Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

حقيبتي والطابور – بقلم : عبد الجبار الحمدي

القصة …
بقلم  : عبد الجبار الحمدي – العراق …
أخذت حقيبتي المتهرئة ثم خرجت غالقا الباب دون صوت، دخلت المحطة!! فإذا بطابور طويل تراصفت فيه الحقائب قبل اصحابها، نلت من الطابور وأنا أزم سترتي التي أحب رغم أنها فارقت لون وجهها الحقيقي، لم اكترت للذي تباعد بمسافة عني حين وقف خلفي، كثيرا ما اشاهد امثاله كأنهم حين اقترب من احدهم او مجموعة منهم لكأنهم أصيبوا بوباء، مع العلم أني اتعطر في كل مرة أخرج فيها الى اي مكان..
الحر شديد فاقت حرارته الفهرنهايتية التوقع، ومما زاد سخنوته ايضا الزحام وكثرة الانفاس ، تصورت نفسي والآخرين في حمام الحاج ابو سلمان حين يكثر البخار ثم يحجب الرؤية، تفقد بدورك القدرة على التنفس، فترى نفسك كطير او حيوان مخنوق يفرفر بحثا عن هواء.. أما حقيبتي فقد كنت ادفع بها برجلي عنوة خوف من فقدانها، إن الذي تسول له نفسه بسرقتها سيندب حظه طوال حياته فلا يوجد فيها سوى قطعتين من الملابس الداخلية، مشط ثلم، زوج من النعل، والكثير من الاوراق التي اخط بها أفكاري وابيات من الشعر، او قصصا حين تموج نفسي بالبحث عن شيء جميل تتلمسه في الخيال وليس الواقع..
أعز ما فيها وريقات بخط يد أبي وذلك المشط
يا لها من عتيقة حقيبتي هاته.. لقد لازمتني أطول من أهلي الذين فقدتهم في حادث غرق القارب حين كنت يافعا، نعم تربيت على يد عمي، لكني لا أتذكر منه وعنه سوى طبعات اصابعه على قفاي، تلك التي اطالت من رقبتي حتى بت كالزرافة، هربت في ظهيرة لا يمكن للحمار ان يخرج للعمل فيها، غير ان قيد العبودية الذي كوى روحي ألزمني على الفرار او قتل عمي، فهربت حفاظا على رقبتي وعلى حياة عمي الذي لا اتذكره بخير ابدا، عملت في كثير من الحرف جلبا للقمة عيش مع شغف ربما ورثته عن والدي، هو القراءة والكتابة، كان رحمه الله يعلمني الكثير، ادخلني عند الملا شبوط لتعلم قراءة القران الكريم والكتابة أيضا.. على فكرة
سمي الملا شبوط لانه كان يستوفي اجور تعليمة للبعض منا بسمك الشبوط، فساد عليه هذا الاسم، هذا ما عرفته بعد دخولي الباحة الصغيرة التي يعلمنا فيها وهو جالس على كرسيه المرتفع عن الارض وعنا..
شغفت بقراءة الصحف والكتب، ذاك بعد إن اشتغلت في مكتبة السيد عصمت، إنه رجل مثقف جدا وكريم متى ما دعت الحاجة الى مصلحته، كان يسمح لي بالقراءة ويحسن إلي كثيرا بعد عمل مضني طويل مرهق، حتى انه أسكنني في مكان كأن قنا للدجاج، قديم ومتروك على سطح المكتبة الملاصقة لمنزله، لم اكترت! ولم اشكو!؟ فهو مكان دون أجر إذن لم التذمر وقد وفرت الافلاس ليوم لا رحمة فيه، احبني كأبن ضال هذا ما قاله لي في مرة، حين جاء يحمل هذه الحقيبة هدية منه لي، بعد ان راى الصرة التي اجمع فيها ما أملك من حطام الدنيا قائلا:
خذ هذه الحقيبة يا رسول هدية لك، اعلم انها ليس جديدة وكانت مركونه فوق أحد الدواليب، لكنها جيدة ومن الجلد الاصلي، خذها بدل الصرة البالية التي عندك..
خجلت حين قال لي الصرة البالية، قلت لنفسي.. ماذا تقول إذن إذا رأيت ما فيها من سرابيل خرجت بها من حطام حياتي؟ فأنا لا أمتلك سوى ما على جلدي، اما الصرة فلا يوجد بها سوى جرائد وبعض الاوراق التي كنت اعشق ريحها كونها تذكرني بوالدي رحمه الله، اما امي فلا املك من رائحتها اي شيء سوى المشط الثلم الذي تحطمت اغلب اسنانه طوال خدمته لشعر عكش مرة ومرة اجعد..
سارعت بلقفها من يده كالحمامة حين تلتقط حبة رز او قمح، شاكرا صنيعه علي..
في المساء وخلوتي مع نفسي مددت يدي على جلدها كأنني اتحسس جلد امرأة لا اعرفها، بل لا علم لي كيف يكون هو ملمس جلد النساء اصلا، فتراجعت عن هذا التشبيه، وقلت:
إن ملمسها كجلد بقر او جاموس كوني عايشت ولامست اصابعي هذا النوع من الجلود..هههههههههه
ضحكت على نفسي ومن التشبيه ايضا، شممتها من الداخل كانت هناك رائحة طيبة تعم جيوبها الداخلية، ضممتها بين يدي حتى نامت معي في تلك الليلة..
وفي الصباح صحوت على صراخ وعويل، بين ماجة وماجة، علمت بعدها أن السيد عصمت قد مات ، ندبت حظي وعملت اللازم ابان حفل التأبين، فكانت مكافئتي الطرد من العمل من أبن السيد عصمت الذي لا يفقه عمل المكتبة في شيء حمدت الله انه لم يلاحظ الحقيبة، وإلا كان قد صادرها، الغريب ان طوال فترة عملي معه لم اعلم انه يهودي وإلا كنت قد تركت العمل، لكن الجهل بالشيء في بعض الأحيان سبب، ما همني في كل ذلك هو الحقيبة لحظتها..
لم أشقى طويلا حتى وجدت قنا آخر أُلملم وحدة ليلي معه، كما حصلت على عمل يسد حاجتي، كنت في هذه الفترة قد تعرفت على صاحب مطبعة للجرائد بون وهو مستشرق، فاستهواني رؤيتها بعد حفاوة وترحيب وادب محادثته معي حين سمعني ادندن ببعض ابيات من الشعر الذي احفظ والذي اكتب.. عرض علي ان اريه ما أكتبه، ساعدني في ذلك الفترة التي قضيتها في مكتبة السيد عصمت، لقد حفظت وقرأت الكثير من كتب الشعر والقصص والروايات حتى بت خزينة وارفة في بيوتات الشعر والادب.
فزعت من سرحاني على صافرة القطار التي اخرجتني عن مساري و وقوفي على الأرض بعد ان تعثرت بحقيبتي التي كانت بين رجلي، ضحك علي من شاهدني.. لعنت حظي مع ابتسامة باهته أطرد بها الإحراج الذي تسببت به لنفسي، لكني لن ألعن الحقيبة.. الاصح هو أني لم ألعن ما بداخل الحقيبة..
عدت للوقوف، لاحظت اننا لم نتقدم كثيرا فتساءلت عن السبب ولاي شيء اطلق القطار صافرته إذن قبل موعد الانطلاق، وبين مسترق للسمع وبين متمحص، وجدت ان فترة الغداء كانت السبب في التأخير، اما الصافرة فقد كانت الإعلان عن ربط ساحبة القطار بالقاطرات الاخريات..
تَلفتُ ابحث عن شخص ما قد أكون أعرف لأطلب منه ان يقف بدلا عني لقضاء حاجة آدمية، لكن محاولتي باءت بالفشل، اضطررت ان اسال الذي أمامي برفق ولين وبطيب خاطر تفضله بقبول مراقبة حقيبتي ودفعها معه حتى لا يضيع علي وقوفي في الطابور منعا للإحراج..
لكنه تعذر بحجة واهية لم تقنعني مما دفعني لسؤال من ابتعد عني وزلف الى الوراء، فوجدته قد قَبِل عرضي رغم تساؤلاتي وظني بأنه سيرفض طلبي، لكن واثناء قضاء حاجتي فكرت!! ربما قبل بذلك رغبة بإبتعادي عنه وعن الوقوف امامه، خاصة انه تبرم لحظة وقوفه ورائي، اطلق القطار صافرته مرة أخرى مما دفعني للإسراع والخروج على عجل، فوجدت ان الطابور قد ذاب واختفى، والناس قد تفرقت، اما حقيبتي فقد كانت قابعة مكانها الذي تركت والوريقات قد مزقت، والمشط قد كُسِر، بحثت عمن كان قد وعد الاعتناء بها والسير بالطابور لكني لم اجده، وبين سؤال وامتعاض علمت انه بعد فترة الغداء فتحت نوافذ قطع البطاقات الاربع جميعها لفض الزحام والطابور الطويل، سارعت نحو حقيبتي، تلقفتها مسرعا نحو احدى النوافذ، فما ان وصلت حتى قال لي:
لقد انتهى وقت قطع التذاكر لهذا القطار، عليك انتظار القطار القادم، ثم سألني هل اريد قطعها الآن أم حين يأتي القطار القادم؟ لم أجب عن سؤاله، اخذت نفسي وخرجت من محطة القطار، جلست على احد المساطب الخارجية، حاقدا لاعنا ذلك الحيوان الذي لم يكلف نفسه حتى بدفع الحقيبة واضاع نصيبي بالطابور..
لمتها ايضا بعد ان فركت أذنها الوسطى حقيبتي..
كاني سمعتها تأن قائلة:
أي نصيب لك في الحياة حتى يكون لك نصيب في الطابور، إن هذا الطابور قد جُعل للبشر ومما عاصرتك فيه لم أجدك بشرا البتة، إنك لا إلى هذا ولا إلى فصيل آخر غيرهم، جل حياتك سد رمق، قراءة وكتابة أحاسيس ومشاعر لا يطلع عليها اي انسان، لم تفد نفسك ولم يستفد منك الآخرين، رافقتك يا رسول ظنا انك ستقول شيئا!! او تؤدي رسالة ما في حياتك لكن لا أجد أن لك نصيب سوى التهميش..
رَكنتها حقيبتي الى جانبي كأني ابعدها عني رافضا قولها.. وقلت:
على رسلك.. كيف لم يكن لي أثر؟ او اترك علامة؟ ألم تكوني حاضرة حين ذهبت الى المطبعة وعرضت ما اكتب على السيد بون الذي ابدى اعجابه بما اكتب ورحب بنشر بعض من قصصي او قصائدي.. !!
دعك عن التوهم أو إيهامي، لقد شهدت الرجل يسرق ما كتبت من احاسيس ومواجع، ينشرها بأسمه مقابل بعضا من المال، رحبت انت بذلك دون تردد، لم تحفظ ماء وجهك او هيبة نتاجك، دراهم معدودات لمعت لك سارعت دون تفكير بالقبول والرضا، نسيت حرمة الادب والشعر، المعنى الراقي لقداستها، فبعت لأول نخاس في سوق الأدب، تماما كما كان عكاظ من قبل، ففيه يبيعون الشعر كلام مرصوف وصفا لتوافه طمعا وجشع، هكذا اصنفك بائع كلام..
حقيقة ألجَمتني بل ضَرَبَتني في مقتل هذة الحقيبة فأجبتها..
أعلمي.. كانت تلك الفترة قد راقت لي خاصة رواج الحركة وبحبوحة المال الذي توفر لي من بيع ما أكتب، لم أحسبه عيبا فأنا كنت قد بعت نفسي الى عمي والى الفقر والى الجوع والى الوحدة والى الشياطين أنفسهم، لم يتذمر أحد او يلومهم، بل طبعوا على قلوبهم بالعمى وتمادوا حتى اوسعوني عوزا وفقرا، لم اسمع اي شفاه نبست سوء تصرفهم أو عابتهم..
واعلمي أيضا ان الذي يجعلكِ تتحدثين به هو من بداخلك، وريقات والدي ومشط أمي، قد أكون اجرمت بحق والدي ونقاء سريرته وطيب وسماحة والدتي، لكنهما لم يعيشا مثلي، لم يعانوا ما عانيت لم يجري عليهما نافخ الكير ناره، لم يطرق على رأسهما الحوذي مسامير أيام عرجاء بليل مظلم.. لم يناما مثل مفرداتي داخل صرة سملة، لم يشارك والدي كتاباته نعل قديم وملابس داخلية اتخمت من رائحة عرق وقِدم، لم تتذوق تلك المفردات الحرية إلا بعد ان حجر على اصحابها بالسجن او الموت..
اما مفرداتي، كتاباتي، فقد بعتها مقابل عتق رقبتها لا رقبتي ، بعتها حتى تتنفس الحرية بدلا عني، حتى تتذوق الرضا وتحفز نفوس من يقرؤونها..
بالله أسألكِ.. هل تظنين أني ولو بعد مائة عام سأنشر ما أكتب في زمن الطوابير المتخمة بالازدواجية والنفور من الآخر؟ كونه لا يمتلك نفس صفات الطبقات التي توهم نفسها أنها أعلى درجة عن البقية، لا .. لا أعتقد
والدليل حالك.. لو تمعنت فقد كنت ملكا ليهودي، لم تتصوري يوما انه سيخلي سبيلك او يعتقك، وها انت الآن عندي بين يدي بعد ان دفعت الثمن طردي من مكان ارغب العيش فيه رغم جهلي باصول من اعمل عنده، صدقيني استصغرت نفسي وصفعتها حين علمت بذلك .. لكن بعد تفكير وجدت ان الطبقة العالية نفسها قد باعت نفسها لأكثر من اليهود مقابل حقائب اكبر منك، مليئة متخمة بالدنانير، لقد باعوا تأريخا، حضارة، بشرا ومقدرات من أجل البقاء احياء على رفات وجثث من هم أمثالي.. تماما مثل كرسي شبوط. فإليك عني
اللعنة عليك وعليهم وعلي وعلى كل من شارك بتمزيق وريقات والدي وكسر مشط أمي التي لم تحفظيها .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة