشار لعبثه وزندقته – كما قيل ظلماً أو حقاً في هذا وذاك –   والمتنبي لشموخه واعتداده …!! وابن الرومي قد لصقت به روميته دون الاهتمام بثقافته وبيئته ولغته ، وهو بغدادي المولد والنشأة والمدفن ، ولم يغادر بغداد طيلة حياته سوى ثلاثة أشهر ،  لقد وقع الرواة والأخباريون القدماء بخلط كبير ، دفعتهم إليه دوافع عديدة  ، ولم يكن الصراع الحضاري قائماً حينئذٍ ، وكان أفقهم يتسع للعالم الإسلامي ، وأينما تمطرالسماء فالخراج لهم ! ومن ثم طلّ كتاب معاصرون معروفون ، ونقاد أدب متميزون وساروا على النهج القديم ، وتأثر بعضهم بآراء وأجندة ثلة من المستشرقين ،  فشكّكوا ورموا وقذفوا تحت ستار النهج العلمي ،  والحقائق الموضوعية   – وسنأتي على الأمر فيما بعد –  فما بال الشنفرى الذي سبقت وفاته ( 525 م) (1) ولادة النبي الكريم (ص) ( 570 م) (1) ، وكنيت لاميته  بـ (لامية العرب) ، والتي  تعدُّ من أروع و أقدم القصائد في التراث العربي ، بل هنالك  مقولة متواترة للخليفة  عمر بن الخطاب  ( ت 23 هـ / 644 م ) –  وتروى بسند ضعيف كحديث للنبي ( ص ) (ت 11 هـ / 632 م) – يخصها بنعت فريد  ، ويلحق العرب بها كمضاف إليه  ، ويحث على تعلمها ، لأنها تمثل مكارم الأخلاق ، قائلاً :

” علـّموا أولادكم لامية العرب ،فأنها تعلمهم مكارم الأخلاق ”  ،  والخليفة الراشدي – بالرغم من منزلته الإسلامية الرفيعة – هو الأقرب لعصر الشاعر وأحداثه ممن نقل إلينا أخباره أمثال حمّاد الراوية (ت 156 هـ/772 م)  ، والمفضل الضبي ( 178 هـ /794 ) وخلف الأحمر (ت 180 هـ/796 م) ،  والنسابة محمد بن حبيب (ت 245 هـ / 859م) ، والأصفهاني صاحب الأغاني (ت 359 هـ /967 م ) ، وبالتالي تعتبر المقولة أكثر صدقاً ، وأقرب واقعاً ، وأحسن أثراً  ، والشعر يمثل الشاعر، فهو جزء من  شخصيته ،  ويعكس أخلاقيته ، وما يعتلج من أحاسيس في شعوره ومشاعره ، والا كيف نتعلم الأخلاق ممن لا أخلاق عنده ؟! وكيف نتكرم بمن لا كرامة له ؟ وكيف نعتزُّ بغير العزيز ؟ّ!  دلـّوني بربّكم على شاعر أو إنسان ، يعقد مثل هذا العقد الفريد ، أو يتفوّه بمثل هذا الكلام السديد ، إذا لم يكن ذا عزّة وجذور عميقة عتيدة ، وحكمة وأخلاق رفيعة حميدة ، اقرأ رجاء بشموخ وتعقل :

أقيموا بني أمّي  صـــــــــدورّ مطيـــــكمْ ***  فأنـّي إلى قوم ٍ ســـــواكمْ لأميلُ
فقدْ حُمّتِ الحـــــــــاجاتُ والليــــــلُ مقمرٌ *** وشـُدّتْ لطيّــــاتٍ مطايا وأرحلُ

خاطب بدايةً ًأهله ، وخصّ بالنداء بني أمّه من أخوانه الأشقاء آوغير الأشقاء ، وتعدُّ رابطة الأمومة أقوى الصلات الإنسانية عاطفة ً ، وأكثرها مودةً وقرباً ، مبتعداً عن النزعة القبلية والعشائرية الذكورية ، وشدَّ رحال مطاياه لمبتغاه مسافرا بليل سافر ، ومن الجدير ذكره أنّ الشاعر الأموي المقنع الكندي ( ت 70 هـ / 689 م) ،  قد  وجّه لبني أبيه أبياتاً موجعة متشحة بخيبة الأمل والقنوط  في قصيدته الدالية الأطول  لديه :

إنَّ الذي بيني وبيــــن بني أبي *** وبيــــــن بني عمي لمختلفٌ جدا
إذا أكلوا لحمي وفرتُ لحومهمْ  ***وإنْ هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا

أما المسكين المخمور طرفة بن العبد وقد ولد بعد وفاة شاعرنا الشنفرى بما يقارب العقدين ، وتوفي شاباً صغيرا (543 – 569 م) ، قد ذكر عشيرته بعد أنْ تحامته منبوذاً طريدا ، فتلاقفه بنو غبراء شفقة وعطفاً :

وما زالَ تشرابي الخمور َ ولذتي**وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلـّها *** وأفردتُ إفـــرادَ البعير ِ المعبّدِ
رأيتُ بني الغبراء لا ينكرونني *** ولا أهل هذاك الطرافِ الممــدّدِ

ما كان هكذا العداء البارع , الشنفرى الرائع  – رغم أنّ كلّ قصيدة تؤخذ حسب ظروفها الذاتية والموضوعية لحظة إبداعها – بل شجاعاً حكيما ،  أبياً عزيزاً , صبوراً  جميلا، وإنّ الجمال جمال الروح لا الجسد ،  نواصل معه لاميته :

وفي الأرضِ منأ ًى للكريم عـن الأذى** وفيها لمنْ خــــافَ القِلى مُتعزّلُ
لعمركَ ما في الأرضِ ضيقٌ على أمرىءٍ*سرى راغباً أو راهباً وهو يعِقلُ
ولي دونكمْ أهلونَ ســــــــيدٌ عملـّسٌ ***وأرقط ُ ذهلولٌ وعرفــــاءُ جيألُ
همْ الرهط ُ لا مستودعُ الســـرّذائعٌ *** لديهمْ و لا الجــاني بما جرَّ يُخذلُ
وإنْ مُدّتِ الأيدي إلى الزّادِ لـــمْ أكنْ ***   بأعجلهمْ إذْ أجشـعُ القوم ِأعجلُ
وما ذاكَ إلاّ بسطة ٌ عــــــــنْ تفضل ٍ *** عليهمْ وكـــانَ الأفضلِ المُتفضّلُ
ولستُ بمهيافٍ يُعشي ســــــــوامهُ ***مجدّعةً ً ســــــــقبانها وهي بهّلُ(2)
أديم مطــــــــالَ الجوع ِحتى أميتهُ***وأضــــربُ عنهُ الذكرَ صفحاً فأذهلُ
وأطوي على الخُمص الحوايا كماانطوتْ ***  خيوطة ُ ماريٍّ تغارُ وتفتلُ(3)
واستفُ تربَ الأرضِ كيلا يـــرى لــــهُ ** عليَّ من  الطـــولِ أمرءٌ متطولُ
ولولا اجتنابُ الذام ِ لــــــمْ يلفَ مشربٌ *** **يٌعــاش ُ بهِ إلاّ لديّ ومآكلُ
وإنـّي كفاني فقدَ مَــــــــــنْ ليسَ جازياً ***  بحُسنى ولا فـي قربهِ متعلـّلُ
ثلاثة ُأصــــــــــــحابٍ فؤادٌ مشيعٌ  ***    وأبيضُ إصليتٌ وصفراءُ عيطلُ
هتوفٌ مـن الملس ٍ المتون ِيزينها *** رصائعُ قـــد نيــطتْ إليها ومحملُ
إذا زلَّ عنها السّـــهم حنـّتْ كأنـّها  *****مُرزّأة ٌ عجلى تُرنٌّ وتـٌعـــــــولُ
إذا الأمعزُ الصوانٌ لاقى مناســـــــــمي *** تطايرَ منهُ قـــــــادحٌ ومُفلـّلُ(4)

الرجل كما أرى – وربما ترى معي –  يشعر  بالتمايز الطبقي والقبلي  والعنصري – لفقره وربما لجذوره الحبشية ،  ولقب بالشنفرى لغلظ في شفته -، إنّه لشعورٌ قاس ٍ مرير يأباه الحر الأبي ،  فيرفض الضيم طبعاً ،  ومن مثله لا  يُسام الخسف ، وفي الأرض متسع لكلّ عزيز نفس ، آلا تتذكر قول المتنبي إبان ثورته في غربته ، ونفوره من ثلـّته :

رأيتكم  لا يصون العرضَ جاركمُ ***ولا يدرُّ علـى مرعاكمُ اللبنُ
جزاءُ كلّ قريـــب ٍ منكـــــــمُ مللٌ***  وحظُ ُكـلّ محبٍّ منكمُ ضغنُ
وتغضبون علـــــى من نال رفدكمُ * حتى يعاقبهُ التنغيصُ والمننُ

أما أنا فيذكرني هذا أيضاً بدعبل حين داهمته الهموم ، ونغصت حياته الأحقاد والبغضاء، ففرّ منها إلى معتزله قائلاً :

ويكَ أن القعود يلعب بالقعـــ  ***  ــددِ  لعب الرياحِ بالبوغاءِ (5)
ما دواء الهموم ِ الا المهارى***  تـُعتلى في التنوفةِ الملساءِ (6)

الشنفرى شدَّ رحاله شدَّ الفقير الجريء المتعقل  ، والمتنبي شدّه بشدة الثائر المتمرد المتطلع، أمّا دعبل فاعتلى ومن هؤلاء ( الأهلون ) ؟ الذئب السريع الأرقط  الخفيف ، والضبع الطويلة العرف
لست أنا بصدد شرح القصيدة ونقدها ،  الآ بما ألطـّف جوّ مقالتي، وأبثّ الروح فيها عندما توشك على الملل الرتيب ،  فسأشرع الآن بالبيت الثالث ، الذي يتضمن كلمة (أهلون) وهو جمع شاذ ملحق بجمع المذكر السالم ،  لأن (أهل) اسم جنس جامد  لا يستوفي شروط هذا الجمع ، ومن هؤلاء ( الأهلون ) ؟ الذئب السريع الأرقط  الخفيف , والضبع الطويلة العرف (7) ، وعاملهم الشاعر معاملة العقلاء  الذين لا يذاع سرّه عندهم ، ولا يخذلونه على جريرته ، وهذا يذكرني بالأحيمر بن فلان السعدي ( ت 170 هـ / 787 م) ، والقصيدة التي مرت بمقالة سابقة لمخاطبكم ،  ومطلعها :

عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبَ إذعوى ***وصوّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

فلا غرابة إذن أن يستأنس شاعرنا بالحيونات الكاسرة والأليفة نكاية بالإنسان المتعالي المتغطرس المنافق ، فهي خير صديق في البيت والطريق ، آلا ترى ابناءالأمم المتحضرة شرقاً وغرباً في أيامنا الحاضرة ،  كيف يألفون حيوانتهم من قطط وكلاب … ويصاحبونها دون ناسهم وأهلهم !! ويزيد هو عليهم ،  بأنه يعشي سوامه خيراً ،  كي يقتات من حليبها حرّا ،  ومع كل هذا هو( صعلوك) بالدلالة السلبية للكلمة ! (8)

ربما فرضت عليه هذه الصعلكة  المزعومة كوسيلة للدفاع عن النفس والكرامة الإنسانية ،  فأين الغرابة يا هذا وذاك ؟! ولا تتخيل هذا العداء الجاهلي المشنفر يستغل هذه المخلوقات الضعيفة ، وإنما هو ليس بالمهياف الذي يبعد أبله على غير هدى، فيجعل مواشيه جائعة ،  وبالتالي سقبانها ( أولادها) من غير رضاعة ، بل هو لا يشاركها شرب الحليب حتى تشبع رواء ، لأنه درّ لأجلها ،  لا لأجله ،  ولا بأس من الجوع الكافر، فهو يطيل أمده حتى يميته ،  فيضرب عنه صفحاً ،  وعندما تُمدّ الأيدي، لم يكن عجولا ولا جشعاً  ، ولا يؤمن (عند البطون تُعمى العيون) ! ولا ينطبق عليه القول :

” لا تسأل رجلا عن حاجة ،  وهو موعود على غداء ) ! اسأله ولا تبالي ،  فهو قادر على أن يطوي حواياه ( أمعاءه)  جوعاً ،  وإن فتلت وغارت فتل الخيوط .

وأحياناً الرجل الرجل يستاف التراب لكي لا يتطاول عليه متطاول لئيم , ليس كل هذا عجزا أو ضعفا أو خوفاً في عصر لا يسود فيه قانون إلا قانون القوي المقدام ، وأعراف القبيلة ، وشيوخها الضخام !  وأنت تعرفه من هو؟ ! ولكن الأخلاقيات الإنسانية الفطرية الخالصة تردعه ،  وحتى لا يذمه  ذام ، ويُرمى بالسحت الحرام :

ولولا اجتنابُ الذام ِ لــــــمْ يلفَ مشربٌ ***يٌعـــــــــــاش ُ بهِ إلاّ لديّ ومآكلُ

أعود لأقول ، ومع كل هذا يُرمى صاحبنا بالصعلكة بدلالتها السلبية ،  فمن هو الصعلوك ؟الصعلوك لغة هو الفقير الذي لا يملك المال كي يساعده على العيش ، وتحمل أعباء الحياة ،  واطلقت – بصيغة الجمع – على الخلعاء الشداد ، وهم الذين خلعتهم قبائلهم بسبب أعمالهم التي لا تتوافق مع أعراف القبائل ، أو على أبناء الحبشيات السود ممن نبذهم أباؤهم ،  ولم يلحقونهم بأنسابهم ،  أو على من احترف الصعلكة احترافاً ،  وحولها الى ما يفوق الفروسية ، كل ما سبق ينطبق على شاعرنا الشنفرى تماماً ، ولا بأس في ذلك مطلقاً ،  ولكن تجاوزت الكلمة من بعد دلالتها,وأخذت معاني أخرى ، فاطلقت على قطاع الطرق ، أو للذين يقومون بعمليات السلب والنهب ، وهذا ما نـُبرىء الشنفرى منه ،  ولا نميل للإتهامات التي وردت حوله في هذا الشأن في كتب التاريخ والأدب ،  فمثلا يذكر حنا فاخوري ،  كان الشنفرى ” يغير ، وحده أو بقوم من أصحابه العدائين، متنقلاًمن حيٍ الى حيٍ ، مروعاً التساء والأطفال، باعثاً الرعب والأضطراب في الرجال..” (8)

هذا الكلام نـُقل من كتب التاريخ للرواة والإخباريين، ولم يخضع للتمحيص والتحليل والتدقيق ، لذلك لا أميل إليه كثيراً، وأنا في شك كبير من قبوله  ، لأن ببساطة قصائد الشاعر وهي تعكس شخصيته بصدق ،  تقول عكس  هذا تماماً ،  ولا يمكن للشاعر أن يكذب لحظة ابداعه الشعري – وإن قال البحتري الانتهازي  : أعذب الشعر أكذبه !! –  ، وللرواة أن يخترعوا ما يشاءوا من قصص وأقوايل ،  وأن يجعلوا من الحبة قبة !

والآن نبدأ مع البيت البادىء بـ (ثلاثة أصحابٍ) ،  فمن هم هؤلاء  الأصحاب الثلاثة ؟ !! فؤاد قوي بشيعته المشايعة له ،  وسيف مسلول من غمده المغمود , والصفراء العيطل تعني القوس الطويلة من شجر النبع (9) ،  وفي البيت التالي يمعن متماهيا برمحه الأملس الصلب المرصع المحمول الصائت ،  وإذا انطلق السهم من القوس، كأنما استل الجنين من رحم أمه، فتكثر المصائب على القوس المسكينة (الثكلى) – في رواية أخرى – فتولول ونصرخ وتعول على فقدان ولائدها ، ويذكرني أصحاب الشنفرى بأصحاب المتنبي ( ت 354 هـ / 965 م) :

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني  ***والرمحُ والسيفُ والقرطاسُ والقلمُ

أكتفي بها القدر من القصيدة  الفريدة غير المعلقة ،  وإن علقت في الفكر العربي والإنساني ،  ونفذت إلى قلوب العرب وعقولهم  ،  وهي تتضمن ثمانية وستين بيتا من البحر الطويل ، وأروم – لسبب ستعرفه بعد قليل – أن أعرج لمحة على قصيدته التائية بحق زوجه ، ولك أن تقرأها كاملة  في ديوانه (10) ،  وتتفكر في مدى احترامه لحقوق المرأة وعفتها ،  القصيدة التي عدّها الأصمعي أحسن ما قيل في خفر النساء وعفتهن :

ألا أم عمرو أجمعتْ  فاســـتقلتِ *** وما  ودّعتْ جيرانها إذ ْ تولـّتِ
وقد  سبقتنا أم عمرو  بأمــــرهـا  ** وكانتْ بأعنــــاق المطي أظلـّتِ
بعيني ما أمستْ فباتتْ فأصبحتْ *** فقضّتْ أموراً فاســــتقلتْ فولّتِ
فوا كبدا على أميمةَ َبعدمــــــــا  ***  طمعتُ فهبها نعمةَ َالعيشِ زلّتِ
لقد أعجبتني لا سقوطاً قناعهــا ***  إذا مـــــا مشت ولا بذاتِ  تلفّتِ

زوجه (أميمة) هجرته ورحلت دون أن تخبر أي أحد حتى جيرانها  ،  الرجل لم يغضب ، ولم يسخط  , ولم تأخذه الحمية الجاهلية أبان جاهليتها , بل كافأها بأروع رائعة , وأرق الكلمات ..(بعيني)…( فواكبدا ) ، ثم (لقدأعجبتني) …أعجبته بماذا؟ إنها لا تسقط قناعها تعمداً لإبداء حسنها ،  ولاتتلفت  لكي لا تجلب الريبة لعفتها وخدرها , يقول الأصمعي معقباً : وقد تلقي المرأة خمارها لحسنها وهي على عفة ،  وأنشد قول الشماخ “أطارت من الحسن الرداء المحبرا “.

وكما لا يخفى هذه نظرة خاطفة جداً على  الأبيات ، وأحلتك لقراءة القصيدة كاملة ( 36 بيتاً) ، والتمعن في أبياتها ،  أما انا المسكين المندهش ،  فغايتي التعقيب على قول المستشرق الأسباني هنري بيريس ،  كمثال على بعض العقليات الإستشراقية المتعصبة – بعد مروري على هاتين القصيدتين الإنسانيتين بكل ما للكلمة من معنى لشاعر يعد من أوائل الشعراء العرب ،  إن لم يكن أولهم .

يقول السيد هنري : ” وعبثاً تبحث في أدب المشرق عن فكرة إنسانية واحدة كتلك التي عبر عنها الزبيدي ، أبو بكر محمد بن الحسن (ت 379هـ / 989م) , وهو شاعر نحوي أسباني ، وكان مؤدب الحاكم الثاني :
والأرض شيءٌ كلـّها واحدٌ *** والناس اخوانٌ وجيرانُ

وهذه الفكرة نفسها تجدها عند تيرنس ,وهو كاتب لاتيني من القرن الثاني قبل الميلاد ،  فهو يقول في بيت له :

كلُ ما هو إنساني ليس غريباً عليّ ” (11)

المستشرق الأسباني ما أراد بأدب المشرق إلا أدب العرب ،  ونسى أن الزبيدي نفسه هو عربي الثقافة واللغة والجذور، وإن عاش في الأندلس ،  ومنحه الهوية الأسبانية غصباً ، وقارنه بشاعر لاتيني من القرن الثاني قبل الميلاد نكاية بهذا المشرق ،   وتكلم عن أدب المشرق كأنه عرف جميع أسراره، وغاص كلّ أعماقه ، ولم يجد حتى لؤلؤة  إنسانية  واحدة في محاره ! وكأنما الإنسان يكون إنساناً إنسانياً بجسده وشكله ،  لا بمعانيه السامية ، وسلوكه الأخلاقي الرفيع ،  مع جلّ أحترامي ، وعمق تفهمي لبيتي الزبيدي العربي وتيرنس اللاتيني .

نعود للشنفرى الإنسان ،  والعود أحمد , فالحقيقة  لم يكن لـّلامية شأن في القرنين الأول والثاني للهجرة ،  ولكنها قفزت كقفزة الشنفرى في القرن الثالث ،  فشرحها المبرد وثعلب وابن دريد والتبريزي والزمخشري ، والعكبري …وابن أبي علي النجار ،  وابن أبي لاجك التركي ، وابن زاكور الفاسي ،  وعطاء الله المصري (12)  ونقلها أصحاب المختارات الشعرية أمثال ابن طيفور، وأبي علي القالي ،  والخالدين، وابن الشجري ،  ولكن أبا علي القالي (280 هـ – 356هـ / 893 م – 967م) فجّر في (أماليه) إشكالية نقلها عن أستاذه ابن دريد تقول : إنّ لامية العرب ” لخلف الأحمر وليست للشنفرى” (13) ، ومما يضعف هذه الإشكالية العابرة  – وإن كانت للقالي العالي ! – شهرتها عبر العصور للأزدي الصعلوك جبراً ! ،  بل قد صدر كتاب بتحقيق الدكتور محسن فياض تحت عنوان ” المنثور والمنظوم…” لأبي الفضل أحمد ابن أبي طاهر طيفور(204 -280 هـ ) ،  أي ولد بعد وفاة خلف الأحمر (180هـ) بزمن قصير ،  وهو ثقة ،  مشهود له بالعلم  والدقة ،  أشار إلى اللامية وشنفرها  ،  ولم يأتِ لا من قريب ولا من بعيد على الخلف الأحمر، أماأبو العباس المبرد (ت285 هـ) فأثبت بما لا يدع الشك أن لامية العرب إنما هي للشنفرى وليست لخلف الأحمر(14) .

لم يكتفِ هذا الشنفرى المسكين بعد وفاته بمحاولات نحل لاميته ، بل استلابها لصالح (الأحمر) ، وما (الأحمر) الا راوية وعلامة ولغوي ونحوي وشاعر من الطبقة الثانية  في عصره العباسي ،  لا يتمتع بأخلاقياتها وبداوتها ،  ولا يستطيع انتحال عصرها لعصره ، ولا يتمكن من وضع قصيدة بمثل هذاالمستوى الرفيع  – قد لا تجاريها بعض المعلقات  سباكة وقوة  لو قامت الدنيا وقعدت مع إقرارنا بعبقرية الأحمر الخلف ،

إن كان (الهنري) قد منح الجنسية الأسبانية للزبيدي ،  فقد اختلف العرب بنسب الشنفرى واسمه ومكان ولادته ونشأته وحتى لقبه (15) ،  ولا يعرفون متى ولد؟ ..ولم يحددوا سنة مقتله ،  وهل هو عربي أم عبد لأبوين عبدين مملوكين؟! وهل هو أسير أم حر؟ وهل هو أزدي من السلامان أوالزهران ؟  وكم كان عمره حينما قُتل أبوه ؟ وما اسمه وما اسم أمه؟…ثم لماذا لم يختلفوا في معاصره امرىء القيس ،  الملك الضليل ، حامل لواء الشعراء إلى النار ، على حد تعبير الحديث النبوي(ص) الشريف…الحقيقة الشنفرى ذنبه وجريرته قد خرج على تقاليد القبيلة ، وسلطتها الجائرة ،  وأعرافها السائدة ،  ثم أنه ضعيف النسب أو دخيل , ومن أم حبشية ،  فلا فصل ولا أصل , ولامية العرب الى الجحيم ! وهل تعقل أنها تعلق عل أستار الكعبة ، رموه على الأزد قاتلي أأبيه ،  وحاضني نشأته ، وقدموه لنا باسم (ثابت بن أوس الأزدي) على أغلب الروايات ،  وجعلوه صعلوكاً قاتلاً ،  قرر أن يقتل مائة من بني سلامان ،  ثأراً لمقتل أبيه ،  أولأبي زوجته ، وربما لاستعباده وإخفاء السر، لان الأصفهاني يذكر في (أغانيه) عنه : ” .. ثم قدم منى وبها حرام بن جابر ،  فقيل له : هذا قاتل أبيك ، فشد عليه فقتله..” (16) .
لم يذكرلنا أحد من النابهين كيف تعلم ؟ وأين تثقف ليتفلسف ؟  وما سرّ الأخلاق الرفيعة التي كان يتحلى بها ؟ المهم عندهم قتل تسعة وتسعين رجلاً  ، وعجز عن اتمام المائة حتى قتله أسيد بن جابر السلاماني  ، ومن بعد سنتين على وفاته ،  عثر أحدهم بجمجمته  فمات  ،   وتم بحمد الله اكمال العدد , هل تصدق هذه الرواية العجيبة الغريبة ، وهل تعقل يمر عليها الباحثون دون تعليق أو تفنيد،إنا لله وإنا إليه راجعون ، وعلى ما يبدو لي أن العرب مغرمون بالتسعة والتسعين  ،  لأنها أكبر من المائة  ،  أما أنا فاتعب في لفظها ،  وأعجزعن كتابتها  !! لا أعلم كيف طرقت على ذهن امرىء القيس ،  والعصر العصر نفسه :

وقبلتها تسعاً وتسعين قبلة ً*** وواحدة ً أخرى وكانت على عجل !!

وحبكوا حوله الأساطير الأخرى غير قتله المائة الأشداء الأقوياء ،  فخطواته الجبارة تقارب العشرين مترا ،  لا تلحق به الخيول الأصيلة ،  وضرب به المثل ” أعدى من الشنفرى” ،  اترك هذا الأمر ،  إشكاليات أخرى وقع فيها الرواة الأعزاء ، فمثلاً حماد الراوية وخلف الأحمرخلطا بين شعره ، وشعر المسكين الصعلوك الآخر تأبط شرّا ،  مع إن إسلوبيهما مميزان كما يبدو لي ،  وأكثر من هذا  زعم بعضهم ،  إنهما شخصية واحدة ،  وهذا لا ريب غير صحيح ،  فالأخير اسمه (ثابت بن جابر الفهمي ) من قبيلة قيس غيلان بن مضر بن نزار (17) ( ت 530 م) ،  ثم أن تأبط شرّا قد رثى الشنفرى  – يقال أن الأول خال الثاني والله أعلم- بقصيدة منها:

على الشنفرى ساري الغمامِورائحٌ ***غزيرُ الكلى أو صيّب الماءِ باكرُ
عليك جزاءٌ مثل يومــــــك بالجبا   **وقد أرعفت منك السيوف البواترُ(18)
لئن ضحكت منك الإماء لقد  بكتْ  *** عليك فاعولنَ النســــــاءُ الحرائرُ
وإنك لو لاقيتني بعد مـــــــا ترى ***  وهل يلقينْ من غيبتهُ المقــــــابرُ (19)

مهما يكن من أمر ،  لقد وقع الرواة والأخباريون والمؤرخون في خلط كبير ،  ونقلوا إلينا الأخبار دون تمحيص دقيق ، أو تحكيم لعقل سليم ،  سوى الأعتماد على سند يحسبونه ثقة ،  وعلى الحقيقة العفاء ،  وقد تدخل الوجاهة والكسب المادى والمباهاة والخيال لاختلاق أو تحوير الأخبار ،  وركزوا على النسب كثيراً لرفع شأن رجال ،  أو الحط من أقدار آخرين ،  ولو على حساب العبقرية العربية ،   ولابد أن يخطر على بالك وبالي ، لا يعقل لم يكن هنالك شعراء قد سبقوا هذاالعملاق الشنفرى ،  ولم توجد ثقافة واعية ،  وربما دراسة منهجية …ضاعت كلها في ذمة التاريخ .

وقبل أن أختم موضوع التعصب للنسب ،  وأخذت الشنفرى أنموذجاً للعصر الجاهلي ،  وتوسعت قليلا في البحث عنه ،  لأنه من أوائل الشعراء العرب الذين وصل شعرهم إلينا ،  ولأهمية لاميته ،  واختلاف الرويات حوله حتى اختلطت الحقائق بالأساطير، ولا بأس أن نختم البحث بعنترة العنترة  (ت 615) ، وهو ابن شداد العبسي  ، فأبوه كان من علية القوم ، ولكن أمه (زبيبة) أمة حبشية ، سباها الوالد فانجبت له الولد ، ونعم الولد ،  رغم أنه قد عانى في بادىء أ مره من أحكام تقاليد الجاهلية الجائرة كالأستعباد ،  ولكن استطاع بفروسيته وشجاعته وذكائه أن يشق طريق التحرر ،  فمن يستطيع أن يتجرأ عليه ،  ويعبث به , وأصبح في حرب داحس والغبراء قائداً شهيراً ،  يلمح لابنة عمه الحبيبة ( عبلة) في معلقته التي نظمها كما يبدو لنا لأجل عينيها :

يخبركِ من شهد الوقيعةَ َأنني  *** أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنم ِ
ولقد ذكرتكِ والرماحُ  نواهلٌ   *** مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ الســيوفِ لأنها  ***   لمعتْ كبـــــــارقِ ثغركِ المتبسم ِ

هل هذا العنتر التي حبكت حوله القصص والأساطير والسير ،  تخلص ونف بجلده من حساده ومناوئيه ومعيريه ؟! كلا ..!! الطبع  الإنساني هو هو  ،  متى ما وجد ثغرة تسرب منها للطعن والنيل من الآخرين – والعياذ بالله – وخصوصاً المتفوقين في أي مجال ، والفارس العنتر تحسس بذلك ، ولا تعوزه الفطنة والفراسة والحدس  ،إقرأ :

إنْ كنتُ في عدد العبيدِ فهمتي *** فوق الثريا والسماكِ الأعزلِ
وبذابلي ومهنـــدي نلت العلى *** لا بالقرابة ِوالعـــديدِ الأجزلِ

وكأن دعبلاً كان يخاطبهُ حين قال :
لو لم تكن لك أجدادٌ تبوء بهم  ****الا بنفسكَ نلتَ النجمَ من كثبِ

وإلى الحلقة الثالثة ،  إن شاء الله ،  ” وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ” والسلام  !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هنالك رواية تجعل وفاته (510 م) ، وأخرى تزعم قبل الهجرة بسبعين عاماً.
(2)المهياف : هو الذي يبعد بأبله طالباً المرعى على غير علم ،  السوام : الماشية التي ترعى ، مجدعة : سيئة الغذاء , السقبان : جمع سقب ،  وهو ولد الناقة الذكر ، بُهل : جمع باهل وباهلة ،  وهي الناقة التي لا صرار عليها ،  والصرار ما يصر ضرع الناقة كي لا تُرضع .
(3)الخَمص : الجوع  ، الخُمص : الضمر  ،الحوايا : جمع حوية  وهي الأمعاء  ، خيوطة : خيوط , ماري : ربما اسم شخص اشتهر بصناعة الحبال وفتلها ، تغار : يحكم فتلها.
(4) الأمعز :  المكان الصلب الكثير الحصى  ، الصوان :الحجارة الملساء ، المناسم : جمع منسم وهو خف البعير ،  شبّه قدميه بأخفاف البعير ، مقلل : متكسر.
(5)  القعدد: الجبان القاعد عن المكارم ،  والبوغاء : التراب الناعم
(6) التنومة : الأرض القفر.
(7) راجع : شرح لامية العرب للتبريزي  ، ت  د.محمود محمد العامودي ، شرح مفردات الكلمات ص 140 – 174 ، ويذكر التبريزي ص 137 “لا أعلم أحداً وصف القوس بهذه الصفة  غيره” .
(8) راجع : حنا فاخوري : (تاريخ الأدب العربي ) – ط 11 – بيروت – 983 – ص 72 ،  وراجع تعريف : الصعلوك : د. شوقي ضيف في كتابه ( العصر الجاهلي ) .
(9) شرح لامية العرب للتبريزي – المصدر السابق
(10) راجع (ديوانالشنفرى) : ثابت بن أوس الأزدي -تقديم واعداد طلال حرب- ص 35 – دار صادر – 1996 بيروت –
(11) راجع : هنري بيريس : (الشعر الأندلسي في عصر الطوائف ) ص 31 – ترجمة الطاهر أحمد –
(12)  شرح التبريزي : المصدر السابق  ص 136
(13) راجع : أبو علي القالي : الأمالي ج! ص 156 ، واعتمدعلى هذه الرواية بعض المحدثين في شكهم ، أمثال :
كرنكو في مفاله بدائرة المعارف الإسلامية م 13 ص 396 ، وتستطيع أن تجده في الدائرة بطبعتها الفرنسية :
F.KRENKOW: AL -SHANFARA, IN ENCYCL, DE I ,ISLAM,IV,321 – 322.
والدكتور يوسف خليف في كتابه الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ص 172 ،  والدكتور شوقي ضيف في (عصره الجاهلي) ص 380 ،  ولا أميل لهذه الشكوك المشكوك في أمرها كثيراً ، راجع المتن .
(14)راجع لمزيد من المعلومات ( أعجب العجب في شرح لامية العرب ) للزمخشري – الطبعة الثالثة 1324 هـ ، غير مفهرس 160 صفحة ،  ( شرح لامية العرب ) للخطيب التبريزي ، تحقيق الدكتور محمود محمد العامودي، (نهاية الأرب في شرح لامية العرب ) : للأزهري ..عطاء الله بن أحمد – 30 ورقة – من مخطوطات الأزهر الشريف تحت رقم : 324660 آدب ،  وممن ترجمها إلى اللغة الانكليزية وشرحها المستشرق الانكليزي ردهوس ( ت 1892 م) ، وترجمت للفرنسية والألمانية .
(15) يقول الدكتور يوسف شكري فرحات في (ديوان الصعاليك ) ط1 – دار الجيل – بيروت – 1992  :يكاد يجمع المؤرخون عل أن الشنفرى لقب ( الغليظ الشفتين ) الا أن عبد القادر البغدادي يؤكد في كتابه خزانة الأدب أن الشنفرى هو اسمه الحقيقي وهو قحطاني من الأزد .
(16)أبو الفرج الأصفهاني : ( الأغاني ج21 ، ص 207 – دار الثقافة – بيروت – 1981- الطبعة الخامسة.
(17) راجع أبو العباس المفضل بن محمد الضبي : (  ديوان المفضليات ) – شرح أبي القاسم ابن الأنباري – ص 14 –  الثقافة الدينية – 2000م – بور سعيد.
(18)الجبا :: شعبة من وادي الجي عند  الرويثة بين مكة والمدينة – ياقوت الحموي :معجم البلدان ج2 ص  97 – يذكر بعض أبياتها.
(19)أبو الفرج الأصفهاني : ( الأغاني)  ج 21 / ص 188 – دار الفكر – بيروت  – ط 2- تحفيق سمير جابر.
في المقال القادم سنتناول وصف الفضاء المكاني في رواية  “طوق الياسمين”.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة