جمعة الرفاعي في مجموعته الشعرية ” جهة ناقصة ” يأخذنا نحو الدهشة ومعايشة القصيدة – بقلم : محمد علوش

اصدارات ونقد ….
بقلم : محمد علوش  – فلسطين المحتلة ….
يطل علينا جمعة الرفاعي ، الشاعر الفلسطيني الشاب ، المتّحفز كالصبار ، بمجموعته الشعرية الجديدة ( جهة ناقصة ) والتي صدرت عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس عام 2016 ، وتقع المجموعة في 90 صفحة من القطع المتوسط وتضم 38 قصيدة ، مقسمة إلى 3 جهات : ” جهة الماء ” و” جهة التراب ” و” جهة الهواء ” مثقلاً  بالجروح والذكريات ،  يئن تحت وطأة الشقاء في سلسلةٍ مكبلةٍ بقيود الحصار والقمع والاستغلال ، يقدم نصّه الشعري واثقاً من قدرته على الإدهاش والقدرة على التأثير في مسارات وسياقات اللغة  وعلى إرضاء الذائقة الفنية والجمالية بتعابيره الشعرية الصادقة بسلالة وتدفق ، يأخذنا لنعيش معه أجواء القصيدة ، حيث يقول في قصيدة ” أيّ يدين ” :
” كوني تمائم وحدتي والتعاويذ التي سوف تحجب حزن النهار
كوني سهرة على سطح بيت قديم لأقطف ظل العابرين إلى عرسهم
كوني ناي هذا القلب كي ادخل السرداب في لحن الطبيعة
بيننا ما يمنح الأساطير واقعيتها واقعاً
بيننا واقع مليء بالأساطير الجديدة
فلنكن صناع لحظتنا الصامتة نعطي الحياة أكاليلها الفاجعة
سلامٌ على الفاجعة ” ص 14
الرفاعي يحاول استلهام الإحساس والدفء من خلال معايشته الدائمة للعملية الإبداعية وتجليات بعض التجارب على تجربته وبخاصة التجربة الدرويشية حيث الخيط الرفيع الذي يربط تجربته بتجربة ذلك الشاعر الكوني المدهش محمود درويش حيث أثر بشعره ولغته وبوحه على معظم الشعراء الذين يمكن أن يقال أنهم خرجوا من رحم الشعر الدرويشي.
قصائد الدّيوان تطوّف حول المحور الغزلي في أسمى حالاته وأطهرها ، بأسلوبٍ مشوّق ، وتدفّق من المعاني الغنيّة بالفضائل والقيم الإنسانيّة العاليّة ، وبطبيعة الحال فهذه القصائد كلّها تجعل للشعر المقام الأرفع ويحتلّ الشاعر منها ذروة التاج الملكي في قلب المرأة المفتونة بهما ” الشعر والشاعر ” ، ونجد في ذلك قصائد صريحة خالصة لقضيّة الشعر وفروسيّة الشاعر الذي هزّ قلوب الغيد ، وعبث بمشاعرهنّ حتى ما يكدن يكتمن ذلك ، حيث يقول في قصيدة ” أغنية حب ناقصة ” :
” باستطاعتي هذه الليلة أن اكتب قصيدة حزينة
لا شيء ينقصني حتى لا اكتب قصيدة حزينة هذه الليلة
أنت غائبة وأنا مشبع بالسهر والحنين

فعيناك بنيتان وشعري اسود وليلتي طويلة كمنجل معقوف في يد مبللة بالعرق ” ص 15
يمتلك جمعة الرفاعي الموهبة والاستعداد ، ولديه رؤية متعددة حول نصّه الذي يريد / قصيدته التي يريد بلغةٍ سهلةٍ وذات صور فنية وجمل غنائية ، مسكوناً بالغربة والوطن والمرأة والقصيدة ونبرات الحزن مطرزة بالحب والعشق والجمال ، ينتظر الحلم من عتمة المستحيل ، ويغازل الواقع في صمتٍ وبوحٍ يحمل في طياته تناغماً و تبايناً له دلالات تجنح إلى إسقاط الخيال نحو قيم جمالية تأصيلية ، يعيش واقع المنفى والاغتراب والتشظي حيث يقول في قصيدة ” لو كان لي طول سروها ” :
” أحبك الآن بريّة في سفوح الجبال
ودهشة معتمة
في ليالي المطر
تغري بالمطاردة
يلزمني غيابك
كي أفسر رغبتي في الحنين
ويلزمني حضورك
لأمنح قبلة هذا الجنون ” ص 42
معظم عناوين إنتاجه الشعري في المجموعة يستوقف المتلقي والقارئ لهذه العناوين في تأمل فلسفي ذات ظلال تكشف مدى رؤيته وعبقريته مع الواقع بكل أطيافه والتي  تجسد ملامح المحبوبة والوطن وتباريح الغربة بكل معانيها ومدلول التراث حكايات متواصلة الحلقات برغم اختلاف العناوين لكن وحدة الموضوع تظل تقاسيم مشتركة كالهرم المتنامي في إيقاعات و تجليات تأنس إليها الروح الطليقة في أحضان رسالة سامية إلى ضمير الإنسانية .
الشّعر له سحره وتجلياته الممتعة ، وسبر أغوار الشّاعر داخل جمعة الرفاعي ، يأخذنا بعيداً وعميقاً في معناه القلبيّ لنقطف ثمار الكلمة ، ونحصد غلال الجمال.
هو وحده العالِم بكونه الشّعريّ ، والعارف بمقاصده القلبيّة ، يتركنا في حيرة من أمرنا ، خالقاً بيننا وبينه ” حلقة وجدانيّة مفقودة ”  تشكّل هذه الحلقة حالة من الشّوق بين القارئ والقصيدة ، فيطمح إلى مزيد من الولوج في كون الشّاعر ، إلّا أنّه يجد نفسه ظامئاً إلى تلمّس المعنى الأصيل ، حيث يقول في قصيدة ” احتمالات بعيدة ” :
” تأتي الريح
تأخذ الورقة إلى مكان آخر
بعيد عن احتمالاتنا البشرية الضيقة
كأنها تذكّرنا
أن هناك دائما أشياء لا نراها
تدخل ساعة الصفر
تحوله إلى واحد
أو
لا شيء أبدا ” ص 82-83
الشاعر وفق فلسفة جمعة الرفاعي هو خلاصة تجاربه ومعاناته والمفاصل الحياتية التي يمر بها ، وبهذا يصبح كل ما مر سابقاً حاضراً أمام لحظة الكتابة بشكل أو بأخر ، وربما المعاناة تخضع للتعريف الفيزيائي للمادة بأنها لا تفنى ولا تزول وإنما تتحول من شكلٍ إلى أخر، فالمعاناة شئنا أم أبينا ستكون حاضرة في الذاكرة ، لكن لحظة التذكر لهذه المعاناة مشروط بالسبب الذي جعلنا نعاني لذلك ثمة من يتذكر الألم بحب وثمة من يتذكره بحسرة ، الظرف هنا مرتبط بقيمة يبحث الكل عنها ولهذا فان تذكر معاناة من هذا القبيل مرتبط بعاطفة الحب .
ومن الأمور اللافتة أن قصيدة ” هذي الرسائل ”  هي قصيدة من قصائد التفعيلة ، وتحمل في بناها كثيراً من سمات وغنائية الشعر العمودي وتشي بقدرة لغوية عالية ، وان الشاعر لم يلجأ لقصيدة النثر كما يحلو لبعض ( السكولائيين ) أن يدعي ، وإنما جاء إليها كفضاءٍ إبداعي يتسع لرؤاه ، حيث يقول :
” هذي الرسائل لا حبرٌ ولا ورق
يفسر الطيف في رأسي ولا أرق
( ما لي أكتم حباً قد برى جسدي )
والبوح أنت وأنت الفجر والغسق
أنا المدان لذات الثغر أذكره
تجني من الريح عشاقاً إذا سرقوا
لحظات حب يجبّ الحب سابقه
وبين كفيك مطعون ومنسحق
… ” ص 33
إذن الشاعر جمعة الرفاعي يبحث عن الحرية وعن الجمال وعن مساحات واسعة خارج دائرة الظرف الذي كتبا فيه ، ذلك أن الذهن لم ينحصر في المكان كتحييز للحالة التي أجبرت أن تكون فيها ولم يستجيبا للشرط المادي للمكان كأن المعاناة هنا تحولت لشكل أخر من التحدي بين الإرادة الحقيقية لمطلب شرعي وبين من يمثلون الحياة ،ولا أريد هنا أن أتكلم عن جماليات اللغة والصور الشعرية في المجموعة أو المرجعيات القائمة وراء النصوص وإنما أترككم للمجموعة تحاورونها وتحاوركم .
•        شاعر من فلسطين

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة