العُطفَة، رواية لا تنتهي.. – بقلم : وفاء احمد قاضي

اصدارات ونقد ….
بقلم : وفاء احمد قاضي ….
قراءة… في ملحمة العشق والموت
نجح الروائي حسين رحيّم في اختيار الراوي العليم وتوظيفه لخدمة الشخصيات
في الرواية، والتعبير عن وجهة نظره، بخلق عالم روائي يضج بالصراعات والحروب، واتخذ لنفسه موقعاً أَوْهَمَ فيه القاريء أنه أبدع الرواية وابتعد ابتعاداً كاملاً عنها،
ولو دقَّقْنا النظر في النص الروائي لاكتشفنا أنه تعاطف مع بطلة الرواية ومالَ بمشاعره إليها وإلى قبيلتها، هذا يتبينه القاريء جليّاً في عبارة الإهداء المثيرة والمُشَوّقة التي تميزت بها رواية العُطفَة عن غيرها من الروايات .
صوّرَ شمّا فتاةً حيةً من لحم ودم ووصف جمالها، وذكاءها، ونباهتها، ونبل أخلاقها، وشجاعتها، فلامس بوصفه وجدان القاريء ، وجعله يتعاطف مع شمّا وقبيلة المجاهدة عموماً، أما وصفه لقبيلة المفاوزة – بأنهم ملاحدة لا أصول لهم ولا تاريخ، ويروجون لدعاية إعلامية مغرضة، وتحالف قبيلة الشاهر معهم ضد المجاهدة – حقق من خلاله مفهوم الرمزية في الرواية، وعبَّر عن الواقع، وأوضح المعنى المراد.
– ولكني أستغرب كيف انتقدَت عربُ المفاوزة قبيلةَ المجاهدة بأنهم لا يحكمون بما
أنزل الله في حين أنهم لا يؤمنون بأي دين ! هل كان يهمهم الحكم بما أنزل الله
وهم ملاحدة ؟!
وصفَ ظبية ابنة عم شمّا- التي قتلت زوجها ثأراً لابن عمها “حمود”- بالشجاعة
ولم يبدِ تعاطفه معها وقد يراها القاريء أكثر شجاعة وعصبية من شمّا التي لم
تستطع الاحتيال لقتل زوجها غريب الذي أهانها وأذل قبيلتها، ومن ناحية أخرى
يستغرب الكاتب رباطة جأش صبحة والدة شمّا وموقفها من قاتل ابنها وقولها
“حسبي الله ونعم الوكيل أموت ولا أخلِّ العربان يقولون الشيخ هذال ذبح الدخيل
في بيته ” في مفارقة بين وصفه لشمّا وبين استغرابه موقف أمها !!
التقطَ الكاتبُ صوراً من حياة البادية منحت القاريء شعوراً بجمال النص ومتعة
السرد وكأنه يعيش صخب الحياة البدوية وضجيجها وبساطتها في آن واحد .
صُورٌ حواريةٌ تَظهرُ فيها البساطة والعفوية والصراحة التي تتميز بها الشخصية
البدوية.
صورةُ القطعان العائدة من المرعى للمبيت حول بيت الشعر “وسط موسيقى غير متناسقة من الثغاء وصياح الرعاة ونباح الكلاب”
صورةُ الراعي الذي يختلس لقاء محبوبته تحت جنح الظلام يتهامسان بكلمات الحب وتعلو أنفاسهما خشيةَ العيون فَتُهْديه منديلها ليبقى ذكرى جميلة، وقد يصبح ذكرى مؤلمة وجرحاً نازفاً مدى الحياة .
رائحةُ القهوةِ المعطرةِ بالهيل والزعفران والقرنفل، ومذاقها الممتع، يمتزج بمتعة الصورة حول الموقد، كأنه لوحة فنية رائعة.
البدو يعشقون القهوة والشاي كما يعشقون حياتهم الصاخبة.. بين الإقامة والترحال
يا محلا الشاي والبال رايق
بفيضة بين قومك وربعك
رجال”ن” مناعير زين الخلايق
يوم الوغى ترسك ودرعك
صُوَرٌ حيّة …والقاريء يستنشق عبق القهوة ونكهة الشاي المسافرة إلى أنوف
مجاورة، فتلتصق شفتيه وهو يستشعر مذاق الشاي شديد الحلاوة داكن اللون.
صورةُ العرس ورقصةُ الحاشي بالسيوف تجعل القاريء يلتقط أنفاسه خشية من
ضربة السيف ” متعة الرقص بأعصاب مشدودة” يشعرك أنّ اللهو والمتعة في حياة
البدو مغلف بالشدة والقسوة  التي تتسم بها تلك البيئة .
صورةُ المأتمِ ومقتل حمود …….
أرسل سلامي ويّا الراح والرَّاد
لهفي على مشوربٍ منه الخدْ وَرّد
حلفت ما أصير بعد حمود وَرَّادْ
أظل ظميان وروحي شِقيّة
وهكذا تستمر الصور الفنية  واللقطات الحيّة في الرواية إلى ما لا نهاية حتى
اللقطة الأخيرة ومقتل غَريب وسُوريب وهروب ذيب ومِجوَل حتى موقع فرسيهما . وكأني بالكاتب ألقى بقلمه وراح في حالة استرخاء….
ليترك القاريء يبدع النهاية بنفسه، ويتخيلها كما يحب.
فالعطفة رواية لا تنتهي….
فهي قصة رمزية، وحكاية بدوية، ووثيقة اجتماعية، ورسالة لغوية .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة