المقدمات التي خلقت داعش وأخواتها – بقلم : منير درويش

دراسات ….
منير درويش – سوريا ….
في نيسان من عام 2005 م وفي لقاء ضم أكثر من 100 عضو من أعضاء المؤتمر القومي العربي بفندق كراون بلازا ببيروت لمناقشة تداعيات احتلال الولايات المتحدة وحلفائها للعراق وأفغانستان   . في هذا الاجتماع ومن خلال ورقة مكتوبة لا زلت أحتفظ بها تحدثت عن طالبان وتأثيرها السلبي على العرب والمسلمين وقلت ” إن طالبان تمثل حالة ظلامية بالنسبة للعرب والمسلمين في العصر الحالي لما تملكه من وعي ظلامي متأخر تفرضه بقوة على الشعب الأفغاني  و يجب على جميع المسلمين التبرؤ من ممارساتها   لأنها تسيء لهم ولمباديء الإسلام وقيمه ،  خاصة وأنها أخذت تحظى بحاضنة اجتماعية تلتف حولها وتدافع عنها وبالتالي فإن مواجهتها في ظل تنامي الاستبداد والنهب والفساد الذي تمارسه الأنظمة في مختلف البلدان الإسلامية والعربية ، لن يكون بالسلاح فهي قادرة الآن مع منظمة  القاعدة التي تساندها على حشد أعداد كبيرة من الشبان المؤمنين بإيديولوجيتها ولديهم الاستعداد للموت من منطلق الجهادية والشهادة تلك المفاهيم التي تصاعدت  بعد  ثورة الخميني وتجنيد المجاهدين خلال الحرب العراقية الإيرانية بين 1980 – 1988 الذين كانوا يرتدون أكفانهم ومسارعتهم للاستشهاد  لمقابلة وجه ربهم كي يدخلوا الجنة وينعموا بما وعدوا فيها . ولا يمكن مواجهتها بالقوانين والدساتير ‘ إذ أنها تملك من الفتاوى  والتفسيرات التي تؤثر بعقول مريديها  ما يجعل قانونها الاجتماعي أقوى بكثير من القانون الوضعي الذي صاغته الحكومات والدول . ولا يمكن أيضاً مواجهتها بالإغراءات المالية نظراً لما تحصل عليه من أموال المتبرعين طوعاً أو بالقوة ومن التجارة غير المشروعة التي لا تخضع لقانون وتجري تحت حجج معينة ، وإذا كان موطنها في أفغانستان فهي قادرة على التمدد  في كثير من البلدان العربية و الإسلامية وغيرها في ظل أنظمة الاستبداد والفساد التي تتيح المبررات لتمددها  وتوفر لها الحاضنة الملائمة ، وبالتالي فإن مواجهتها لا يمكن أن تتم إلا بإطلاق وعي وطني ديمقراطي ومشروع نهضوي يقطع الطريق على تعزيز مثل هذا الوعي المتأخر . لم أكمل حديثي حتى هب أحد الحاضرين وهو يحمل دكتوراه بالهندسة المدنية وأخذ يصرخ ” نحن لا نسمح بهكذا ( هراء ) أو التطاول على أحد الرموز الإسلامية التي تبنت الدفاع عن الإسلام والمسلمين والتطاول عليها هو تطاول على المسلمين أجمع لأن (  طالبان تمثلنا ) ومن لا يعجبه ذلك عليه أن ينسحب ” . توقعت أن ينبري له أحد  الحاضرين من أعضاء المؤتمر الذين لم يكفوا يوماً بالحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وعن المشروع النهضوي العربي الذي لم تخلوا منه أية نشرة للمؤتمر وخاصة  تقرير حال الأمة الذي  يصدر عن  المؤتمر في كل دورة انعقاد منذ أول مؤتمر عقد في تونس عام 1991 م .  طبعاً أنا هنا لا أعتب على أحد لكنني عندما عدت لقراءة هذه الورقة ارتسمت أمامي صورة ظهور   داعش  وأخواتها في الواقع العربي والإسلامي .
هذه الحادثة  تدل على أن وجود داعش وأخواتها لم يأتي دون مقدمات بل يعيش في ثنايا وعي المجتمع المتأخر بالدرجة الأولى وله المؤسسات الدينية  ودور الإفتاء  التي تفتي لهذا الوعي  وتوجهه فكرياً  عبر أعداد من علماء الدين  ما جعل المجتمعات العربية تعيش حالة من الانهيار والانحطاط دون أن يشكل هذا الانهيار حافزاً لها كي تنهض وتتقدم كما حصل في تجارب كثير من الشعوب التي خضعت لنفس الظروف وإذا ما بقيت على هذا المنوال فستندثر . وإذا كانت المخابرات الدولية وبعض الأنظمة قد ساهمت في وجود داعش كما يقال  إلا أنها بالتأكيد استطاعت أن تتحرر منها وتعمل لذاتها كما حصل مع طالبان التي تلقت الدعم من جهات عدة لمواجهة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان وعندما قويت شوكتها تمردت عليها ، ومع ذلك فإنه لا يمكن إلقاء كامل المسؤولية عن داعش وأخواتها على كاهل وعي المجتمعات بل أننا لا يمكن أن نلغي دور الغرب في جزئه الشرقي والغربي  وسياساته العدوانية ضد الشعوب وعمليات النهب والاستغلال الذي خضعت له في تناقض واضح  بين  المفاهيم الحضارية كالديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة التي تتمتع بها شعوبه على أكمل وجه وبين ممارساته السياسية  تجاه الشعوب الأخرى  ، كما لا ننكر دوره في دعم ومساندة أنظمة سياسة وسلطات حاكمة خرجت من بطن هذه المجتمعات لكن الغرب استخدمها كأنظمة أمن قومي لسياساته ضد مصالح هذه المجتمعات ، وتبنت مخططاته رغم أنها تبنت وبضغط شعبي لشعارات وقضايا وطنية وقومية هامة كأهداف مباشرة لسياساتها كالحفاظ على الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية ، والصراع العربي الإسرائيلي وتحرير فلسطين ، والوحدة العربية ، والتنمية بأرقامها الوهمية التي تسكر المواطن ولا تطعمه ، ولا ننكر أيضاً دور التيارات القومية التي رغم معاناتها من سلطة هذه الأنظمة إلا أنها بقيت متصالحة معها كونها ( أهون الشرين ) ليظهر فيما بعد زيف هذا التبني الذي لم يكن سوى شماعة لتزايد القهر والاستبداد والنهب وانعدام أي أفق لتحقيقها بل بالعكس كانت سبباً  لهزائم متكررة عانت منها الأمة .  كل هذه العوامل شكلت مبرراً لظهور التيارات السياسية المتطرفة تحت غطاء مذهبي بأشكال وأسماء مختلفة ، منذ حركة المحرومين التي أسسها السيد موسى الصدر في جنوب لبنان ، والمجاهدين العرب والأفغان ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان التي مهدت لوجود طالبان ، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر بعد إلغاء نتائج الانتخابات  البلدية التي فازت بها الجبهة وظهور التيارات الارهابية التكفيرية في مصر ( حركة التكفير والهجرة التي أسسها مصطفى شكري ) وغيرها من حركات في العراق وسورية والسودان ، تلك الحركات التي تبنت العنف ردأ على عنف الأنظمة وسلوك الغرب  معززة بشعارات الجهاد والاستشهاد التي دفعت كثير من الشبان   الذين فقدوا أي أمل بغد أفضل للانخراط معها  ، وهكذا فإن السلوك الإرهابي  لهذه التيارات أصبح في بعض جوانبه  نتيجة وليس سبباً  كما نحاول تبريره وبالتالي سيستمر هذا الإرهاب ويتصاعد ما بقيت شروطه قائمة   خاصة وأن وعيها مؤهل لتبرير هذا الإرهاب . علماً أن هذه التيارات لم تكن بممارساتها أقل ظلماً واستبداداً من  الأنظمة  وهذا ما أثبته الأحداث الأخيرة بعد احتلال داعش وأخواتها  لبعض المناطق في البلدان العربية ومع ذلك كانت تجد من يقف معها ويساندها  في هذه البلدان ،لا بل تقبل فتاواها وسلطتها ،  و أما الفئات التي انخرطت فيه فكانت أغلبيتها الساحقة من الفقراء والمهمشين الذي عانوا الفقر والجوع والحرمان إلا أن زيادة الظلم دفع أعداد من النخبة المثقفة والأغنياء للانخراط معهم لمواجهة هذا الظلم كما ادعت .
لا شك إن دراسة هذه الظواهر يحتاج إلى كثير من الأبحاث والدراسات التي يجب ألا تهمل أو يتم تجاهلها ولكننا  نعتقد أن مواجهتها لن تكون قطعاً بالسلاح أو بوضع قوانين وضعية أو بالإغراء المالي ، بل أن المواجهة هي بإطلاق وعي وطني ديمقراطي جديد يدفع بالمجتمعات هذه نحو النهضة والتقدم مستوعبة مفاهيم العصر ومنجزاته ، ومتطلعة للمستقبل برؤية موضوعية   ، هذا الوعي مترافق مع بناء الدولة الديمقراطية التي يتساوى فيها المواطنون دون أي تمييز في ظل أنظمة ديمقراطية تعددية  تتيح حرية الرأي والتعبير والمعتقد وتحافظ على الثروة الوطنية كملك للأمة وليس للسلطة ، وأن تكون المنافسة وصندوق الاقتراع هو الوسيلة الوحيدة للوصول للسلطة ، وأن يكون هناك انسجام بين السياسات وبين المفاهيم في المجتمعات المؤثرة . مع الأخذ بالاعتبار ، أن وقف الحروب الحالية التي تتعرض لها هذه المجتمعات سيتيح الفرصة للبدء  بإطلاق مثل هذا الوعي  .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة