أيمن فوق الشجرة – بقلم : تميم منصور

دراسات …
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة ….
لا أريد سرقة عنوان قصة احسان عبد القدوس التي تحولت الى فلم شهير للعندليب عبد الحليم حافظ ( أبي فوق الشجرة ) ولا أريد أن أدخل في مسرحية توفيق الحكيم ( يا طالع الشجرة ) ولا أريد أن أسحب الأغاني التي تتحدث عن الشجرة أو كما غنى المطرب محمد رشدي ( تحت الشجر يا وهيبة ) ، لكن شجرتنا تتلخص بما قالوا:
ما يكسر الشجرة الا فرع منها ، هذا المثل الشعبي البسيط أكثر ما ينطبق علينا نحن عرب الداخل الفلسطيني ، نحن أكثر من عانى من سياسة البطش والمصادرات والملاحقات والحكم العسكري وسياسة التمييز القومي الذي تفننت المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة عبر تاريخها في ممارسته بحق الجماهير الفلسطينية في الداخل .
لقد فصّلت لنا إسرائيل مواطنة بالإكراه ، وكان البديل لرفضها أكثر مرارة من قبولها ، ما يعزينا بأن هذا الزواج غير الشرعي للمواطنة والتجنيس ، لم يكن الأول بالنسبة لكثير من شعوب العالم ، سبقتنا شعوب كثيرة في ارتداء هذا الثوب ، سبقنا سكان مقاطعة السوديت في المانيا ، عند تم ضمها الى تشيكوسلوفاكيا ضمن قرارات مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919 ، وسبقنا شعب كشمير عندما تم ضمه الى الهند بالإكراه كي يبقى نزيف الدماء في شبه القارة الهندية ، وسبقنا شعب الجزائر عندما أعلنت فرنسا بأن الجزائر فرنسية .
نحن أكثر من يعرف اسرائيل ، نعرفها كما يعرف البستاني أشجاره ، لذلك نحن القادرون على كسر اغصانها الشوكية الضارة ، والتخلص من ثمارها الفاسدة ، لأننا عايشنا غرسها وتربتها ، ونعرف بأنها غرست بأرض ليست أرضها ، ان استمرار وجودنا ومحاولاتنا الدائمة لتطوير أنفسنا ، وتخريج هذا الجيش المكون من عشرات آلاف الاكاديميين العرب الفلسطينيين هو جزء من وجودنا ، وهو بمثابة تحدي وتصدي لكل محاولات شطب وجودنا داخل وطننا .
سطرنا صفحات نضالية منذ النكبة حتى اليوم خاصة بنا ، أضفناها الى موسوعات تاريخ فلسطين الأرض والشعب ، لا يمكن لأحد انكار دورنا في المحافظة على هوية الوطن والانتماء الفلسطيني ، لقد حولت النكبة الشعب الفلسطيني الى شعوب فلسطينية ، تأثرت من مناخ الشتات ، لأن معظم المناخات الذي تتواجد بها هذه الشعوب كانت رافضة له ، حاولت هذه الشعوب إقامة دويلات خاصة بها داخل دول الشتات ، كما حدث في الأردن ولبنان .
حاولوا إقامة هذه الدويلات بسبب معاناتهم من الأنظمة العربية ، وبسبب استمرار إسرائيل بالتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني ، الفلسطيني بالنسبة للأنظمة العربية مجرد ملف أمني ، وزارات الداخلية العربية هي التي تتعامل معه بدلاً من وزارات الخارجية ، كأن الأمر ترجمة لشعار سري تتبناه الأنظمة العربية من المحيط الى الخليج ، الشعار يقول ” نحب فلسطين ونكره الفلسطينيين ” وما معاملة الفلسطينيين في كل من الأردن ولبنان  ومشاركة مصر في حصار قطاع غزة سوى برهان من عدة براهين جميعها نلتقي امام مواقف الأنظمة العربية من الشعب الفلسطيني .
كثيرة هي الأغصان الشائكة الموبوءة والتي تحملها الشجرة الإسرائيلية ، والتي تعتبرنا المؤسسة الحاكمة أحد فروعها أو أكثر ، بفضل نضالنا الدؤوب تمكنا من كسر الكثير من هذه الفروع ، من بين هذه الفروع الصمود والثبات بأرض الوطن ، رغم المجازر التي سفكت بها الدماء مثل مجزرة كفر قاسم ومجزرة يوم الأرض ومجزرة هبة الأقصى ، أصبح واضحاً بأن هدف المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة من ارتكاب هذه المجازر تشريد أبناء شعبنا وتدجينه للقبول بالأمر الواقع .
بفضل هذا النضال تم كسر شوكة الحكم العسكري ، رغم انها كانت دامية ، إضافة الى تعرية إسرائيل وسياستها العنصرية في يوم الأرض الخالد ، افشال مخططها في منطقة الروحة والوقوف الى جانب أبناء شعبنا خلال الانتفاضة الأولى ، بإقامة لجان الإغاثة  والدعم المعنوي والمادي لأهلنا في غزة والجليل بعد ارتكابه جريمة الحرم في مدينة الخليل ، هذا إضافة الى قيام العديد من الغيورين من أبناء شعبنا بتبني أسرى الحرية القابعين في سجون الاحتلال ، بالإضافة الى أسرى من الدول العربية .
النجاح بإقامة القائمة المشتركة التي خيبت آمال جميع الأحزاب والقوى الصهيونية المتواجدة على الساحة السياسية ، مقاومة ورفض الخدمة المدنية التي تعتبر بوابة للخدمة العسكرية في جيش الاحتلال ، افشال مشروع برافر في النقب ، لكن في رأيي أن أهم وأكبر الأغصان التي كسرت حديثاً والذي سيسبب حدوث نزيف من عصارة شجرة إسرائيل العنصرية ، ويزيد من تعريتها كما تتعرى أشجار الخريف دولياً ، هو قيام النائب أيمن عوده رئيس القائمة المشتركة بالتوجه الى الأمم المتحدة لتقديم شكوى ضد ممارسات حكومة نتنياهو العنصرية ضد المواطنين العرب ، خاصة عرب النقب ، الذين يعيشون في قرى غير معترف بها ، في ظروف قاهرة استثنائية لا يوجد مثلها الا في إسرائيل واحة الديمقراطية .
في الرسالة التي قام  أيمن عوده بتسليمها الى ” بان كي مون ” سكرتير عام الأمم المتحدة ، أشار الى الممارسات الإسرائيلية الا إنسانية في كافة المجالات ، وطلب من السكرتير العام ارسال بعثة رسمية لتقصي الحقائق .
مهما ستكون نتائج هذه الشكوى وهي الأولى من نوعها ، ومع انها جاءت متأخرة ، الا أن مردودها سيبقى ايجابياً من كافة النواحي ، وستبقى نقلة نوعية في تاريخ نضال المواطنين العرب في الداخل الفلسطيني ، لإسباب عديدة نذكر منها :
أ – ان قيام أيمن عوده بتقديم هذه الشكوى للأمم المتحدة باسم القائمة المشتركة التي تمثل الجماهير الفلسطينية في الداخل ، تعتبر لطمة في وجه السلطات الإسرائيلية وفشلاً لكل مشاريعها التصفوية ضد المواطنين العرب ، فقد حاولت دائماً المؤسسة الحاكمة تجزئة المواطنين العرب وتقسيمهم الى طوائف وعشائر ، لقد كتب أيمن عوده باسم مليون وربع فلسطيني .
ب – هذه الخطوة كانت وستبقى خطوة سياسية حضارية تؤكد على ترسيخ هويتنا القومية في وطننا ، كما أنها مؤشر لنجاح مشروع القائمة المشتركة ، وتؤكد بأن قوتنا وحدتنا ، مهما بلغت التحديات والخلافات .
ت – هذه الخطوة تؤكد بأن المواطنين العرب يتعاملون مع السياسة بإيجابية ، لأن نضالنا الداخلي لا يكفي لفضح ممارسات إسرائيل ، ذلك أننا لا نملك واجهات إعلامية ووكالات أنباء عالمية ، قادرة على ازاحة القناع عن وجه إسرائيل كي تظهر كدولة عنصرية فوق المنصات الدولية .
ث – ستكون هذه الشكوى صدمة لرئيس الحكومة نتنياهو وكافة المؤسسات في الدولة ، لأنهم لم يتوقعوا أن يصل مستوى المواطنين العرب هذا الحد من الإرادة والتصميم ، لقد عبر عن هذه الصدمة سفير إسرائيل في الأمم المتحدة ، لأنه وجد نفسه محرجاً ، خاصة أن هذه المرة الأولى التي يقوم بها مواطنون باللجوء الى الأمم المتحدة ضد الدولة التي يعتبرون مواطنون فيها وجزءاً من نسيجها السياسي والاجتماعي ، لقد عبر السفير المذكور عن حقده وغضبه عندما قال : هذا خط أحمر .. الجواب الذي يستحقه باستطاعته الشرب من البحر الميت .
أننا نأمل أن تصل جامعة الدول العربية الى المستوى والجرأة لاستغلال هذه الشكوى للوقوف بوجه إسرائيل ومنعها من ترأس لجنة أممية لمكافحة الإرهاب كما تريد ، وعدد من دول أوروبا الغربية .
من السخرية  أن إسرائيل أول دولة في العالم مسؤولة عن انتشار الإرهاب ، تمارسه يومياً من خلال احتلالها ، فليس من حقها المطالبة بأن تكون رئيسة لإحدى لجان مكافحة الإرهاب ، هذا هو السقوط الاخلاق السياسي الذي سيتحول الى نكتة عالمية.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة