قراءة في رواية ”طوق الياسمين “لواسيني الأعرج. بقلم : د . حسين رحيم الحربي (2)

اصدارات ونقد ….
الدكتور: حسين رحيّم الحربي ….
1.قراءة عتبات النص، وماتحمله من دلالات تساعد على فهم الرواية.
دراسة عتبات  النص الأدبي أصبحتْ أمراً ضرورياً في عصرنا الحاضر، لما لها من أهمية في فهم النصّ إن تقاربت معه، وقد تزيد في غموضه إن تباعدتْ عنه. لكن قبل  كل شيء لابد لنا من تعريف العتبات وماتعنيه في أي نصّ أدبي، إذ ليس من الضروري أن كل من يقرأ الأدب أو يهتمّ به يكون لديه إلمام بمعنى مصطلح “عتبات النص” ولاسيما أن المختصين من النقاد أنفسهم قد تباينت آراؤهم حوله.
بما أنه لايمكن لباب أن يكون بدون عتبة، فغالباً ماتكون العتبة دالّة على الدار أو مافيها، لكن ليس دائماً، إذ قد تبدو العتبات كسائر ما جاورها من عتبات الدور، لكن الدار في داخلها تمتاز بالفخامة والأناقة والترتيب، وأحياناً يكون السور والعتبة فيهما من الجاذبية مايغريك بالدخول، لكنك تتفاجأ بزوال انطباعك الإيجابي عندما ترى أن الداخل لايتماشى مع باب الدار أو عتبتها.
يقول الناقد الدكتور سعيد يقطين: “لكننا لانجد في الدار باباً واحداً، وبالتالي عتبة واحدة. إننا عندما نعبر الباب والعتبة الخارجيين، نلفي أنفسنا أمام أبواب وعتبات تتعدّد بتعدّد المرافق والفضاءات.
ما أكثر العتبات، وما أصعب اقتحام أي فضاء دون اجتياز العتبة. العتبة فضاء.” ( )
إن  مصطلح  Le Paratexte، الذي طرحه الناقد الفرنسي جيرار جينت، أحدث لبساً أو التباساً في الترجمة بين المشرق والمغرب بسبب اعتماد المشتغلين بالنقد و المترجمين على ترجمة الكلمة أو المصطلح الفرنسي ترجمة حرفية، فنرى أن بعضهم أسماه بـ”المناصصات” أو “المناص” مثل الناقد الدكتور سعيد يقطين؛ والذي أوردنا رأيه قبل قليل، ومنهم من أسماه “النص الموازي” وهو محمد بنيس، أو “المحيط الخارجي” عند فريد الزاهي، أو  “الموازي النصي” عند الباحث التونسي محمد الهادي المطوي، أو “النصية الموازية” عند المختار حسني، أو  “الملحقات النصية” عند الناقد السوري محمد خير البقاعي، ومن هنا تظهر الإشكالية في الترجمة.
ولما لدراسة عتبات النص من أهمية كبرى في فتح مغاليقه يقول الناقد سعيد يقطين عن التنقل بين فضاءات النص: “لايمكننا الانتقال بين فضاءاته المختلفة دون المرور من عتباته. ومن لاينتبه إلى طبيعة ونوعية العتبات يتعثر بها. ومن لا يحسن التمييز بينها، من حيث أنواعها وطبائعها ووظائفها، يخطئ “أبواب” النص لأن ما انتهى إليه لا يسلم نفسه إليه، لأنه ليس الفضاء الذي يقصد.” ( )
يقدم “جينيت” تعريفاً مفصلاً في كتابه “عتبات” للمناص، بجعله نمطاً من أنماط المتعاليات النصيّة، والشعرية عامة، يتشكل من رابطة هي عموماً أقلّ ظهوراً وأكثر بعداً من المجموع الذي يشكله عمل أدبي ( )
ولو حاولنا أن نستبطن كنه العتبات  لقلنا، هي عبارة عن مفاتيح أو نوافذ، أو تنبيهات، أو مساعدات ومكملات لفهم النص، وهي ذلك الضوح أو الهائلة الضوئية التي تحيط بالنص، فكما المقبل على مدينة يرى ضوحها من بعيد ويسترشد به للوصول إليها، كذلك حال عتبات النصوص.
عتبات النصوص هي تلك الإشارات والعبارات والتلميحات والرموز التي تساعد المتلقي على فك شفرة النص، ومن هذه العتبات هي: الغلاف، من حيث ألوانه وما رُسِم عليه، بالرغم من أن قارئاً رسمه (وهو الفنان)، حينما قَرَأ العمل، واستوحى مارسمه من النص بموافقة الكاتب نفسه، فالكاتب وإن لم يصمم الغلاف بنفسه فهو من أجازه ووافق عليه، كتابة عنوان النص ونوع الخط، وموضع العنوان هل هو في وسط الغلاف أم في أعلاه، وهل هو فوق اسم المؤلف أم تحته، ولون الخط أيضا له دلالته.
كما يأتي ضمن عتبات النص أيضاً الإهداء، الاستهلال المقدِّمة، التوطئة، التصدير، ثمَّ الجمل المفتاحية، والهوامش والتذييلات والجمل الخواتيم. والخاتمة نفسها، وغيرها من العتبات، وهو ما يطلق عليه النص الموازي الداخلي، وهناك أيضاً النصُّ الموازي الخارجي الذي يتمثل في الكتابات الصحافية والتقارير واللقاءات مع المؤلف نفسه.
حسب الدراسات الحديثة في النقد،  وخصوصا دراسات مابعد البنيويّة، فقد أصبحت العتبات أو الموازيات النصيّة خطاباً قائماً بذاته كما يقول ميشيل فوكو، الذي يرى أن حدود كتاب من الكتب ليست واضحة بما فيه الكفاية وغير متميزة بدقّة ” فخلف العنوان والأسطر الأولى والكلمات الأخيرة وخلف بنيته الداخلية وشكله الذي يضفي عليه نوعاً من الاستقلالية والتميز ثمة منظومة من الإحالات إلى كتب و نصوص وجمل أخرى” ( )
بناءً على ماتقدم نبدأ بدراسة رواية “طوق الياسمين”  من خلال بعض العتبات التي تتعالق مع النص، لتقدم خطاباً معرفياً، لا يقل أهمية عن مضمون المتن الروائي  نفسه، بدءاً من اختيار واسيني الأعرج للعنوان الرئيسي، فالطوق يمكن أن يحيط بالعنق أو الخصر، والمنتصرون عادةً يتوجون بأكاليل الغار وأطواق الزهور، والمرأة الحسناء المترفة المدلّلة تتطوّق بقلائد وبعقود من الذهب والألماس.
اختيار أغلفة الكتب ليس اعتباطياً، بل يتمّ بقصديّة تامّة وتفكير عميق، من قبل أطراف عدّة؛ مؤلف العمل والفنان الذي يقوم بتصميم الغلاف، ودار النشر. والغلاف ربما يكون من أهم العتبات الجاذبة للمتلقي لاقتناء العمل. ونلاحظ أن رسمة الغلاف في راوية “طوق الياسمين” ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمضمون المتن الروائي، بل تكاد تكون ترجمة لما تحتويه الرواية، لكن ليس ترجمة حرفية. وهنا نجح الغلاف في إلقاء طُعم للقاريء بأن جعله يتساءل: من هي هذه المرأة، ماحكايتها، ومادورها في النص الداخلي؟
وطوق الياسمين عنوان ذو شاعرية ووقع مميز على أذن المتلقي، فالطوق من الياسمين يعني جمال المنظر، وعبق الرائحة العطرة، ونقاء في الدلالة. فضلاً على أن الياسمين هي الشجرة المحببة والمقرّبة من نفوس الشاميين، حتى أنه لم يخلُ بيتٌ دمشقي قديم منها، وتَغنَّى بها أهل الشام في جميع مناسباتهم، فكانت راقصة متمايلة عَطِرة ضاحكة في مناسباتهم السعيدة وفي أفراحهم، وحزينة وربما ذابلة باكية، ومُواسية لهم في أتراحهم.
بما أن الفضاء المكاني للرواية هو دمشق، فلا تكاد تُذكر دمشق إلا ويُذكر ياسمينها ونهر بردى الذي احتضنته هضابها وجبالها بدءاً من الزبداني وانتهاءً بغوطة دمشق، وارفة الظلال كثيفة الأشجار.
ربما أراد واسيني الأعرج اختيار طوق الياسمين كعنوان ليدلل على الصفاء والنقاء، والروحية الخالصة وصفاء الذات، الذي يتناغم مع صوفية عيد عشاب؛ وسيده ومعلمه محي الدين ابن عربي، ولاسيما أن الأخير مات ودُفن في أرض الياسمين، وربما كان كَفَنَه من الياسمين الأبيض كما يُخَيَّل لمريده.
دمشق والدمشقيون والياسمين اتحاد وعشق لاينتهي، ولنا في قصائد ابن دمشق خير شاهد على ذلك، حيث يقول نزار قباني في إحدى قصائده:
مآذنُ الشّـامِ تبكـي إذ تعانقـني       و للمـآذنِ كالأشجارِ أرواحُ
للياسمـينِ حقـولٌ في منازلنـا        وقطّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتـاحُ
ولطوق الياسمين رمزية ودلالة كما قلنا، حيث هناك قصيدة للشاعر نزار قباني بعنوان طوق الياسمين، يقول فيها:
شكراً.. لطوق الياسمين
وضحكت لي.. وظننت أنك تعرفين
معنى سوار الياسمين
يأتي به رجل إليك
ظننت أنك تدركين
…..
وربطت طوق الياسمين
وظننت أنك تعرفين
معنى سوار الياسمين
يأتي به رجل إليك
ظننت أنك تدركين..
……
ولمحت طوق الياسمين
في الأرض .. مكتوم الأنين
كالجثة البيضاء
تدفعه جموع الراقصين
ويهم فارسك الجميل بأخذه
فتمانعين
وتقهقهين
“لاشيء يستدعي انحناْك
ذاك طوق الياسمين..”

لطوق الياسمين أهمية كبرى ودلالة عظيمة في رواية واسيني الأعرج، فالبطل الثانوي في الرواية عيد عشاب، يدمن الجلوس بمفرده محتسياً كؤوس الخمرة التي أثرت سلباً على صحته، فتدهورت ورحل عن هذه الدنيا الفانية بأن وَلَج باب العالم الآخر من خلال طوق الياسمين، فطوق الياسمين هنا هو رمز الخلاص من عذابات هذه الدنيا، وهو البرزخ الذي يفصل بين دنيا الواقع المؤلم وعالم الخلود؛ الذي تتحقق فيه الأحلام المشتهاة، وكأن مايصعب تحقيقه في هذه الحياة القاسية يمكن تحقيقه بعد طوق الياسمين، وهو الباب الذي يُفضي إلى نور على امتداد البصر، وضباب حليبي أبيض يحتضن من يدخل فيه.
يقول عيد عشاب لحبيبته سيلفيا:
” البارحة رأيت حلماً أخرجني من وضع وأدخلني في آخر. رأيت سيدي الأعظم محي الدين ابن عربي مرتدياً لباساً خيوطه من الحرير الأبيض والفضة. في يده اليمنى عصى من قصب البانبو، يتكئ عليها كلما شعر بالتعب. طلب مني أن أتبعه نحو طوق الياسمين أو الباب كما يسميه البعض. كنت أعرف أنه يقودني نحو الموت ولكني لم أتردد لحظة واحدة. كانت رائحة الياسمين والنباتات الاستوائية قوية. فجأة قام من قدام أرجلنا سرب من الطيور الملونة والفراشات، عرفت أننا صرنا قريبين من المصبات المائية. مشينا قليلا وإذ بالماء ينهض أمامنا مثل الشلالات. سألت عن الدليل، قال لي سيدي الأعظم وهو يضع يده الزكية على فمي: شششتتتت، لقد مات منذ أكثر من قرن. جئت لآخذك معي فأنا أعرف باب العبور نحو النور جيدا. سألته، وكيف ستفعل يا سيدي وأنت لا تملك عوامة ثم أن هذا النور يخيفني يا سيدي الأعظم. قال مرة أخرى وهو يضع أصابعه على فمي: شششتتت… النور نعمة. ثم أخذني من يدي. شد عليّ جيدا وبدأ يمشي على الماء كمن يمشي على اليابسة، وسط الضباب والأنوار التي عمتني ولم أعد أرى شيئا.” ( )
طوق الياسمين ليس هو النهاية دائماً لمن أراد التخلص أو الخلاص من متاعب هذه الدنيا، إذ كان يلجه الراوي نفسه وعيد عشاب وزملاؤهم مابين فترة وأخرى، كلما شعروا بالضيّق ينشدون صفاءً روحيّاً وراحة نفسية هناك.
تستدعي الذاكرة أطواقاً كثيرة؛ منها رواية “طوق الأحلام”، للروائي السوري محمد شويحنة والتي صدرت سنة 2005، ورواية “الطوق والإسورة” للروائي المصري يحيى الطاهر عبد الله. لكن عنوان رواية واسيني الأعرج  جميل يذكّرنا بــ”طوق الحمامة”، لابن حزم الأندلسي، في الأُلفة والأُلاّف وهو كتاب في وَصفِ الحب، وأعراضه ودَرس أدواره وأطواره، والتي أراد واسيني الأعرج لـ”طوق الياسمين” أن تكون رسالة في الحب وآلامه ومكابدة الصبابة  والفقد، ونلحظ ذلك من العنوان الفرعي “رسائل في الشوق والصبابة والحنين”، إذْ أراد واسيني بعنوانه الفرعي هذا أن يشرح  مايحتويه كتابه “طوق الياسمين”، فالعنوان الفرعي يدلل دون مواربة على أن الكتاب مشحون بالشوق والصبابة والحنين للمحبوب، إما بسبب البعد لوجود حائل كما هو بين سيلفيا وعيد عشاب، أو نتيجة تردد غير مبرر من قبل الراوي البطل ورفضه الارتباط رسميّاً بحبيبته مريم.
كُتِب في أعلى الغلاف في مربع خمري اللون “رواية”، وذلك لعدة أسباب؛ أولها أراد واسيني أن يخبر المتلقي بأن هذا العمل ليس سيرة ذاتية، لأنه لم يذكر ذلك صراحة حسب ميثاق “سير ذاتي”، وربما أراد أيضاً أن يجتذب القاريء الذي خبر وعرف وقرأ روايات واسيني، وبذلك يختصر زمناً قد يستغرقه القاريء في التفكير قبل الإقدام على شراء الكتاب أو إقتنائه أو حتى الشروع في قرائته.
ثم يأتي تحت كلمة “رواية” بخط كبير اسم المؤلف واسيني الأعرج، الخط واضح سهل القراءة، وهذا ربما عمد إليه الناشر لأغراض ترويجية، لما يتمتع به واسيني الأعرج من شهرة، تجعل المتلقي يقبل على شراء الكتاب.
رسمة الغلاف الرئيسية تتموضع في النصف الأسفل منه، تمثل امرأة مستديرة الوجه، غير واضحة الملامح بشكل جلي، دقيقة الأنف، صغيرة الفم، غيرة مكتنزة الشفاه، ذات شعر كستنائي يزينه طوق من زهور الياسمين، ويدرك القاريء مالذلك من دلالة في هذه الرواية. المرأة ذات عنق طويل أبيض ترتدي ثوياً أزرق، يجسد تضاريس جسدها، و يكشف جزءاً من كتفين وصدر صَقيل. تضع يدها على حافة شرفة تطل على فضاء أزرق خلفها، كالبحر، وطالما تساءل بطل هذه الرواية عن شعوره بأن دمشق مدينة ساحلية بالرغم من أنها لاتطلّ على أي بحر.مالت برأسها قليلاً نحو اليمين إلى الأعلى ليقترب منها طائر بني اللون له ملامح نورس ولون يمامة، ليقبلها في خدها الأيمين فيبدو متوهجاً. وكأن استحضار النورس مع المرأة في صورة الغلاف ضرورة في نظر واسيني لارتباطه بطوق الياسمين، حينما تفتح البوابة وتسير العوامة على صفحة الماء وسط الضباب والنور في ممر تحفّه النباتات الإستوائية، تحيط به أسراب النوارس.
ثم تتكرر صور المرأة والنورس متجاورة لتشكل خلفية شفافة تغطي كامل الصفحة التي تشكل غلاف الرواية، التي يغلب عليها لون البحر الهاديء أو الضباب، أو زرقة السماء، ربما كناية عن راحة نفسية وطمأنينة يشعر بها من يجتاز “طوق الياسمين”.
في الصفحة التي تلي الغلاف نجد صفحة الإهداء، التي يبدأها واسني الأعرج بالإهداء قائلاً:
“إليك أيتها الصديقة الغالية : زينب
شكرا لك فقد منحني حبك وصبرك فرصة أخرى لأن أكون كما أشتهي، في أصعب الظروف وأحلكها ، وأنظر بعين أخرى للجنون والأقدار الصعبة التي كادت أن تعصف بنا في الصيفين الهمجيين من سنتي 1984 و 1994 حيث تواطأ ضدنا العميان والقتلة والمأزومون.

وإلى
صديقي الحاضر دوما: عيد عشاب
الذي انسحب بصمت من الدنيا مثلما جاءها بعد أن فتح لي باب الياسمين وكشف لي أنواره وأسراره. عاش ما كسب، مات ما خلى. عشتَ وحيداً يا صديقي ومتَّ وحيداً بعد أن نسيك بسرعة الذين عرفوك وخدمتهم بطيبتك المعهودة وتفانيك.” ( )
نلاحظ في الجزء الأول من الإهداء أن الكاتب يهدي روايته إلى زوجته الشاعرة والأكاديمية الجزائرية زينب الأعوج، التي التقى بها في جامعة وهران في الجزائر حيث أحبّا بعضهما وتزوجا، وقدِما في منحة دراسيّة معاً لإكمال دراسة الماجستير والدكتوراه في جامعة دمشق. لم يشرْ الكاتب ولم يفصح من هي زينب التي أهداها عمله هذا، لكن القاريء يستشف ذلك من كلام واسيني اللاحق، لأن زينب صبرت  وتحملت كثيراً من المعاناة في أحلك الظروف. واسيني قال: ” إليك أيتها الصديقة الغالية : زينب…”، فأكدَّ على ضمير المخاطب، ولم يقل:”إلى الصديقة الغالية؛ زينب…”، فأراد أن يؤكد أهمية حضورها، ليس فقط في حياته، بل ربما في عمله الروائي أيضاً، لم يفصح عن وظيفتها أو منزلتها أو مركزها الإجتماعي، أنها شاعرة وأكاديميّة، ومتذوقة للرواية، وأنّه يناقشها في كلِّ مايكتب، ويعرضه عليها قبل تقديمه للمطبعة، كذلك تفعل هي بالنسبة لما تكتبه من شعر أو دراسات نقدية، إذْ يكون هو أول من يطلع على ماتكتب، (هذا ماقالته الشاعرة زينب الأعوج في إحدى مقابلاتها التلفزيونية).
قطعاً يدرك القاريء بأن لزينب أهميّة كبرى لدى واسيني الأعرج، فهي احتلت الجزء الأول من الإهداء، وقد حَملتْ عبارات الإهداء من المشاعر ومن الدفء الشيء الكثير. لكن لماذا لم يفصح واسيني عن زينب في عتبة الإهداء، هل يريد للقارئ أن يفكر ويبحث؛ من تكون زينب تلك، وماهي وظيفتها، وما علاقتها بواسيني الأعرج؟ أمْ أنه يشعر بأنها أكبر من أن يفصح عن تفاصيل شخصيتها وماتزاوله من عمل أو وظيفة، وأنها معروفة، لذلك لم يذكر اسم عائلتها حتى؟ أم هي بساطة الحديث والتقديم وحميمية التعامل وعفويته عندما يتعلق الأمر بالمقربين بالنسبة لنا، والألقاب ومسميات الوظائف والمناصب لاتزيدنا منزلة، كما قال واسيني الأعرج أثناء إحدى محاضراته.
وقد أكدّ واسيني الأعرج على صبر وجَلَد زينب، ووقوفها إلى جانبه في ظروف صعبة وليالٍ حالكة السواد حددها بتاريخ له بداية وله نهاية ووصفها بــ “… الجنون والأقدار الصعبة التي كادت أن تعصف بنا في الصيفين الهمجيين من سنتي 1984 و 1994 حيث تواطأ ضدنا العميان والقتلة والمأزومون.” تلك هي الأحداث التي عصفت بالجزائر، إبان فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الإنتخابات التشريعية بأغلبية ساحقة، وهذا الفوز جعلها تصل إلى مراكز صنع القرار في الجزائر، فما كان من الحكومة إلا أن ألغت نتائج الإنتخابات، وحصل بعد ذلك أن حمل كثيرُ من أتباع الجبهة السلاح  والوقوف في وجه الحكومة. وسمي هذا الصراع المسلح بــ”العشرية السوداء”. وقد وصف واسيني الأعرج ممثلي الجبهة بأنهم “عميان وقتلة ومأزومين”، بالرغم من أنهم فازوا بأغلبية ساحقة في الانتخابات، هذا يدلل على أن لهم قاعدة شعبية سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم. وسنناقش هذا في مبحث “الأيدلوجيا” في موضع لاحق.
يتابع واسيني الإهداء والشكر في شَقِّه الثاني إلى صديقه عيد عشاب “الذي فتح لي باب الياسمين وكشف لي أنواره وأسراره.. عشتَ وحيداً ياصديقي ومتَّ وحيداً..”، ومن خلال عبارة واسيني الأخيرة نتذكر، الشاعر السوري محمد الماغوط حينما قال: “بدأت وحيداً، وانتهيت وحيداً كتبت كإنسان جريح..”.
عيد عشاب تقاسم مع زينب صفحة الإهداء، وهذا له دلالة، فهما قريبان من قلب واسيني الأعرج، فهذا صديقه الحميم، وهذه زوجته وصديقته الغالية. وجود عيد عشاب في الإهداء مهم جداً، لأنه شخص له تأثير قوي في بنية الرواية الداخلية.
في الصفحة التي تلي صفحة الإهداء وضع واسيني الأعرج تصديراً أو اقتباساً، ويمكن تعريف التصدير بأنه “تركيب لغوي يقوم على الاقتباس أو الاستشهاد بنص أو نصيّن من ثقافة معينة أو مصاغٍ صياغة تتكئ على معطىً معين من معطيات تلك الثقافة”( ). التصدير في رواية “طوق الياسمين” ينقسم إلى قسمين؛ النص العربي المقتبس من كتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي، وقد جاء بعد الإهداء، وقبل النص أو المتن الروائي مباشرة، فاقترن به وكان بمثابة عتية أو مدخلاً له، وبهذا تجب معاملته على أنه جزء من الخطاب الروائي. ونرى أن الاقتباس من طوق الحمامة قائم على ثنائية، وهي بأن الدنيا ممرٌ ومحنة وكَدَر، والجنّة دار جزاء وأمان وبعد عن المكاره، لذا تعذّب عيد عشاب ومريم والراوي نفسه، وربما صالح أيضاً؛ الذي تزوج مريم، وغيرهم في هذه الدنيا (الرواية)، ربما تخللت تلك العذابات اختلاسات بسيطة من لحظات سعادة عابرة، مرّت سريعة كحلم، تمثلت في وصل المحبوب الذي هو “صفاء لا كَدَر فيه”. الجزء الآخر من هذه الثنائية يتمثل في الراحة والطمانينة والأمان في حياة الشخصيات المذكورة التي صبغت حياتها بالقلق، تجد راحة أبدية عندما ترحل إلى العالم من خلال “طوق الياسمين”. لو  ألقينا نظرة تحليلية فاحصة على الإقتباس لوجدناه متناصاً مع قصّة مريم وسارة الصغيرة وعيد عشاب. فإن كانت “فيلا الإطفائية”، أو شقة سوق ساروجا الشعبي هي البيت الدنيوي، فإن الدخول إلى البيت يكون من خلال طوق الياسمين، فالقبر هنا لم يعدْ مكاناً مظلماً موحشاً، يورث خوفاً وانقباضاً في النفس، بل هو ربما نور على امتداد البصر كما هو النور المنبعث عند دخول طوق الياسمين.
لقد قدّم المناص (الاقتباس) من كتاب ابن حزم موقف واسيني الأعرج من قضية الحب، ولا سيما أن الرواية هي رسائل في الحبِّ والشوق، فواسيني يتبنى ماورد في طوق الحمامة، وإلاّ لما أورد تصدير روايته تلك من ذلك الطوق.
بالنسبة للاقتباس باللغة الفرنسيّة  نلاحظ أن النص أيضاً قائم على الثائيّة كما الإقتباس الذي سبقه، ومثل رواية “طوق الياسمين” التي تكتنفها الثنائية ككل. فنجد في النص الثاني الهدوء والسكون الذي يفتح آفاقاً للتفكير وللتأمل والحلم. مقابل الخشونة التي تجلب الرعب والعصبية.
تعمّد واسيني الأعرج إيراد نصّ ابن حزم، ونصّ فرنسي ليتماهى النصّان مع المتن الروائي في روايته، ليس فقط من أجل ذلك، بل ليؤكد لماذا اختار واسيني طوق الياسمين عنواناً لعمله هذا، حيث نعلم أن ابن حزم أول من ألّف كتاباً متكاملاً عن الحبّ من العرب.
نستطيع القول بأن التصدير في رواية “طوق الياسمين” جاء ليؤكد على قضايا اشتغل عليها المتن الروائي مما جعله مفتاحاً ومدخلاً للنص، فالرواية كما قال واسيني عبارة عن رسائل في الحبّ والشوق والصبابة، تتحدث عن الحياة المتعبة الصاخبة في بيوتات المدينة وشوارعها، مقابل الهدوء عند اجتياز طوق الياسمين. إذاً فالتصدير ههنا لايقوم على إعجاب واسيني بمقولة أو جملة لابن حزم، بل له أهميّة كبرى للولوج إلى النصّ وسبر أغواره من خلال مفاتيح علّقها واسيني على البوابة. فالتصدير هنا يوجه القاريء لفهم النص، من خلال اختزاله في سطرين، اقتبسهما واسيني من كتاب ابن حزم.
“وَلَوْ أنَّ الدّنيا مَمَرٌ ومِحْنةٌ وكَدَرٌ، والجَنةُ دارُ جَزاءٍ وأَمانٍ مِنَ المِكارِه، لَقُلنا إِنَّ وَصْلَ المَحْبوبِ هُوَ الصَّفاءٌ الذِي لا كَدَرَ فِيه”( )
طوق الحمامة: ابن حزم الأندلسي
اقتباس واسيني الأعرج من كتاب “طوق الحمامة” له غرض؛ وكأن الكاتب يريد أن يؤكد على أن “طوق الياسمين” هي رسائل في العشق، كما هو حال كتاب ابن حزم. كما يريد أن يؤكد للقاريء بأن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لاكَدَر فيه، والمحبوب قد يكون الحبيبة كما في حال الراوي، أو قد يكون تعلق المريد بشيخه، تعلق روحي كما هي حالة عيد عشاب وسيده وشيخه ابن عربي. لذلك نجد أن “الاقتباسات” الكثيرة والمتكررة عن الحب أثقلت كاهل الرواية، مع أنها جميلة وبعيدة الغور، وتعكس فلسفة وخبرة حياة لايستهان بها. ربما قصد واسيني من ذلك أن تكون سِفراً في الحبّ كي يُكتب له البقاء، ويعتبر مرجعاً في الحبّ والعشق، كما هو حال كتاب ابن حزم. يجب ألا نغفل بأن النص الفرنسي يحثُّ على الهدوء والرِفق..كأن الشخص اتحد مع عوالم أخرى، يتأملها لايريد لأحد أن يقتحم عليه خلوته، أو يعكر صفو مزاجه، وكانه في “حَضْرَة” صوفيّة.
من هنا ستكون مهمة الناقد هي البحث عن تعالق العتبات مع المتن الحكائي من جهة، ومع المرجعيّة التي تأسس عليها هذا المتن ومعرفة مدى تعالق هذه المرجعية بتلك المرجعية التي اختزلها المتن في عتبات، بمعنى أن عليه إبراز مظاهر هذهِ العلامات (أولاً) وكيفية اشتغال نسقها (ثانياً) وبحث مظاهر تعددية دلالاتها(ثالثاً)” ( ).
إن واسيني الأعرج من خلال نص الإقتباس لابن حزم استدعى ذاتاً تاريخية وقامة كبيرة لها حضورها في الحضارة العربية الإسلامية ليؤسس عليها خطابه الروائي. فكما أثنى الناس على كتاب “طوق الحمامة” لابن حزم ووجد مكاناً أثيراً في قلوبهم يريد واسيني ذلك لروايته.
خلاصة القول؛ إن العتبات في رواية “طوق الياسمين” كانت مقدمة ومفتاحاً للنصّ، ولم تشكل خطاباً مستقلاً، يمكن قراءته بمفرده.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة