النكبات تجلي معادن الشعوب – بقلم : تميم منصور

دراسات …
تميم منصور  – فلسطين المحتلة ….
قال الحكماء ان النكبات تجلى معادن الشعوب ، وبين حين وحين تصبح هذه النكبات زنادا يقدح أذهان وعقول المغلوبين من أبناء هذه الشعوب ،ولا يختلف اثنان بأن الشعب الفلسطيني يقف في مقدمة الشعوب التي تعرضت الى نكبات طالت انسانيته ومزقت أنسجة وجودة وكرامته ، وحرمته من العيش فوق تراب وطنه ، باستثناء أقلية من بين أبنائه ، فضلت الموت عن التشريد ، فكتب لها نوعاً خاصاً من الحياة في وطنها.
حتى الأمس القريب كانت هذه الأقلية شبه منسية ، وربما لا يزال الكثيرون يجهلون وجودها ، ولا يعترفون بأنها جزء من الشعب الفلسطيني ، ولولا نكسة سنة 1967 ، ربما بقيت هذه الأقلية في الظل سنوات طويلة ، لكنها انتصرت على كل التحديات ، تحديات التشبث الجغرافي والتجزئة الاجتماعية والطائفية ، ناهيك عن الفقر والجهل والبطالة والتخويف وكابوس الحكم العسكري ، بسبب هذه الظروف القاسية ، كانت تتوقع المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة من الأقلية العربية بأن تفرط بهويتها وبوطنيتها ، بسبب الحصار الذي فرض عليها ، والجوع الذي كان يلاحق الأطفال والشيوخ .
لماذا لم تكتب حتى اليوم اية دراسة جدية عن هذه المرحلة المظلمة في تاريخ وجودنا ، من ينسى ان المواطن العربي الذي كان ينوي ذبح شاة بأية مناسبة ، كان عليه استصدار اذناً خاصاً من الحكم العسكري ،من ينسى آلاف العمال الكادحين من الجليل والمثلث الذين كانوا يعملون في الليل في بيارات تل موند ، وريشون لتسيون  وغيرها ، خوفاً من مطاردات كلاب الحكم العسكري ، ومن حرس الحدود والشرطة العسكرية ، من ينسى مطاردة قوات حرس الحدود للعمال العرب الذين كانوا يعملون في القرى التعاونية بدون تصاريح ، كانوا ينكلون بهؤلاء العمال امام أعضاء هذه القرى التعاونية ، من ينسى السفاح ” بلوم ” الضابط في حرس الحدود  كيف كان يعتدي على الفلاحين الذين كانوا يعملون في حقولهم دون سبب .
هذه صورة مصغرة للمعاناة ، لكن رغم ذلك فأن هذه المعاناة ، زادت من صمود وصلابة المواطنين ، فلم يفكر احداً منهم بالاستسلام أو تسليم راية الانتماء ، أو الهجرة من الوطن ، لقد تجلى الصمود بوسائل كثيرة ، من أهمها : العودة الى مقاعد الدراسة في المدارس التي كانت متوفرة ، لقد فضلنا التعلم في بيوت خربة ومهجورة وتحت أشجار الزيتون على الأمية .
هناك مجال واحد لم تتمكن السلطات من محاصرته ومصادرته ، تجسد بميلاد العشرات من الكتاب والشعراء والمبدعين ، وكان للنكبة الفضل في تفتق عقولهم واذهانهم وجلي معادنهم ، ظهر معدن الابداع لامعاً في لوحات من الشعر والنثر ، ولدت من رحم الغربة في الوطن ، والحرمان من الأرض والأهل والحصار والقلق ، كان هذه الأدب تجديداً ونوعاً آخر من الشعر الموزون والمنثور ، فبدلاً من تسميته شعر النكبة أو أدب النكبة اتفق على تسميته أدب المقاومة .
حاولت المؤسسة الحاكمة ثني العديد من الكتاب والشعراء العرب عن كتابة الشعر الوطني ، وطاردت الادباء الملتزمين ، لكنها فشلت مع معظمهم واصطادت البعض منهم ، فتحولوا الى شعراء وكتاب في البلاط الصهيوني ، كما نجحت في شراء ذمم بعض الكتاب الذين حولتهم الى مؤرخين لكتابة تاريخها المزيف ، لكن غالبية هؤلاء عادوا الى صفوف شعبهم بعد ذلك .
احدى مردودات نكسة عام 1967 ، رغم مرارتها ، كونها وفرت لعرب الداخل عمقاً جغرافياً وثقافياً وسياسياً مع أبناء شعبهم ، في الضفة الغربية وقطاع غزة ، هذا العمق ساعد على توسيع آفاق وتطلعات الكثيرين منهم ، خاصة بعد أن فتحت المكتبات ، ودور الطباعة والنشر أمامهم .
ان اغراق السوق بالمصادر والكتب المختلفة غيرالكثير من مفاهيمهم وطور ثقافتهم هذا وغيره ساعد على أحداث قفزة نوعية وكمية في ظهور المزيد من الادباء والمؤرخين والفنانين والمبدعين .
ولا ننكر الدور الذي قامت به دائرة الثقافة العربية  – رغم كل ما قيل ويقال عن هذه الدائرة – لكن لا ننكر انها قامت بتوفير العامل المادي لعشرات الكتاب والادباء والمبدعين في شتى المجالات ، مع أنه كان هناك نوعاً من التوجيه في تحاشي اصدار الكتب الوطنية ، لكن الأمر توفر بإصدار الكتب الخاصة بالأدب والشعر والقصة والمسرح وغيرها .
شجعت هذه الدائرة على اصدار المئات من الكتب سنوياً ، لكن في ظل هذه الزحمة حدث الكثير من التراجع في المستوى الذي طال العديد من دواوين الشعر والقصة في نفس الوقت ، في نفس الوقت  شجع الكثيرين على المزيد من الكتابة ،  ولا ننكر أن العديد من الادباء الفلسطينيين في الداخل حرموا من  الفوز برضى الدائرة المذكورة لإسباب سياسية .
ان اغراق الأسواق بهذا العدد الصادر من الكتب من قبل عدد من المستكتبين يذكرنا بمقولة لعميد الدب العربي طه حسين ، قال ” في الغرب يقرأون الف كتاب حتى يؤلفون كتاب ، ونحن نقرأ كتاب ونحاول تأليف الف كتاب ” .
اليوم نحن نعيش في حالة من الاسهال في التأليف ، ونعيش أكثر في حالة من إقامة منصات التكريم لمؤلف مغمور ، قام بإصدار كتاب واحد ، فقبل أن يتم استيعاب هذا الكتاب من جمهور القراء ، تنتظره شهادة التكريم ، وهذا يعود لكثرة الروابط أو اتحادات والنوادي الأدبية والفكرية ، حقيقة أننا نشجع وجود هذه الأطر لكن من واجبها أن تتعاون مع بعضها لرفع منسوب فكرنا اللغوي والأدبي والابداعي ، في كافة المجالات ، لا نريد أن يكون التنافس بينها في سرعة تكريم أعضائها .
هناك تنافس بين هذه الأطر في ارسال طيور التطبيع من الكتاب والادباء الى عواصم عربية ، ينتهي بتعبيد طرق التطبيع مع الاحتلال ، من هذه العواصم المغرب ، وعمان ، وقطر ودبي وغيرها ، غالبية هؤلاء شبه مغمورين بين الجمهور الادبي في الداخل ، ولا يقومون بأي نشاط ثقافي في مدنهم وقراهم ، وليس لمعظمهم اية  دور وطني ، لكنهم يحصلون على نياشين من أنظمة الحكم القهرية المذكورة ، التي تكبل ايادي والسنة الكتاب من مواطنيها ، انها تخصص لكل كاتب من هؤلاء رسن ، منهم من يكون رسنه طويلاً ، ومنهم من يكون رسنه قصيراً  ، لأنه يوصل ما بين المنصة التي يقف عليها ، في الرباط ، أو دبي أو قطر وبين قصور الملوك والامراء .
لسنا ضد التكريم ، لأن التكريم يشجع على المزيد من الابداع ، هذا اذا لم يتحول الى غرور ، خاصة واننا محاصرون من المؤسسة الحاكمة ، فالسلطة العنصرية تستثني المبدعين العرب من كافة المخصصات ، لكن التكريم يجب ان يكون في مكانه وزمانه ، في رأيي أن افضل جائزة يتلقاها الكاتب ، ان يكون مقروءاً ، وأن يؤثر في أمته بوصول رسالته اليها .
قال برنارد شو : الجوائز تدفع الكاتب الى التشجيع والاتقان والحماسة ، عندما تكون على مقاس صاحبها ، لأنها تساعده على التتابع .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة