“تحليل ثقافي” حول محاسبة الإذاعة العسكرية الإسرائيلية لبثها أشعار درويش! – بقلم : بكر السباتين

 

دراسات …

بقلم : بكر السباتين …
ما بين درويش و(ليبرمان) وطنٌ كالفينيق، لا يتحول إلى رماد ولو تلظى بالاحتلال.
فقد تسبب الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش قبل أيام، باستدعاء وزير الدفاع الإسرائيلي (افيغدور (ليبرمان)) لمدير اذاعة الجيش للتنديد بقوة ببث برنامج عنه باعتباره كان يحرض دائماًً على الكيان الإسرائيلي، بحسب بيان صادر عن وزارته،
وبثت الحلقة عن درويش، الذي يُعد أحد أهم شعراء العرب في العصر الحديث في إطار برنامج للجامعة المفتوحة في الكيان الإسرائيلي، وهي مؤسسة للتعليم عن بعد.

وتابع البيان “من الواضح أن هناك خطأ ولا يمكننا السماح بتجاهله”، مشيرا أن ((ليبرمان)) استدعى مدير الإذاعة العسكرية (يورام ديكيل) للحصول على “توضيحات”.
وكان (ليبرمان)، زعيم حزب إسرائيل بيتنا اليميني القومي المتشدد، تولى حقيبة الدفاع أواخر أيار (مايو).

أما لماذا كل هذا السخط على الشاعر درويش! فالأمر بكل بساطة يتعلق بمكانة هذا الشاعر على صعيدي الشعب الفلسطيني والعالم، ولدوره في تعزيز الموقف الثقافي الفلسطيني إنسانياً وتبرير المقاومة ضد المحتل في كل زمان ومكان، متخذاً الثورة الفلسطينية كمثال يحتذى.

وينبغي أن ندرك في ذات السياق بأن درويش يعد أعظمُ شاعر لأعدل قضية، لذلك هو في قلب المشهد الوطني، يؤثر ويتأثر، وحاول أن يكوّن هناك مشروعاً ثقافياً، يمثل قوة الثقافة في السياسة، وفي المشروع الوطني  بشكل عام.
ولعله أيضاًَ كان ذلك الشاعر المناضل الذي يمثل العقبة الكأداء في طريق المشروع التهويدي الثقافي الإسرائيلي، فجاء كالغصة في الحلق أمام الرؤية الصهيونية الإلغائية لترسيخ يهودية الدولة، وتذويب الشعب الفلسطيني في الثقافات الأخرى لمسح أية ملامح لهوية فلسطينية تمثل بالنسبة للاجئ الفلسطيني أهم محددات الحق الفلسطيني المهدور؛ وبما أن درويش محسوب على اليسار بحكم انتمائه المسبق للحزب الشيوعي الإسرائيلي- العربي، الذي كان يضم عرباً ويهوداً قبل نكبة فلسطين عام 48،وكان درويش يعمل في صحف الحزب كالاتحاد، والفجر التي شارك في تحريرها مع توفيق زياد، والجديد التي ترأس تحريرها فيما بعد.

ويبدو أن الإذاعة العسكرية الإسرائيلية أخذت بجريرة أنها تعتز بأحد مؤسسي اليسار العربي الإسرائيلي المشترك قبل عام النكبة، درويش، رغم أنه صار ينتمي إلى جانب الضحية فيما توجه الشق الإسرائيلي من هذا اليسار باتجاه الأهداف الصهيونية التي تمثل رؤية الجاني.. من هنا وبما أن إذاعة الجيش الإسرائيلي تخضع لوزارة الدفاع. وبحسب وسائل الاعلام فان (ليبرمان) يفكر في إغلاق الإذاعة بسبب توجهاتها التي يعتبرها “يسارية” جدا.

لأنه من الطبيعي أن يتنافر شاعر المقاومة مع المحتل ولو تبادلا الابتسامات المزيفة، والعدو مهما ادعى بجنحه للسلام فلا بد وأن يكشر عن أنيابه كلما أخضع لاختبارات القبول بالآخر على قاعدة التكافؤ، فكيف حينما يكون الخصم بحجم شاعر عالمي كدرويش. وما لا يعرفه كثيرون بأن هذا الشاعر يذكرنا بقامات ثقافية فلسطينية غذت المشهد الثقافي العالمي بملامح القضية الفلسطينية ببعديها السياسي القانوني والإنساني، مثل صاحب الكوليانية المفكر العالمي الفلسطيني الراحل إدوار سعيد الذي عرف العالم بدرويش بدءاً من خلال محاضراته في جامعة كولمبيا بأمريكا وصولاً إلى الحديث عنه في لإعلام الغربي وبعدة لغات، مبيناً إبداعه ومعماره الفني، ومضامين قصائده، وما أضافه للتجربة الشعرية العربية من جهد في التطوير والتحديث وبلاغة الكلام، وما أثاره من تحدٍ لجمرة النص الشعري، الأمر الذي جلب له مكائد الخصوم، بحيث إنه صار مثل المتنبي مالئ الدنيا، وشاغل الناس. لكنه أيضا أغاظ العدى وأحرج موقف الكيان الإسرائيلي الثقافي من خلال مكانة درويش كشاعر تحرري، وفضح مكانة الثقافة الإسرائيلية التي تمثل الرؤية الكوليانية للمحتل، والقناع الذي يحمل ملامح الغطرسة والزيف ليعكس صورة مراوغة عن المحتل، من هنا جاء حقد قادة الصهيونية بالدرجة الأولى على شاعر الثورة الفلسطينية محمود درويش،والذي يطلق عليه اسم “شاعر المقاومة”، والذي أسهم في تطوير الشعر العربي من خلال مزجه بين الحب والوطن والفناء لأجله واستحداث أجمل الصور الشعرية التي طوع من خلالها اللغة العربية لتعبر بكل حداثة عن الواقع الفلسطيني الأليم.

ومن منطلق هذه المكانة، وجدها اليسار الإسرائيلي فرصة للتعريف بدرويش كأحد رموز اليسار العالمي، وكان قادته في المؤسسات المدنية الإسرائيلية يحاولون إدخال ذلك في أجنداتهم الداخلية، وليس فقط لكسب ودّ الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، بل لفتح نوافذ التطبيع الثقافي مع العرب المليء بالعراقيل. كما حدث في العام 2000، حينما اقترح وزير التعليم في حينه (يوسي ساريد)، من حزب (ميريتس) اليساري العلماني تدريس عدة قصائد لدرويش في المناهج الدراسية الإسرائيلية. لكن رئيس الوزراء في حينه (ايهود باراك) رفض ذلك مؤكدا أن “إسرائيل” ليست مستعدة للقبول بذلك.

ولعل ما يصيب قادة الكيان الإسرائيلي بالغيبوبة كلما ذكر أمامهم اسم درويش؛ هو دوره في صياغة (ضمن فريق الإعداد) الخطاب الذي ألقاه عرفات في الأمم المتحدة عام 1974، وصياغة وثيقة الاستقلال الوطني الفلسطيني التي أعلنتها منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1988 في الجزائر.
لذلك قال (ليبرمان) في البيان الذي أعلن فيه محاسبة الإذاعة العسكرية لبثها قصائد شعرية لدرويش:
“إنها مسألة خطيرة تتعلق بشخص كتب نصوصاً ضد الصهيونية ويتم استخدامها حتى الان لتشجيع الأعمال الإرهابية ضد دولة ( ما يسمى) إسرائيل”.

درويش الذي وافاه الأجل في التاسع من آب (اغسطس) 2008 في أحد مستشفيات هيوستن (تكساس، جنوب الولايات المتحدة) عن 67 عاما نتيجة مضاعفات أعقبت عملية جراحية دقيقة في القلب، ما زال يمثل حالة استثنائية في المشهد النضالي الفلسطيني ببعده الثقافي، كأن قلبه ما زال ينبض على محك النضال، ويمكن استنتاج ذلك من مواقف قادة الكيان الإسرائيلي إزاء سطوته الثقافية على عقول الشباب الفلسطيني، وقد تغنوا بقصائده وهتفوا بأشعاره التي ملأت كل مواقع التواصل الاجتماعي، لا بل حفظوها عن ظهر قلب، واستمعوا إليها من خلال أغاني مرسيل خليفة، واستلهموا من جوهرها طاقة النضال الإيجابية في التصدي للكيان الصهيوني عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. وعليه فقد هاجمت وزيرة الثقافة الإسرائيلية (ميري ريغيف)، الإذاعة العسكرية الإسرائيلية بعد أن بثّت البرنامج الذي تناول قصائد لشاعر المقاومة.
وكتبت (ريغيف) في تغريدة:
“إذاعة الجيش انحرفت، إنها خصصت برنامجاً لمحمود درويش لتبحث عن قصائده المعادية لمواطني “إسرائيل””.
وتناولت إذاعة الجيش ، الثلاثاء الموافق 18 يونو 2016، في برناج أكاديمي قصيدة محمود درويش “سجل أنا عربي”
واعتبرت (ريغيف) أن قصائده معادية ل”إسرائيل”، وقالت: “لا يمكن لإذاعة الجيش العامة أن تمجد وتعظم في برنامج إذاعي يسرد الرواية المعادية لإسرائيل”.
وأضافت أن “الرواية الفلسطينية ترفض قبول إسرائيل كدولة ديمقراطية”.
لقد كتب درويش قصيدة ” سجل أنا عربي” في مرحلته الرومنسية، وفي باكورة الثورة الفلسطينية، إذْ صرخ من خلالها في وجه المحتل، معتزاً بهويته العربية، وهذا ما التقطته كما يبدو (ريغيف) التي تساهم ببناء العقل الصهيوني العدواني من خلال موقها كوزيرة للثقافة، فكيف تسمح بوجود محطة إذاعية رسمية، وتتلقى التمويل من وزارة الدفاع الإسرائيلية، لتمجيد شاعر المقاومة الذي يحرض على مقاومة المحتل الإسرائيلي في رسائل اعتاد على تمريرها للأجيال القادمة، إنه الموقف الإسرائيلي (الجاني ) وهو يقيم هويته على أنقاض الهوية الفلسطينية ( الضحية) مُنْتَمى درويش وعنوانه.
ففي آخر قصيدة” سجل أنا عربي” خاطب درويش العدو الصهيوني المحتل لفلسطين المغتصبة:
“سجل… أنا عربي
سلبت كروم أجدادي وأرضا كنت افلحها”
إلى أن قال:
“فهل ستأخذها حكومتكم..كما قيلا”
الشاعر هنا سيبرر لثورته على المحتل لأرضه وعرضه، فيصرخ أيضاً ملء شدقيه في وجه الغاصب في آخر قصيدة (عابرون فى كلام عابر) حين قال:
“إذا ما جعت آكل لحم مغتصبي”
وهذا في نظر الشاعر له ما يبرره، رغم أنه كتب القصيدة أثناء اتفاقية السلام أوسلو التي كانت تلتهم التنازلات الفلسطينية لصالح الصهاينة المتجبرين، رغم استمرارهم في بناء المستوطنات التي تجاهلها المجتمع الدولي، وقد ثبت انحيازه للجاني على حساب حقوق الضحية، وما رافق ذلك من امتهان للكرامة العربية وممارسة القتل بحقهم في مذبحة جنين والانتفاضات المتعاقبة والهجوم على غزة، ناهيك عن العمل على طمس الهوية الفلسطينية، ليوقظ درويش في اللاجئ الفلسطيني جوهر هذه الهوية من خلال تبريره مجازاً لأكل لحم الضحية (المقاومة بشتى السبل المتاحة)  المشروط بالجوع والظلم والتجني، فما بالك وقتل الفلسطينيين كان يحدث أمام عينيه ليشعر بأن عودته إلى فلسطين مكنته لأن يكون الشاهد الأمين الذي يرى بكل حواسه كيف أن الجوع سيولد الانفجار، حتى تحرير الأرض والإنسان، كأنه تعبير عن ندمه بعدما تم حذف بند الكفاح المسلح من ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية كأحد شروط أوسلو، وهو ما يعني إلجام البندقية الفلسطينية، وتساقط أوراق غصن الزيتون الذي رفعه عرفات أمام زعماء العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة في خريف عام 1974، كممثل عن منظمة التحرير الفلسطينية، بينما كان يحمل مسدسًا على خاصرته وغصن زيتون في يده حين قال على لسان درويش الذي يمثل ضمير القضية الفلسطينية:
“أحمل لكم سلاح الثائر في يد، وغصن الزيتون في اليد الأخرى فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”
ليحظى بالتصفيق الحار في ذات الحين، وفي أول خطاب أممي له.

أما وقد ماتت خيارات درويش التي تضمنها نص الاستهلال الخطابي ألأممي الأول لعرفات، فكان لا بد من قصيدة يدعو فيها إلى خروج المحتل الصهيوني من أرض فلسطين، فكانت قصيدة” سجل أنا عربي”
لذلك برر درويش مقاومة المحتل، ما أثار غضب وزيرة الثقافة الإسرائيلية (ريغيفوقد) التي اعتبرت أن قصائد درويش معادية لإسرائيل، وقالت:
“لا يمكن لإذاعة الجيش العامة أن تمجد وتعظم في برنامج إذاعي يسرد الرواية المعادية لإسرائيل”.
فماذا قال درويش:
“إذن !!!!!
سجل…
برأس الصفحة الأولى
أنا لا اكره الناس, ولا أسطو على احد
ولكني… اذا ما جعت, آكل لحم مغتصبي
حذار…حذار… من جوعي ومن غضبي”
وهي دعوة صريحة لمقاومة المحتل، حتى بعد التوقيع على معاهدة أوسلو المشئومة، وعودة درويش إلى رام الله بعد قيام السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، ظلت لدى هذا الشاعر رغبة جامحة باسترداد فلسطين من براثن عدو هزم العقل العربي وداس على كرامته، وكأنه وعدي نبي، حينما يخاطب العابرين ( العبرانيين) في قصيدة (عابرون في كلام عابر) والتي تركت أثراً قاسياً لدى المتلقي الإسرائيلي الذي يدرك مكانة درويش العالمية في بعديها الإنساني والإبداعي، والتي ترسّخت في الوعي الفلسطيني لتبث فيه طاقة الانبعاث المتجددة إزاء ما يقوم به الكيان الإسرائيلي من طمس ممنهج للهوية الفلسطينية، يقول درويش في مطلعها:
“أيها المارون بين الكلمات العابرة..
احملوا أسماءكم، وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا
واسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة..
وخذوا ما شئتم من صورٍ، كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقف السماء”…
لذلك توجد تحفظات إسرائيلية على محمود درويش كشاعر للمقاومة، وكقائد وجداني لجيل الشباب الذي ما يزال يتغنى بأشعاره، ويحتسي المثقفون قهوة أمهاتهم من خلال الصور الشعرية المدهشة التي نثرها درويش في حديقة الأمل المسيجة بالمحاذير العرفية التي عجزت عن غلق الأبواب في وجه الشعراء المحلقين في سماء الحرية.. وكأن قلب درويش يقود مسيرة الأجيال إلى المستقبل من خلال الاستشهاد بأشعاره الوطنية عبر مواقع التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية العملاقة، الأجيال التي  التقطت إيحاءاتدرويش التحفيزية على النضال، بأن لا للتطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني، لا للخنوع، نعم للحرية والغناء، نعم للسنونو الذي مهما ابتعد لا بد ويعود لوطنه، لا للكيان الإسرائيلي المحتل لفلسطين.. ..الأمر الذي جعل وزيرة الثقافة الإسرائيلية وفي معرض تأيدها لموقف( لبيرمان) المزمع اتخاذه بحق الإذاعة العسكرية الإسرائيلية، تجزم بأن “الرواية الفلسطينية ترفض قبول إسرائيل كدولة ديمقراطية”.
من هنا فإن أصحاب القرار الإسرائيلي يرون في درويش وتأثيره على عقول الأجيال المتلاحقة خطراً كبيراً برغم التطبيع الاقتصادي الذي تجرجر إليه الخانعون العرب.. لأن السياسات قد تتغير ولكن فلسطين باقية في قلب الشعب كما كانت في ضمير شاعر المقاومة محمود درويش.
وينبغي أخيراً أن يدرك (ليبرمان) بأن ما بينه ودرويش وطن كالفينيق، لا يتحول إلى رماد مهما تلظى فيه جمر الاحتلال.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة