في الطريق إلى المنفى – بقلم : يوسف الناصري …

فن وثقافة ….
بقلم يوسف الناصري …
غدا قد نبحر، لا أتحدث عن إبحار آمن كما قد يتصور القارئ، بل سنتسلل في جنح الظلام ونذوب في البحر. قررت أن ألقي نظرة أخيرة على الشاطئ قبيل الغروب كما يفعل رومانسي آمن مطمئن.. البحر ممتد أمامي الآن بزرقته، بكبريائه، بامتداده الذي أبدو أمامه صغيرا تافها بلا وزن ولا معنى. أنظر إليه ليس كما ينظر إليه عاشقان يمشيان الهوينا على الرمل الناعم، ليس كما يراه الصيادون حين يرمون الشباك، ولا كما يراه الشعراء حين يلهمهم في المساء قصيدة جديدة. البحر الآن عدوي وخلاصي، سلاحه الموج الهادر وسلاحي الأمل البسيط يراود قلبي المرتجف والمركب المملوء بالهواء.. المركب الذي سيسلمنا ليد أمينة هناك، أو يرسلنا إلى الأعماق، إلى حتفنا.
اخترت قبل موعد الرحيل غرفة في فندق متواضع لكنها تطل على الشاطئ. من شرفتها ألمح أطفالا يلعبون بحرية وسلام، يبنون قصورا من رمال، يتضاحكون، يغرقون في أحضان الوالدين. أنا ولدت في صحراء قاسية بعيدا عن هذا المكان، لذلك لم أبن قصورا إلا في المخيلة، وعشت العمر كله أرسم على الورق أمواجا وشطآنا ورمالا رطبة لم أنعم بملامستها في طفولتي. نحن هناك نولد رجالا أو على الأقل أطفالا محرومين من هذه المتع التي لا تكلف إلا بعض الوقت وبعض الاهتمام، حتى عندما كبرت حاولت أن أسرق من العمر المتسلل سويعة أمشي فيها مع من أحببت على هذا الشاطئ، حينما يلون الشفق الأحمر الأفق البعيد، وتتسلل الشمس متعبة من بين خصلات الحبيبة، فنرسم على نورها خطا واثقة وأحلاما وردية، لكن الحب لم يترك بين يدي إلا أبياتا من شعر ورسائل لم تصل.
حلمت أيضا بأن أكتب على هذه الأرض أول الروايات وآخرها، وأصعد المنصات لألقي قصائد لا تلتوي ولا تلتف على المعنى، قصائد تقول شيئا واحدا، لكني لم أكن أرتدي معطفا فرنسيا طويلا، ولا أرتاد الحانات، ولا أدخن السجائر الشقراء، ولا أتغزل بعشيقات رخيصات ضائعات بين الموائد والكلمات، لست في الحقيقة موهوبا في هذه الأشياء كي تنفتح أمامي أبواب هذا الأدب اللعين الذي يطل من كل الزوايا بلا حياء ولا أدب، فاكتفيت بدس قصائدي بين الدفاتر القديمة حتى لا تصاب بالزكام. بسيطة أمانينا، مضحكة وسخيفة أحيانا، هل هذه أشياء التي ذكرتها مستحيلة إلى هذا الحد؟ هل هذه أشياء تستحق كل هذا الانتظار، تستحق أن تبحرمن أجلها أو تموت دونها!
من هنا إذن يتراءى هذا البرزخ الفاصل بين الحقيقة والوهم، هنا البداية أو بداية النهاية. لكن لماذا يختار القلب أحيانا مثل هذه اللحظة الفارقة كي يذكرني مرتجفا بسوء العاقبة واحتمال الموت غرقا، ويمعن في رسم هذه الصور القاتمة على صفحة المستقبل المبهم الغامض، ثم ما الموت حقيقة ؟ هل ينتظر الإنسان أن يصير له قبر، وتنتحب نساء وتبكيه حبيبة قديمة كي يعرف أنه ميت فعلا! أليس كل هذا الضياع المحيط بأيامك موتا رمزيا، عندما تطل على ذكرياتك على وعودك، على كل الأمنيات السهلة التي لم تحققها. عندما ترتحل امرأة أحببتها وتحرق الأوراق وتعيد إليك الرسائل. أليس كل هذا الماضي موتا بشكل من الأشكال؟ ألست تُبعث من جديد حال وصولك إلى هناك! فلا تستسلم واطرد كل الهواجس وقاوم هذا الشعور الجبان المخزي. على الأقل ستجد من يعتبرك بطلا ولو لمرة وحيدة وأخيرة؛ فقد تجد من يتحدث عنك، ويبحث بين أوراقك القديمة عن شيء ما يستحق الذكر والإطراء. ثم ماذا تركت على هذه الأرض حتى تحن إليه أو تفكر في العودة إليه. خيباتك؟ عطر الحبيبة الذي لم يعد لك، أم مقاعد الدراسة التي سلمتك للشارع بعدما كنت تسعى لتبني بأحرفك سورا للوطن!
أنا لن أعود، لن ألتفت إلى الوراء، ليس للحلم الآن إلا اتجاه واحد ودرب أوحد، يبدأ من البحر وينتهي عند الضفة التي تلوح من هناك، في قلبي ألف أمنية، وفي مخيلتي ألف صورة وردية عن غد أجمل، سأنطلق غدا، سأسلك طريق الموت كي أحيا، أنا في جميع الأحوال سأحيا، وسأعود يوما ما لأوزع على كل من تركتهم هناك آلاف الهدايا التي حلمت بها صغيرا ولم أجدها: دراجة حمراء للطفلة الصغيرة التي تركب قصبة قرب بيتنا، ومعاطف شتوية لليتامى المتحلقين حول نار تشتعل وتخبو، ودفتر رسم وأقلام ملونة للطفل الذي يرسم وجه أبيه المسافر بقطعة فحم على جدار البيت، وكرة حقيقية للصبيان الذين يصنعون لعبتهم من قطع القماش. حتما سأجد أشياء كثيرة لأعطيها وسترتسم على ثغري بسمات حقيقية بدل هذا الصورة الواجمة. ألا تستحق هذه الأشياء الجميلة مغامرة أكبر! أليست لحظة العطاء أجمل لحظات العمر! ألا تحس بتلك النشوة التي تأتي مكافأة مضاعفة على ما أعطيت! أليست أيضا تلك اللحظة التي لا تجد فيها شيئا لتعطيه أقسى اللحظات! سأسافر إذن، لألقي قصائدي الفرنسية القديمة بين أناس يحترمون الشعر والإحساس ويصفقون لمطلع الدمعة. وسأعود في النهاية لأعطي شيئا لهذا الوطن فنتسامح ونتعانق . هذا الوطن المجرد الذي يسكنني وأسكنه، يعرفني وأعرفه، الوطن البريء من لصوصه، من شعرائه التافهين، من كتابه المكبوتين الذي لا تاريخ لهم إلا ما يسطرون على طاولات الخمارات وبين صدور العشيقات، الوطن الحر الواقف كالدوحة، رغم كل هذه الفؤوس التي تضرب جذعه، وكل هذه الأيدي الآثمة التي تتسلل إليه في العتمة لتقطف ثماره ناضجة ونيئة. لا حقد لي على وطني المرسوم في مخيلتي، الوطن الذي يجود بنسمة الصبح، بتمر الخريف، بورد الربيع، بحقول القمح الممتدة ملء البصر، الوطن الذي يجمع الأهل حول مدفأة في ليالي الشتاء ليحلوا الألغاز ويحكوا عن قصص الحمل والذئب والقبرة. أنا لن أعود فصوت ماجدة الرومي المنطلق من المذياع هذا المساء يحرضني أكثر، الأرض التي لا تعترف بي إلا رجلا تقول لي انطلق، حياتك ليست أغلى من حياة ستين مهاجرا سيقاسمونك نفس المركب، نفس الخوف، نفس الأمنيات والهواجس والأسئلة..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة