مجموعة مقالات سياسية للكاتب : بكر السباتين ..

منوعات …..
الشعب التركي يسقط الانقلاب وينتخب أوردغان من جديد! – بقلم : بكر السباتين
بقلم بكر السباتين..
ما جرى في تركيا يعد سابقة لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً.. حينما يتصدى الشعب بصدور أبنائه العارية للمحاولة الانقلابية التي هدفت إلى تحويل تركيا لدولة فاشلة ومرتع للفوضى والفتن الطائفية ومصدر للإرهاب.
الشعب التركي قال كلمته لأنه متحضر ويدرك مكانته بين شعوب العالم بعد أن تحول من دولة يحكمها الجيش بالحديد والنار.. وامتهان لكرامة الإنسان وهدر الحريات والحقوق.. وسلب مقدرات تركيا مما أغرقها في الديون، ليأتي حزب التنمية والعدالة فيحول البلاد إلى دولة دائنة.. تنعم بالديمقراطية والنماء، منفتحة على العالم دون شروط.. لتسجل معدلات التنمية فيها أعلى ما يمكن.
فكيف على الشعب أن يخير بين الخراب والنماء.. بين الدولة الفاشلة والدولة المزدهرة.. بين الانقسام الإثني والوحدة الوطنية! هذا ما فرضه عليهم الانقلابيون حينما أذاعوا بيانهم الأول.
سنعود بكم إلى تداعيات الموقف منذ البداية، حينما أعلنت مجموعة متمردة من “الجيش التركي الأول” بياناً عسكرياً، أكدت فيه الانقلاب العسكري على الرئيس التركي (طيب رجب أوردغان)، بعد أن أحكمت سيطرتها على مطار أنقرة، ومحطة البث التلفزيون الرسمي التركي، ومداخل جسر استانبول الواصل بين شقي المدينة الآسيوي والأوربي، إضافة لسيطرتها على قيادة أركان الجيش، وتطويقها لقيادة المخابرات العامة، ما أدى إلى إحداث شلل كامل في البلاد، ثم أعلنت المجموعة الانقلابية عن تعطيل الدستور ومنع التجول في عموم المدن التركية.
ويبدو أن المفاجأة كانت قد أربكت المواقف والتحليلات حول ما يجري في تركيا، التي عانت طويلاً من تعثر التنمية وانتهاك حقوق الإنسان، إبّان الحكومات الانقلابية العسكرية الأربع التي تعاقبت على حكم تركيا، حتى مجيء حكم حزب العدالة والتنمية الذي قلل من سلطة المؤسسة العسكرية، وصب جلَّ اهتمامه في التنمية الشاملة والمستدامة؛ وإجراء الإصلاحات الجذرية بغية بناء القاعدة المناسبة لنهضة تركية حداثية، تنسجم مع تطلعات الديمقراطية، فتحولت تركيا إثر ذلك من دولة ترزح تحت مديونية عالية إلى دولة دائنة تشهد معدلات نمو وضعت البلاد في مصاف الدول المتقدمة، وهو الأمر ألذي جعل أوردغان يحصل على دعم كبار رجال الأعمال الأتراك بكل توجهاتهم، حتى العلمانيين منهم، لتترسخ مباديء الديمقراطية التي نقلت تركيا من مرحلة اليباب التنموي، إلى دولة جاذبة للاستثمار.
ولكن كما يبدو فإن سلسلة الانفجارات التي شهدتها تركيا مؤخراً، وكان اخرها الانفجار المؤثر في مطار استنبول الدولي؛ قد خلقت حالة من التذمر في صفوف الشعب التركي، ما شجع قادة الانقلاب على الإعلان المبكر عن الانثلاب المفاجئ الذي وُصٍفَ من قبل أتباع أوردغان بالقرصنة الفاشلة.
كانت الصورة ضبابية والتكهنات متضاربة إلى أن فاجأ أوردغان الشعب التركي بالظهور عبر السكايب على قناتي ntv و cnntv التركيتين، معلناً بأن الانقلابيين يمثلون فصيلاً صغيراً من (الجيش الأول)، يقودهم المعارض التركي فتح الله غولن (أعلن فتح الله عن رفضه للانقلاب بعد ساعة من كلمة الرئيس)، وسوف يتم السيطرة عليهم وتقديمهم للمحاكمة، ودعا الشعب التركي للنزول إلى الشوارع، والتصدي للخونة ( على حد وصفه).
استجاب الشعب التركي لدعوة قائد البلاد المخلص لشعبه بالنزول إلى الشوارع في عموم المدن التركية لحماية الديمقراطية من حكم “الخونة المنقلبين”، فأغرقها بالجماهير الرافضة للانقلاب، فيما أعلنت أحزاب المعارضة (وخاصة رئيس حزب الشعب) رفضها للانقلاب العسكري والعودة بالبلاد إلى عهد الدكتاتوريات العسكرية رغم انتقادهم المستمر لأوردغان، واتهامه بأنه عمد في أواخر عهده إلى جرّ البلاد نحو مستنقع الأزمة السورية، وهو في نظرهم ما أدخل البلاد في صراع مباشر مع “حليف الأمس” تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وبالتالي تلقي ضرباته الانتقامية في العمق التركي.
وفي سياق تداعيات الحدث، بعد الصدمة مباشرة، كان قائد (الجيش الأول) التركي قد أعلن بأن الانقلابيين يمثلون مجموعة محدودة من القوات التي تخضع لقيادته، والعمل جارٍ على التصدي لهم بقوة من أجل القضاء عليهم. وفي أتون الأزمة فقد تم إسقاط مروحية تابعة للانقلابيين بواسطة طائرة عسكرية تابعة لسلاح الجو التركي، فيما أعلن عن اشتباكات بين الشرطة الموالية للشرعية وقوات الجيش التابعة للانقلابيين المتمركزة حول قيادة الأركان في أنقرة، حيث تم اعتقال بعض الانقلابيين، فيما قتل ١٧ شرطياً نتيجة الاشتباكات التي ما زالت مستمرة، وشوهد المعارضون للانقلاب من فئات الشعب التركي وهم يواجهون رصاص الانقلابيين عند جسر استمبول المعلق. وفي شوارع أخرى داخل المدن التركية، حيث شوهد المواطنون عبر محطات التلفزة وهم يخرجون الجنود المرتعدين من الدبابات المجنزرة ومن ثم تسليمهم لرجال الشرطة الذين كما يبدو أحكموا السيطرة النسبية على الشوارع والأزقة، فيما انتشرت المواجهات بين الجماهير الزاحفة والمعززة معنوياً من التلاحم الذي ساد بين كل مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب بغض النظر عن توجهاتهم المتعارضة..ليقفوا جميعا في وجه الخيانة متلاحمين مع الشرطة وأجهزة المخابرات والجيش الذي تصدى طيرانه للمروحيات التي كانت بحوزة الانقلابيين، حيث أدى هذا التظافر القوي إلى اعتقال جميع المتورطين في الانقلاب بعد أن سقط في هذه المواجهات أكثر من ستين قتيلاً من صفوف الشرطة والشعب، فيما اعتقل إضافة لقادة الانقلاب أكثر من 130 متورطاً، ليظهر رئيس تركيا وملهمهم الذي تجول بين صفوف الجماهير في شوارع تركيا المكنوسة من الانقلابيين رافعاً رأسه، حتى إذا ما وصل مطار استنبول، حتى صرح في أن الانقلابين ستبدأ محاكمتهم غداً الأحد.. وهي الفرصة المتاحة لتنظيم مفاصل الدولة والمؤسسة العسكرية من جديد، بعد تنظيفهما من الخونة والفاسدين لأن الجيش وجد لحماية الديمقراطية ودعم التنمية، وتحقيق العدالة.
ويدرك الأتراك مبلغ الخراب الذي كان سيعم البلاد لو نجح الانقلاب! فكل السيناريوهات كانت تتنبأ بتحويل البلاد إلى دولة فاشلة ومن ثم الدخول في نفق أزمة كانت ستأكل الأخضر واليابس، لولا الشعب الذي أدرك مكانته المتمثلة بحماية الديمقراطية الحقيقية والوحدة الوطنية، فلتذهب دون ذينك كل الرهانا

————————–
ماذا وراء جريمة الدهس في نيس الفرنسية!
أربعة وثمانون قتيلا و ١٨ جريحاً في عملية دهس في نيس الفرنسية تزامناً مع العيد الوطني الفرنسي، وإعلان الحداد العام وتنكيس الأعلام لمدة ثلاثة أيام منذ يوم أمس السبت حتى الإثنين.
الرئيس الفرنسي فرنسوا بولان يعلن عن مشروع قرار طارئ بتمديد حالة الطوارئ في البلاد لثلاثة أشهر إضافية، والذي سيعرض على البرلمان الفرنسي يومي الثلاثاء والأربعاء لإقراره، فيما تم استدعاء القوات الاحتياطية لتعزيز الأمن ومراقبة الحدود. وأكد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس بأن فرنسا ستكثف من جهودها الدبلماسية لحث دول العالم على مواجهة ظاهرة الإرهاب .
فيما أعلن رسمياً بأن الإرهاب”الإسلامي”،كما وصفه الرئيس الفرنسي بات يمثل عدو فرنسا الأول ما يلزم فرنسا من مواجهته في عقر داره سواء في سوريا أو العراق، واعدا بأن أي إجراءات أمنية جديدة لن تأتي على حساب الديمقراطية.
وقد تم التعرف أخيراً على شخصية الجاني من خلال البصمات، والرجوع إلى ملفه لدى الشرطة، فهو فرنسي من أصل تونسي، يدعى محمد بوليج ، يمتلك ملفا من الجنح لدى الشرطة، وهو مدمن على تعاطي المخدرات، ومتزوج ولديه ثلاثة أبناء. وثبت أيضاً بأنه قام باستئجار الشاحنة من منطقة لوفاتد في مدينة ميس؛ ما يشير إلى ارتباط الدافع لهذه الجريمة بالفقر والتهميش الذي يتعرض له بعض الشباب المسلم في المدن الفرنسية، وهذا لا يعطي مبرراً للجريمة بل يلفت الانتباه إلى أأسبابها
وتوالت ردود الأفعال المستنكرة للجريمة النكراء من قبل زعماء العالم ، ولعل أكثر هذه الردود غرابة هو ما صرح به المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية ترامب، إذ حمل مسؤولية الإرهاب لأوباما الذي لا يريد الاعتراف بمصطلح الإسلام الراديكالي الذي يعتبر (في نظره) جوهر الإرهاب في العالم. المرشحة الديمقراطية كلنتون بدورها تعزي سبب التعثر في الإجراءات الأمنية المتخذة في القارة العجوز لمحاصرة ظاهرة الإرهاب الداعشي إلى تعثر التنسيق الاستخباري الأوروبي مع أمريكا.
إن التصريحات الدولية التي تعقب عادة كل حادث إرهابي يحدث في أوروبا؛ يتخذ طابع الروح الانتقامية من الإسلام الراديكالي والتعامل مع هذه الظاهرة باتجاه التصدي لها تحت هذا العنوان المنفتح على جميع الاحتمالات، دون البحث في الأسباب الحقيقية التي تعزز من الظاهرة، كالفقر وغياب العدالة وتفشي ظاهرة البطالة، والأهم من كل ذلك احتلال فلسطين من قبل الكيان الإسرائيلي، وإذكاء نار الفتنة بين عناصر الأزمة السورية، والتأجيج الإعلامي المنظم بين السنة والشيعة. وينبغي أخيراً التعامل مع أسباب ظاهرة الإرهاب وخاصة التي يقف وراءها تنظيم داعش قبل كل شيء حتى يتم تجفيف موارد هذا التنظيم الإرهابي ومحاصرته.
————————-
هل تجنس تركيا اللاجئين السوريين!
أثار الطرح الذي يسعى حزب التنمية والعدالة التركي لتحقيقه بمنح الجنسية التركية للاجئين السورين مع احتفاظهم بجنسيتهم السورية، تضارباً في الآراء ما بين أقلية تركية موافقة على هذا الطرح وأكثرية رافضة له؛ من باب أن عملية التجنيس ستحدث خللاً في التركيبة الاجتماعية التركية رغم التوافق الطائفي بين الطرفين.
ويبرر الحزب الحاكم هذا الطرح في أنه من شأنه تحريك عجلة التنمية الاقتصادية وإدخال الرساميل السورية إلى البلاد على اعتبار أن الفئة المستهدفة من التجنيس هي من ذوي الكفاءات التقنية العالية، من حملة الشهادات الجامعية، والفنيين من ذوي الكفاءات العالية، وأصحاب رؤوس الأموال، خلافا لما يراه المعارضون وجلهم من العلمانيين في أن مشروع التجنيس التركي الذي يتبناه حزب أوردغان الحاكم يرمي إلى تأمين قاعدة واسعة من المؤيدين الذين سيحقوقون دعماً مهما للحزب في أية انتخابات قادمة، وخاصة أن عدد اللاجئين السوريين في تركيا يقارب المليونين و ٧٠٠ ألف نسمة، يتوزعون في المدن التركية مثل استنبول وأزمير، ويتكاثف وجودهم في الأناضول التي يتواجد فيها الأكراد، فيما لا يوجد منهم في المخيمات على الحدود التركية سوى ٥٠٠ ألف لاجئ.
ويرى مراقبون بأن منح الجنسية للاجئين السوريين من شأنه إحراج موقف دول الاتحاد الأوروبي التي تعاني من تدفق اللاجئين السورين وكيفية التعامل مع مخرجات أزمة اللاجئين التي تدخل تركيا في سياق المفاوضات بشأنهم، بحيث ستضع الكرة في الملعب الأوروبي ما دامت ستحل هذه الأزمة على الصعيد التركي.

————————
جون كيري في روسيا وحصاد الهشيم
قبل مغادرته البيت الأبيض، باراك أوباما يوفد وزير خارجيته جون كيري إلى روسيا لعرض ورقة استراتيجية بشأن الأزمة السورية، تندرج في إطار الخيار الأمريكي الأول الذي يراهن فيه على تغيير الموقف الروسي بشأن سوريا، وتحمل هذه الورقة الاستراتيجية في طياتها رغبة أمريكية تقايضية، تحت عنوان تنحي الأسد عن رئاسة سوريا بضغط روسي نافذ، مقابل المساعدة الأمريكية في ضرب النصرة المشروط؛ لتبدأ بعد ذلك العملية السياسية في سوريا تحت رعاية الأمم المتحدة بعد إزالة العقبة الكأداء المتمثلة بنظام الأسد المحاصر عالميا، ما يقتضي من طرفي هذا المقترح إقامة غرفة عمليات مشتركة ربما في الأردن، لتنظيم التدخل الأمريكي الروسي المشترك في الأزمة السورية من خلال محورين، يتجلى الأول بضرب داعش غير المشروط في عقر داره بسوريا والعراق، والمحور الثاني مشاغلة تنظيم النصرة المصنف أمريكياً في قائمة الإرهاب رغم اعتباره جزء غير منسجم من المعارضة، ولكن (وفق الورقة الأمريكية) تغلغل النصرة بين مواقع المعارضة السورية يقتضي أمران:
الأول عمل حظر جوي نسبي في سماء سوريا. والثاني التزام أطراف النزاع السوري بهدنة مفتوحة، بحيث يتم ترقب تحركات النصرة، وقصفها بالطيران السوري المعزز بالقوة الجوية الروسية بعد إشعار غرفة العمليات المشتركة قبل يوم من قرار القصف والمشاغلة الجوية، مع الالتزام بقواعد الاشتباك دون تجاوز مناطق الحظر الخاضعة للهدنة المنشودة.
والمعروف عبر ما تتناقله الصحف الأمريكية بأن الخيار الثاني والذي يبدو مستحيلاً إزاء رئيس يستعد لمغادرة البيت الأبيض، وهو خيار طالما أخرجه أوباما من حساباته الاستراتيجية، والقاضي بمواجهة عسكرية أمريكية مباشرة، كما حصل في عاصفة الصحراء بالعراق أواخر القرن الماضي.
بوتين بدوره لم يبد موافقته على هذا الطرح الذي يغريه لو تم وفق الرؤية الأمريكية بفتح علاقة أمريكية روسية كان يطمح إليها دائماً، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ لأن الروس أصبحوا في مشاركتهم العسكرية المباشرة إلى جانب الجيش السوري وحليفيه حزب الله وإيران ضد المعارضة السورية وجبهتي داعش والنصرة، جزءاً أساسيا من الأزمة، ورغم ذلك ما زالت المفاوضات بين الطرفين جارية دون بوادر توحي بجديد.
ويبقى السؤال عالقا فيما لو استمرت روسيا برفضها، وخاصة أن تركيا بدأت بأخذ جانب الحياد فيما يتعلق بالأزمة السورية نظرا لانعكاساتها السيئة عليها؛فهل تلجأ أمريكا للخيار الثاني!؟
الجواب مرهون بمدى تعنت الطرفين إزاء الورقة الأمريكية رغم توقع المراقبين ببقاء الوضع على حاله ولو مؤقتاً، بذريعة التماسك الدولي في وجه الإرهاب الذي ضرب أوروبا في العمق.
تحليل سياسي/ أوردغان يتنفس الصعداء
والانقلابيون في أزمة..
أعلنت مجموعة متمردة من “الجيش التركي الأول” بياناً عسكرياً، أكدت فيه الانقلاب العسكري على الرئيس التركي (طيب رجب أوردغان)، بعد أن أحكمت سيطرتها على مطار أنقرة، ومحطة البث التلفزيون الرسمي التركي، ومداخل جسر استانبول الواصل بين شقي المدينة الآسيوي والأوربي، إضافة لسيطرتها على قيادة أركان الجيش، وتطويقها لقيادة المخابرات العامة، ما أدى إلى إحداث شلل كامل في البلاد، ثم أعلنت المجموعة الانقلابية عن تعطيل الدستور ومنع التجول في عموم المدن التركية.
ويبدو أن المفاجأة كانت قد أربكت المواقف والتحليلات حول ما يجري في تركيا، التي عانت طويلاً من تعثر التنمية وانتهاك حقوق الإنسان، إبّان الحكومات الانقلابية العسكرية الأربع التي تعاقبت على حكم تركيا، حتى مجيء حكم حزب العدالة والتنمية الذي قلل من سلطة المؤسسة العسكرية، وصب جلَّ اهتمامه في التنمية الشاملة والمستدامة؛ وإجراء الإصلاحات الجذرية بغية بناء القاعدة المناسبة لنهضة تركية حداثية، تنسجم مع تطلعات الديمقراطية، فتحولت تركيا إثر ذلك من دولة ترزح تحت مديونية عالية إلى دولة دائنة تشهد معدلات نمو وضعت البلاد في مصاف الدول المتقدمة، وهو الأمر ألذي جعل أوردغان يحصل على دعم كبار رجال الأعمال الأتراك بكل توجهاتهم، حتى العلمانيين منهم، لتترسخ مباديء الديمقراطية التي نقلت تركيا من مرحلة اليباب التنموي، إلى دولة جاذبة للاستثمار.
ولكن كما يبدو فإن سلسلة الانفجارات التي شهدتها تركيا مؤخراً، وكان اخرها الانفجار المؤثر في مطار استنبول الدولي؛ قد خلقت حالة من التذمر في صفوف الشعب التركي، ما شجع قادة الانقلاب على الإعلان المبكر عن الإنقلاب المفاجئ الذي وُصٍفَ من قبل أتباع أوردغان بالقرصنة الفاشلة.
إلا أن التداعيات أخذت المسارات باتجاه آخر، بعد أن فاجأ أوردغان الشعب التركي بالظهور عبر السكايب على قناتي ntv و cnntv التركيتين، معلناً بأن الانقلابيين يمثلون فصيلاً صغيراً من (الجيش الأول)، يقودهم المعارض التركي فتح الله غولن (أعلن فتح الله عن رفضه للانقلاب بعد ساعة من كلمة الرئيس)، وسوف يتم السيطرة عليهم وتقديمهم للمحاكمة، ودعا الشعب التركي للنزول إلى الشوارع، والتصدي للخونة ( على حد وصفه).
وكان قبل ذلك قد أكد رئيس الوزراء التركي، بن علي، بأن الانقلاب قد فشل، ولن يسمح له بتحويل تركيا إلى دولة فاشلة ومرتع للإرهاب، وعقب ظهور
أوردغان على السكايب استجاب الشعب التركي لدعوته بالنزول إلى الشارع في عموم المدن التركية لحماية الديمقراطية من حكم “الخونة المنقلبين”، فأغرقها بالجماهير الرافضة للانقلاب، فيما أعلنت أحزاب المعارضة، وخاصة رئيس حزب الشعب، رفضهم للانقلاب العسكري والعودة بالبلاد إلى عهد الدكتاتوريات العسكرية رغم انتقادهم المستمر لأوردغان، واتهامه بأنه عمد في أواخر عهده إلى جرّ البلاد نحو مستنقع الأزمة السورية، وهو في نظرهم ما أدخل البلاد في صراع مباشر مع “حليف الأمس” تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وبالتالي تلقي ضرباته الانتقامية في العمق التركي.
وفي سياق تداعيات ما بعد الصدمة فقد أعلن قائد (الجيش الأول) التركي بأن الانقلابيين يمثلون مجموعة محدودة من القوات التي تخضع لقيادته، والعمل جارٍ على التصدي لهم بقوة من أجل القضاء عليهم. وفي أتون الأزمة فقد تم إسقاط مروحية تابعة للانقلابيين بواسطة طائرة عسكرية تابعة لسلاح الجو التركي، فيما أعلن عن اشتباكات بين الشرطة الموالية للشرعية وقوات الجيش التابعة للانقلابيين المتمركزة حول قيادة الأركان في أنقرة، حيث تم اعتقال بعض الانقلابيين، فيما قتل ١٧ شرطياً نتيجة الاشتباكات التي ما زالت مستمرة، وشوهد المعارضون للانقلاب وهم يواجهون رصاص الانقلابيين عند جسر استمبول المعلق. وفي شوارع أخرى كان المواطنون يخرجون الجنود المرتعدين من الدبابات المجنزرة ومن ثم تسليمهم لرجال الشرطة الذين كما يبدو أحكموا السيطرة النسبية على الشوارع والأزقة، كما جاء في بيانات مراسلي بعض محطات التلفزة العربية والعالمية ومواقع الشبكة العنكبوتية، وشهود عيان راحوا يبثون الصور من خلال مواقع التواصل الاجتماعي بكل اللغات.
وتشير التقديرات بأن تطورات الانقلاب باتت تتحول لصالح أوردغان، إلا أن بعض المحللين يرون بأن تركيا قد دخلت نفق الأزمة، ومن المبكر الارتهان للنتائج في بدايتها، وهذا في تقديري يعني بأن تركيا تقف أمام ثلاثة سيناريوهات تمثل مخرجات الأزمة التي نجمت عن الانقلاب، وهي:
أولا: أن تتمكن المجموعة الانقلابية من إحكام السيطرة على البلاد بفرض الأمر الواقع، رغم انفلات زمام الأمور من بين ايديها تدريجياً، كحالة شبيهة بانقلاب عام تسعة وستين.
ولو نجح هذا السيناريو، فإن الضحية سنكون الديمقراطية، وسترضخ البلاد للأحكام العرفية لمدة طويلة والتمترس وراءها بغية التصدي لأتباع حزب التنمية والعدالة. ناهيك عن تحويل تركيا لمنطقة منفرة للاستثمار كون هؤلاء الانقلابيين لا يمتلكون مشروعهم التنموي القادر على حماية المشروع التركي النهضوي.
ثانيا: إفشال النقلاب من قبل الجيش الشرعي للبلاد، وتقديم المتمردين إلى محاكمة عسكرية، ومن ثم إعادة هيكلة الجيش حتى لا يباغت الديمقراطية من الخاصرة تحت أي ظرف. وهو مشروع كان أوردغان قد حقق فيه نتائجاً أخذت تتجلى في بوادر الفشل الذي أصاب الانقلاب الناقص.
ثالثا: تحويل تركيا إلى دولة فاشلة من خلال حرب أهلية ستأخذ معها الأخضر واليابس، هذا إذا ما تحولت تركيا إلى معسكرين في إطار مواجهة شاملة على الأرض بين الانقلابيين والجيش الشرعي، الأمر الذي سيوقظ الفتنة الطائفية والقومية لدى الأقليات كالأكراد، التي تتبرعم عادة في الدول الفاشلة التي تعمها الصراعات الإثنية، والفوضى. وهذا من شأنه لو حدث، تعريض تركيا لمخاطر التقسيم ، ثم تحويل تركيا إلى مرتع للجماعات الإرهابية، وهو الاحتمال الذي يرعب أوروبا، لذلك اتجهت بعض المواقف الأوربية نحو تأييد أوردغان، فيما أعلن الرئيس الأمريكي أوباما وقوف بلاده إلى جانب الشرعية التركية.
وما زالت التداعيات السريعة تأخذنا باتجاه المجهول رغم المؤشرات التي توحي بالاحتمال الثاني. فهل يستطيع أوردغان العودة من جديد! النتيجة مرهونة بالساعات المقبلة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة