ملاحظات على خطة راند الأمريكية لوقف القتال في سورية – بقلم : منير درويش

دراسات ….
بقلم : منير درويش – سوريا ….
لا ندري مدى تأثير محاولة الانقلاب في تركية التي تلت صدور الخطة على الأحداث في سورية لكن لا بد من معالجة هذه الخطة .
أثارت خطة راند تحت اسم ( خطة سلام من أجل سورية ) ردود فعل متفاوتة لدى بعض الأوساط السورية خاصة وأنها صدرت عن مؤسسة أمريكية عريقة يعود تاريخ إنشاؤها إلى ستينات القرن الماضي ، والذين وضعوا الخطة هم دبلوماسيون شغلوا مناصب هامة  في وزارة الخارجية الأمريكية .
هناك بحث طويل في الخطة  لكن مضمونها  العام  يهدف إلى وقف القتال في سورية إنما  الأهداف الأساسية هي طرح مشروع تقسيمها  تحت  حجة ” الأمر الواقع  وحماية المواطنين الذين لا زالوا في سورية وعددهم 16،6 مليون 7 مليون منهم يعانون نزوحاً داخلياً  ” . وتهدف الخطة أيضاً ، وضع آلية لإدارة المناطق المقسمة  عبر أشكال أربعة  من الفيدراليات  ، وبعد وقف القتال  تجتمع الفصائل السورية  لدراسة الوضع النهائي  للدولة السورية . وحاولت الخطة تعزيز  مصداقية  موقفها من خلال عرض الواقع الراهن الذي تعرضت له سورية من حيث حجم  الدمار الهائل  والعدد  الكبير من القتلى والجرحى والمهجرين ، وعجز المعارضة ومسانديها عن إزاحة النظام القائم بسبب الدعم الروسي والإيراني واحتمال استمرار هذا العجز في المراحل التالية  .  ” وإذا ما توقف القتال وفق حيازة الأرض الحالية كما  تدعي الخطة فإن سورية ستقسم إلى  إلى أربعة مناطق  ( 1 – منطقة تحت سلطة الحكومة الحالية 2 – منطقة تحت سيطرة الأكراد  3 – منطقة تحت سيطرة معارضة العرب  السنة  . 4 – منطقة تحتلها حاليا داعش وسينظر بأمرها بعد تحريرها .)  “.
إن هذه الخطة على الصعيد العملي ليست أكثر من واحدة من الخطط العديدة التي وضعتها لجان ومراكز عدة منذ بدء الأزمة السورية دون فائدة و كان آخرها البيان الذي أصرته مجموعة من الدبلوماسيين   في أمريكا وتطالب إدارتها بشن ضربة  عسكرية على الجيش السوري لوقف تقدمه ووقف القتال ، وبالتالي فهي مجرد رؤية خاصة  لم تعتمدها أو تتبناها الإدارة الأمريكية أو أية دولة أخرى أو تعلق عليها .  وإذا كانت بحاجة لنقاش فيجب ألا يكون انفعالياً ومتوتراً رغم أنها تتناقض بشكل واضح مع تطلعات ورغبات الغالبية الساحقة من الشعب السوري وقواه الديمقراطية المتمسكة بوحدة سورية أرضاً وشعباً والتي تتوق لبناء دولة وطنية ديمقراطية على أسس العدالة والمساواة ومبدأ المواطنة التي تساوي بين المواطنين  في الحقوق دون أي تمييز ، ويتولى الحكم فيها نظام ديمقراطي تعددي يتيح حرية الرأي والتعبير والمعتقد وحرية العمل السياسي ، ويتم تداول السلطة فيه عبر الوسائل الديمقراطية الحديثة ، وهي تتناقض أيضاً مع قرارات جنيف وفيينا  وقرار مجلس الأمن 2254 الذي أكد  في بنده الأول  (  على سيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية ) .
وإذا كانت المعارضة لم تستطع إزاحة النظام وهذا صحيح لكن النظام أيضاً لم يستطع أن يزيح المعارضة ، وذلك  لأن  الحل العسكري هو الذي استخدم  من الطرفين  وسيلة للحسم  بدل الحل السياسي التفاوضي الذي يمكن أن يحقق التسوية السياسية .
وكي لا يبقى التناقض مبهماً ، فإن الخطة نفسها تجد في مضمونها العام  أن التقسيم ليس سهلاً في الحالة السورية رغم أن الحرب  بما خلفته من مآسي للشعب السوري خلفت معها ( نزعات إثنية ، طائفية ) لكن  (تجزئة سورية وفق الخطة على أساس إثنو طائفية بعيدة عن أن تكون نظيفة حالها حال معظم بلدان الشرق الأوسط ، فمجتمعات سورية قد تمازجت تاريخياً لذا ما من قطاع متماسك من أرض مسكونة من جماعة بشرية مفردة ، إضافة لذلك فإن العرب السنة يشكلون 76 % من السكان وهم موجودون في كل مكان ويشكلون أغلبية حتى في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وبقوا موالين للنظام في حالات كثيرة ) .
في الحقيقة أوردت هذه الفقرة كما جاءت  في الخطة لأنها مفصلية في التناقض الحاصل مع النتائج التي تصل إليها  الخطة  حيث أنه إذا كان تقسيم سورية على أساس إثنو طائفية بعيدة عن أن تكون نظيفة كما تقول الخطة بسبب تمازج  السكان فهل يمكن تقسيمها على أساس قومي مثلاً وفق التقسيم الذي تراه الخطة ؟ بين  مناطق للأكراد ومناطق للعرب السنة ومناطق للنظام وغالبية سكانها من العرب أيضاً مهما كانت انتماءاتهم الدينية أو الطائفية .
لقد تجاهلت الخطة وهي تعترف بالتمازج الإثنو طائفية ، أن التمازج القومي كان في سورية حاصلاً وبشكل أقوى بكثير ، وكملاحظة أولى ، في دولة المواطنة المتساوية تبنى الديمقراطية على أساس الأكثرية والأقلية السياسية حيث للفرد الواحد كما للمجموعة أو الفئة مهما بلغ عددها نفس المكانة السياسية وحقوق المواطنة ، أما الأكثرية والأقليات العددية فهي  صيغ غير سياسية يشجعها الوعي المتأخر والاستبداد ، لكنه  ووفق الخطة نفسها فإذا كانت نسبة   العرب السنة  76 % وأضيف إليهم حوالي 15 % من الطوائف الأخرى فإن النسبة  ستزيد عن 90 % وهؤلاء ينتشرون في جميع المناطق السورية تشاركهم هذا الانتشار البقية من أكراد وسريان وأرمن وغيرهم وهو ما تؤكده الحقائق التي لا يمكن تجاهلها ، وإذا ما أخذنا أعداد السكان وفق توزعهم الجغرافي فالأكراد  مثلاً الذين يقيمون في دمشق وحلب كمواطنين سوريين  ، ربما يزيد عددهم  عن  عدد  بقية الأكراد  في المناطق السورية الأخرى ونقول ربما لأننا لا نملك إحصائيات دقيقة خاصة وأن  هذه الصفة تغيب عن الهوية  في سورية . وكذلك السريان ، فعدد الذين  يعيشون منهم  في دمشق يعادل نصف عدد السريان  في سورية ، ومثلهم بقية الطوائف ،فضلاً عن أن هؤلاء امتزجوا بالسكان ولا نعتقد أن أحدا منهم يرغب في الانتقال للعيش في مناطق التقسيم المزعومة . ولدينا في هذا المجال المثال العراقي فعندما طرحت فكرة الحكم الذاتي في كردستان  العراق كان يسكن بغداد وحدها أكثر من  مليون عراقي كردي  يشكلون وقتها  خمس عدد أكراد العراق ، لم يفكر احد منهم الانتقال إلى كردستان إلا بعد  الاحتلال الأمريكي لبغداد  كما فعل كثير من العرب السنة العراقيين . وما يزيد هذه  الحقيقة تأكيداً هو أن النزوح الداخلي بين المحافظات السورية جعل فكرة التقسيم على أي أساس كان أكثر صعوبة ، ففي منطقة الساحل السوري يوجد الآن من العرب السنة الذين هجروا إليه من مناطق سكناهم أعداد تفوق أعداد السكان الذين يقطنون فيه قبل الأحداث ، وكذلك محافظة الحسكة التي نزح إليها من دير الزور والرقة أكثر من 300 ألف  مواطن يشكلون نسبة عالية من الطوائف التي تقيم بالمحافظة ويقيمون فيها بصفتهم مواطنين سوريين دون أن يتعرضوا  لمضايقات تذكر  من أهالي المحافظة وإدارتها .  وإذا عدنا للوراء قبل الأحداث بثلاث سنوات وبسبب الجفاف وقلة المحاصيل الزراعية نزح من محافظة الحسكة إلى المحافظات الأخرى أعداد كبيرة من المواطنين بحثاً عن عمل أغلبهم من الأكراد وكان مرحباً بهم دون أية مضايقة خارج قوانين العمل .
هذه الحقائق ستلجم أية عملية للتقسيم ليست لأن سورية محصنة ضد هذا التقسيم بوعيها وتماسكها فقط بل بسبب الظروف الموضوعية لتوزع السكان فيها ، وإذا كان صحيحاً أن الهدن العسكرية ووقف القتال حالياً سيفرض تقسيماً ديموغرافيا معيناً ولفترة محددة إلا أن  هذا التقسيم قد يفرض نوعاً من الصراعات الحادة في كل منطقة ً من المناطق وهذا ما يرفضه الشعب السوري  لأنه يهدد مصالحه ، كما أن الظروف الاستثنائية قد لا تفرض أمراً واقعا بالضرورة ، لماذا لا نعتقد مثلاً انه بعد وقف القتال واجتماع الفصائل السورية لتقرير وضع دولتهم أن  يتمسكوا في قراراتهم  بوحدة سورية  الأرض والشعب بدل تثبيت التقسيم المقترح .
أما عن شكل الحكم وآلياته فهو خاضع لإرادة الشعب السوري عندما  تتحقق له دولة المواطنة ولكن في كل الأحوال  فإن غالبية السوريين مهما كانت انتماءاتهم لن يرفضوا نظام اللامركزية الإدارية وفق الصيغة التي تقررها رغبتهم  لكنهم لن يلتزموا بصيغ جاهزة أيضاً .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة