عبد الوهاب البياتي.. أثرٌ شعريٌّ لا يزول – بقلم : الشاعر نمر سعدي

فن وثقافة ….
بقلم : نمر سعدي/ فلسطين المحتلة ….
منذُ رحيلِ الشاعرِ العراقيِّ عبد الوهاب البياتي في مطلعِ شهر آب في عام 1999 وأشباهُ النقَّاد لا يكادون يدعون شهراً واحداً يمرُّ من غير إثارة غبار نظرياتهم في تجربة هي في نظري من أهمِّ تجارب الشعر العربي الحديث وأغناها.
لم أتعصَّب لقصائد البياتي قدرَ تعصُّبي لقصائد صديقهِ الشعريِّ اللدود بدر شاكر السياب ولكني أعترف أن هناك ما يشدُّني إلى نفَسهِ الشعريِّ الصافي والهادئ كخرير نهرٍ في غابة، فرغمَ المعاركِ الأدبية الكثيرة التي خاضها صاحبُ ( قمر شيراز) و(قصائد حب على بوابات العالم السبع) و(نصوص شرقية) مع أندادٍ كثرٍ بوزن محمد مهدي الجواهري ونزار قباني وبدر شاكر السياب وغيرهم إلا أنه يحتفظُ ببريقهِ الخاص كواحدٍ من أهمِّ الشعراء العرب الذين أرسوا دعائم الشعرِ الحُر وحرسوا نارهُ الأبديَّة المقدَّسة، وأعترفُ أنني كتبتُ أحد دواويني وهو ديوان (عذابات وضاح آخر) في عامي 2002 و2003 تحت تأثير ديوان البياتي الأخير(نصوص شرقية) وكنتُ قبلَ كتابة هذا الديوان أعاني حُبسةً شعريةً غريبةً.
لن أتحدَّث عن تجاهل النقد الجاد لتجربته الشعريَّة بعد رحيلهِ المفاجئ في منفاهُ الاختياريِّ في العاصمة السورية دمشق، ولكن نبرةَ النقد الصبياني التي راح البعض يتكلَّم بها عن البياتي وهو الشاعر الرائد أصبحت تثير قلقي وحميَّتي معا للدفاع عنهُ، بعد عدة مقالات متناثرة قرأتها على مواقع التواصل الاجتماعي وفيها الكثيرُ من التجنِّي على الشاعر ومن تقليلٍ لقيمتهِ وغمطٍ لحقِّهِ، والغريبُ في الأمر أنَّ من يهاجم البياتي اليوم طالما كانَ بوقَ مدحٍ لهُ في حياتهِ، عندما كانَ ملء السمع والبصر ومالئ الدنيا وشاغل الناس وصديقاً مقرَّباً من شعراء وكتَّاب عالميين كغارسيا ماركيز ورفائيل ألبرتي وناظم حكمت.
ولكن هل يسأل سائلٌ: لماذا عندما كان البياتي حيَّاً كان المثقفون العراقيون والعرب يتمسَّحون به؟ هل لأنهم كانوا يخافون سطوته الأدبية؟
البياتيُّ رغم كل شيء شاعرٌ صنعَ مجدَهُ بنفسهِ، قلتُ كلامي هذا لمن حاولَ أن يُسقط عنه صفةَ شاعر، وزدتُ أيضاً أنَّ قلةَ الاهتمام النقدي بمنجزه بعد رحيلهِ وصمةُ عارٍ على جبين النقد العربي، وأن أهميةَ البياتي تكمن في اختلافهِ عن مجايليهِ من الشعراء الرواد وفي مقدمتهم السياب ونازك.. برأيي المتواضع أن البياتي قيمة شعرية جمالية كبيرة ودواوينه المنشورة في السبعينيات والثمانينيات تؤكد ذلك وتنحو إلى كتابة قصيدة متطوِّرة وجديدة ومتأثرة نوعا ما بالشعرية العالمية.. البياتي يبقى شاعرا عربيا كبيراً.. ما عدا ذلك فهو قشور، وأتذكَّرُ قولَ أحد النقاد المنصفين بأن بعض أشعار البياتي تتفوَّقُ جمالياً على الكثير من أشعار نزار قباني ولكن شعبيةَ الأخير هي التي كانت طاغيةً على الساحة الشعريَّة العربيَّة في ذلك الوقت.
درستُ حياةَ البياتي واكتشفت أن هواةَ النقد الذين أرادوا هدمَ بنيانهِ الشعري بمعاول رثَّة بالية لم يقرأوا تجربته بموضوعية وإنصاف، حتى أنَّ منهم من يتبجَّح بأن البياتي كانَ مجرَّد زير نساء أو شاعرٍ فقير الموهبةِ، وذهبَ بعضهم الى أبعد من ذلك حين اتَّهم البياتي بأنه لم يتقن لغةً أجنبيةً، فهو لم يتعلَّم الروسية ولا الاسبانية رغم مكوثهِ في روسيا وإسبانيا زمناً ليسَ قصيراً، وأن لغتهُ الانجليزية كانت لغة سياحية بالكاد يديرُ بها محادثةً سطحيةً، متناسين أنه ليس من واجبات الشاعر أن يتقن لغة أجنبية ويدور بها على الملأ ليقول لهم أنا أجيد التكلَّمَ بهذه اللغة أو تلك، وكلنا يعرف أن شاعرا فذَّاً كمحمد الماغوط لم يكن يعرف لغةً غير العربية وهذا لا يضيرهُ كشاعرٍ بشيء.
تجاذبتْ البياتي تياراتٌ وجوديةٌ وصوفيةٌ وسريالية وغيرها، وهو في نظرِ دارسيهِ شاعرٌ إشكاليٌّ ومقلٌّ قياساً مع غيره، ونثرهُ قليلٌ أيضاً فهو ليس من الشعراء الناثرين، له كتاب (تجربتي الشعرية) وعدة مساهمات نثرية أخرى، كتابته النثرية في مجملها تميلُ إلى البساطة ولكنهُ مختلف وذو ثقافة واسعة.. صحيحٌ أنهُ كان صاحبَ قدرة كبيرة على كتابة قصائد ممتازة بالرغم من وجود أخرى أقل منها جمالاً وروعةً في منجزهِ، لكنه أثبت بجدارة ريادته وتجديده في المضمون الشعري وفي استعمال الأقنعة الشعرية، والبحور العذبة والأقرب إلى الذوق الموسيقي العربي، ولو انطلق هؤلاء (الشعراء) الواهمون من النقطةِ ذاتها التي توقف عندها البياتي ساعة رحيلهِ في مطلع آب عام 1999 لكان أجدى لأنفسهم وللشعر العربي من تشكيلِ هذه (المحاكمات النقدية) الوهمية التافهة بعدَ فواتِ أوانها ولكنهم ارتدُّوا الى الوراء وعكفوا على التقليد الأعمى.. يكفي البياتي شرفاً أنه لم يكن مقلداً مثلهم يوما ما، وأنَّ فراشةَ روحهِ الشعريَّة تركتْ أثراً لا يزول.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة