حوار الشعوب من خلال المرويات بين قبول الآخر ورفضه – بقلم د. نزهة المأموني

دراسات …
بقلم : د . نزهة المأموني – المغرب …
ينطلق الحوار من الذات إلى الآخر وهو أساسي للوصول إلى الحقيقة .وهدفنا من الحوار ليس بالضرورة الإقناع ،إذ نلتقي مع فكر الآخر محللين ومؤولين للوصول إلى أنماط التفاعلات الجديدة .ننطلق في الحوار من شعور مميز بالمساواة مع الآخر كي يتسنى لنا التواصل معه .ذلك الآخر الذي يميزه عنا هو اختلافه عن ذاتنا ،ربما بآرائه أو عاداته وربما كل أنماط عيشه لم لا؟
أما التفكير في الحوار من منطلق قمة إلى قاعدة لا يمكنه أن يتحقق بهذا الشكل.لأن أساسه خاطئ ،وهدفه ليس التحاور مع الآخر لأنه ينظر إليه نظرة استعلاء تخول له حق امتلاكه وإخضاعه ثم استعباده .
كذلك التفكير في الحوار من منظور انبهار لا يستقيم بين طرفين أحدهما يشعر بالدونية تجاه الآخر.لأنه يتحول إلى متلق سلبي يأخذ ويردد كل ما عند الآخر ولا يؤدي  دور المحاور الحقيقي الذي يحلل ويدقق ويناقش للوصول إلى حقائق مشتركة .لذلك سنتطرق لنوعين من المرويات للشعوب :
مرو يات لا يتوفر فيها شرط الحوار :
1ــ صورة لعلاقة الذات بالآخر في مرويات اسبانية :
صورة المسلمين في القصص الموريسكي :
وردت بشكل لا يحيل على الواقع بقدر ما يحقق للاسباني الصورة التي كان يود أن يرى عليها الموريسكيين ،قافزا على ذلك الواقع المر واصفا لهم بأوصاف مزيفة .ففي جل الصور تظهر البطلة  الموريسكية بجمال باهر يخول لها أحقية الانضمام إلى المسيحيين .وكذا البطل الموريسكي الذي ينتقل بسرعة إلى معسكر اسباني ،بل ويتحول بشكل سريع عن دينه .
ف “في هذا الإطار التمسيحي  المتحكم ،تندرج باقي الثوابت الأخرى المتواترة في القصص الموريسكي كتجربة الأسر ،وجمال الفتاة الرائع ،والتنكر في أكثر من صورة (اللغة\الدين \اللباس…) ولعل أكثر الصور تعبيرا عن البنية العامة للنص تلك التي تجرد فيها “ايزبيلا “الكاتوليكية “دراجة” من ملابسها الموريسكية برفق آمر ،وتلبسها ملابس أخرى قشتالية :
*كانت الملكة تحتفظ بدراجة دائما معها ،وقد أخذتها إلى مدينة اشبيلية على أمل أن تصبح مسيحية ،ولكي تهيئها بالتدريج ،دونما عنف وبوسائل لينة ،قالت لها يوما ،ستدركين يا دراجة كم أود تلبية حاجاتك ورغبتك ،ولكي تؤدي ثمن جزء من ذلك أود أن أطلب منك حاجة وحيدة لمصلحتي ، أن تغيري هذه الملابس بملابس سأعطيك إياها تخصني شخصيا ،لكي تستمتعي بجمالك وهو يرفل في ملابسنا ،أجابتها دراجة ،إنني سأنفد بكامل إرادتي كل ما تأمر به جلالتك (…)وتزينت دراجة على الطريقة القشتالية * ” (د.محمد أنقار “بناء الصورة في الرواية الاستعمارية “صورة المغرب في الرواية الاسبانية ” مطبعة المعارف الجديدة \ط1\ 1994\ ص ص(77ــ 78))
الظاهر أن الصورة التي يريد الاسباني أن يعطيها عن الموريسكي هي صورة شخص مهتز المبادئ ،قابل للتخلي عن كل شيء اسمه ،لباسه ، وحتى دينه .
وقد يتضح مما سلف بأن الاسباني يؤكد على أهميته وقيمته السامية في مقابل دونية الموريسكي ؛فحتى جمال “دراجة” لا يمكنه أن يظهر إلا من خلال زينة قشتالية .ثم إن الدخول في المسيحية لم يكن بالإكراه بل عن رغبة وطيب خاطر ،واقتناع كامل .
2ــ صورة لعلاقة الذات بالآخر في كتابات عربية :
انفرد الرحالة محمد الصفار باهتمامه بالبعد الاجتماعي في كتاباته دون غيره نظرا لتواجده ضمن وفود رسمية . لذلك فقد دقق الوصف في مدن فرنسية من حيث عاداتها وأخلاقها .والصفار خصص صفحات في وصف أكل وشرب وعادات الفرنسيين .ومن شدة إعجابه بهم بل انبهاره بالمرأة الفرنسية فقد أسهب كثيرا في وصفها لدرجة أخرجته عن وقاره وهو الفقيه ،من وصف دقيق لجسدها بطريقة توحي باشتهائه .
وإفراطه في الانبهار بكل ما هو فرنسي جعله يتحدث بإعجاب عن الانحلال الموجود في حياة تلك المرأة الفرنسية على أنه تحرر يقول :
” *…وبعد اجتماع الناس تكلمت الموسيقى وأخذوا في الرقص رجالا ونساء ،فيأخذ الرجل بيد المرأة ويجعلان يرقصان رقصا عجيبا ويمسكها بيدها وهو يرقص معها *ويقول معجبا بالتحرر الذي لاحظه في المرأة :* ..وتارة يمسك رجلان امرأة ويرقصان معها وليس ذلك عيبا أو مخلا بالمروءة ،فترقص المرأة بحضور زوجها مع غيره *(…)
وهكذا لم ير الصفار في المرأة الفرنسية إلا مظهرها الخارجي الذي تأسر به القلوب وتفتن به العقول دون أن يتغلغل في حياتها العميقة ويحاول وصفها .” ( الطالبة سعاد الناصر “صورة الغرب في الفن الحكائي المغربي الحديث “الرحلة ــ السيرة الذاتية الرواية)بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في الأدب العربي \جامعة سيدي محمد بن عبد الله \ السنة الجامعية 1991. \\ الصفحات (87ـ 88)مع الإحالة على كتاب “رحلة الصفار ص ص(15ـ16) )
فالصفار عندما انبهر بالمجتمع الفرنسي لم ينقل صورة حقيقية ،بل اكتفى بما يلمع فوق سطحه ،ولو تعمق إلى داخله لأعطى صورة أقرب إلى الواقع ،وأصلح لتقريب الآخر من الذات ،ومحاولة التحاور معه على نحو يوصل إلى مواطن الإيجاب والسلب لدى الطرفين .
لكن النظرة المنطلقة من نفس تعتبر الآخر شيئا عظيما وأسمى ،تنبهر به وتتضاءل أمامه .هذه النظرة هي التي جعلت الصفار يغفل حقائق كثيرة تفيد في تلاقح الحضارتين . لأن هناك ما نأخذه من الآخر ،كما أن هناك ما يأخذه الآخر منا ،وغير ذاك وذاك هناك الحقيقة التي يصل إليها اختلاف الطرفين واعترافهما بهذا الاختلاف من باب الإحساس بالمساواة وليس الاستعلاء أو الدونية.
أما في رواية “الغربة واليتيم” لعبد الله العروي فيظهر الغرب بصورة المستعمر:
بحيث يصر “ادريس” على عدم السفر رغم رغبته في اللقاء بالغرب ،لأنه يحبذ لقاء متكافئا يسمح لخصوصياته كمغربي أن تظل وتستمر ،الشيء الذي جعله يمتعض وهو يستقبل “مارية” المغربية عائدة من الغرب بعد خمسة عشر سنة “ممسوخة” لا تحمل أية صورة بعد أن فرطت في هويتها .إذ فقدت صورة بلدها وأيضا صورة البلد الذي أتت منه ،وتحولت إلى مجرد جسر استعماري يمدد فوقه الغرب رغبته الاستعمارية في استمرار امتلاكه فكريا للبلدان التي استعمرها سياسيا وعسكريا واقتصاديا فيما قبل .( نفس المرجع السابق ص ص(235ـ 236) )
مرويات يتوفر فيها شرط الحوار:
صورة العرب في كتابات استشراقية :
د. زيغريد هونكه ،مستشرقة ألمانية قامت بعدة زيارات للبلدان العربية قصد الدراسة والتمحيص ؛ تقول في مدخل كتاب لها:
“إن هذا الكتاب يتحدث عن الثقافة العربية ،كما يتحدث المرء عادة عن الثقافة الأمريكية ،وكما يحاول بعضهم أن يجعل من الرازي أو ابن سينا الفارسي الأصل ،فارسي الروح ،وهما من أفراد العائلات التي عاشت منذ أحقاب بين العرب ،يحاول بعضهم أن يجعل ــ بالقدر نفسه ــ من رئيس الجمهورية الأمريكية السابق دوايت ايزنهاور ،ألمانيا.
إن هذا الكتاب يرغب في أن يفي العرب دينا استحق منذ زمن بعيد ولئن تناول الحديث ههنا عددا كبيرا ــ وإن يكن غير كامل ــ من عوامل التأثير المباشرة وغير المباشرة في حضارة العرب ،فهذا لا يعني البتة أن مصدر كل خير قد أتى من هناك فحسب ، وهذا لا يعني كذلك أننا قد تجاهلنا أو قللنا من شأن وجوه التأثير الهامة المختلفة التي كانت للإغريق والرومان واليهود على حياتنا ،كذلك ،فإننا لن ننسى مطلقا تطور الشعوب الجرمانية والرومانية وفعاليتها الحضارية ،هذه الشعوب التي أخذت عن الآخرين ما أخذت لتحقق ذاتها.
بساط الحضارة بساط نسجته وتنسجه أيد كثيرة ،وكلها تهبه طاقتها ،وكلها تستحق الثناء والتقدير .” (زيغريد هونكة “شمس العرب تسطع على الغرب” مطبعة النجاح \ط9\الدار البيضاء\1991\ترجمة من الألمانية لفاروق بيضون وكمال دسوقي \ص19)
وفي حديثها عن أهمية العرب ومدى تأثيرهم في الغرب تقول هذه المستشرقة:
“ويلح جربرت على معلمه “هاتو”أن يحدثه عن هؤلاء الأمراء المسلمين المولعين بالعلوم والآداب أكثر من ولعهم بالحروب ،وأن يقص عليه أخبار فحول العلماء والشعراء بقصر الحكم ،ويسحر هاتوالفتى بأقاصيصه عن هؤلاء القوم وعظمتهم وعن الأساقفة والقضاة المسيحيين في قرطبة الذين يلبسون ويتحدثون ويتصرفون كالعرب ،ويجيدون الرياضيات وعلوم الطبيعة مثلما يجيدها كبار أساتذة الجامعات المسلمين .
وكانت أحاديث هاتو هي بداية تعلق جربرت بالعرب وعشقه لدراسة الرياضيات والفلك ،واستمع جربرت في اسبانيا إلى الأساتذة العرب ،وتعلم أشياء لم يكن أحد في أوربا ليحلم أن يسمع بها ،وكان من أهم ما تعلمه جربرت نظام الأرقام والأعداد العربية .(…)
لقد كان جربرت يحسب بالأرقام التسعة التي تعلمها عن العرب على الحدود الإسبانية .فكان بذلك أول رجل في الغرب تعلم تلك الأرقام واستخدمها .”( نفس المرجع ص81)
إن هذه الكاتبة الألمانية تنطلق ــ في حديثها عن العرب ـــ من منطلق حوار حقيقي لأنها تحاور حضارة تعترف لها بالتفوق ولو في زمن مضى ؛وتعتزم أن تقدم لها الشكر ــ بواسطة ما ترويه عنها ــ على كل ما قدمته للإنسانية من علوم وآداب وفنون ،فهي تقول :
“لهذا كله فضلهم الغربيون أول الأمر على غيرهم ،فأصبح العرب أساتذتهم الذين أخذوا عنهم معارفهم الطبية أكثر مما أخذوه من كتب اليونان المبعثرة الغامضة.
ترى هل كانت هناك كتب أصلح للدراسة والحفظ من الكتب العديدة التي صنفها حنين ابن اسحاق وكثيرون غيره في شكل أسئلة وأجوبة ؟ !
وأية كتب مكنت من الغوص على معارف جالينوس المبعثرة في أكثر من مائة مخطوطة ،بسهولة ويسر أكثر من كتب حنين ابن اسحاق أو كتاب “الأصول” لابن رضوان ؟ ” (نفس المرجع ص 216)
فالعرب ــ في نظر هذه الكاتبة ــ قوم متميزون بعلمهم ومتفوقون في ميادين كثيرة جعلتهم يسهمون في بناء وتطور علوم وفنون وآداب حضارات أخرى .
إن الحديث ،هنا، يتسم بموضوعية تجعل التواصل بين حضارتين عربية وغربية ممكنا خاصة وأن أساسه اعتراف مبدئي بالمساواة .لأن ما يفهم منه ضمنيا هو أن هؤلاء العرب ــ وإن نظر إليهم البعض نظرة دونية ــ فإنهم أصحاب شأن لا يقلون عن غيرهم قيمة .
فهذه الكاتبة تتساءل :
“أو ليس من العجيب أن نتساءل لماذا نفسر كما يحلو لنا ،والعرب قد احتلوا فعلا جزءا من اوربا هو الأندلس ؟ فلم يقضوا على المسيحية التي يزعمون أن شارل مارتل قد حماها ،ولم يقضوا على المدنية الغربية التي لم يكن لها وجود !!
لقد حولوا الأندلس في مائتي عام حكموها من بلد حرب فقير مستعبد إلى بلد عظيم مثقف مهذب يقدس العلم والفن والأدب ، قدم لأوربا سبل الحضارة وقادها في طريق النور (…)
فكل موجة علم أو معرفة قدمت لأوربا في ذلك العصر كان مصدرها البلدان الإسلامية.” (نفس المرجع ص541) .
وبهذا نصل إلى إقرار نتيجة ،وهي أن الحوار الحقيقي الذي يمكن أن يكون بين الشعوب أساسه المساواة ؛ حتى تتمكن من التواصل فيما بينها ،وتستطيع إعطاء صورة عن الآخر المختلف عن الذات .
وفي ذلك كله اعتراف وإقرار بوجود آخر مختلف لكنه موجود على ظهر البسيطة مثلنا مثله ،ويستحق منا احترامه بكل ما يميزه عنا حتى نستطيع التحاور معه .
أما إذا لم تتوفر المساواة فإن كل حوار ينعدم بل يتحول إلى صدام شعوب وحضارات

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة