إستعراض لمجموعة قصائد للشاعرة ” نادرة شحادة ” – بقلم : حاتم جوعيه

اصدارات ونقد ….
بقلم : حاتم جوعيه – فلسطين المحتلة …
مقدمة : الشاعرةُ والاديبة “نادرة شحادة ” من سكان قرية ” كفر ياسيف” الجليليَّة”،أنهت دراستها الإبتذائيَّة والثانويَّة في قريتها كفر ياسيف  ودرست بعد ذلك موضوع الهندسة المعماريَّة  في الجامعةِ  ودرست أيضا  موضوع الجرافيكا المحوسبة والسكرتارية،عملت في مجال الهندسة المعمارية  لفترة قصيرة وبعدها عملت لمدة 16 سنة في مجال الجرافيكا المحوسبة  . وتعملُ الآن سكرتيرة  في جمعيّة ” إبداع ” للفنانين التشكيليين العرب  وهي جمعية  لرعايةِ الفنّ في الوسط العربي ومقرّها في قرية  كفر ياسيف .  تكتبُ  نادرة
الشعرَ والخواطرَ والمقالات المتنوِّعة منذ نعومةِ أظفارها، نشرت الكثيرَ من  نتاجها  الشعري  والأدبي  في معظم   وسائل  الإعلام  المحليَّة  وكتبَ  عن   إبداعاتِها الشعريَّة  العديدُ من النقاد المحليِّين  ومن  أبرزهم الشاعر والأديب والناقد الكبيرالدكتور”منير توما”..ورغم إنتاجها الإبداعي الغزير والمتراكم  لم  تُصدرْ حتى  الآن  كتابا  أدبيًّا  أو  ديوانَ  شعر على عكس الكثيرين  من الشعراء المحليِّين الذين  يفتقرون إلى المستوى الفنِّي المطلوب  فنجدُهم  كلَّ فترة قصيرة  يطبعون  ديوانَ  شعر جديد  لا يوجدُ  له  أيَّةُ علاقة مع الشعر والأدب والإبداع …وأما الزميلة  نادرة شحادة  فهي  بحقٍّ  وحقيقةٍ  شاعرة وأديبة كبيرة  ومُمَيَّزة  وتضاهي  كتاباتها مستوى كبار الكتاب والادباء  في العالم العربي .
وسأتناول في هذه المقالة ثلاث قصائد من  أشعارها مع الإستعراض والدراسة والتحليل .

مدخل :  سأستهلُّ  المقالة   بقصيدة  لها   بعنوان : ” يا  ليلُ صمتك ” … وهذه القصيدة من ناحيةِ  البناءِ  والشكل  الخارجي على نمطِ الشعر الحديث وهي قريبة إلى شعرالتفعيلة حيث نجدُ فيها بعضَ الجمل والمقاطع الموزونة ، ولكنها غير مقيَّدة  بوزن واحد  وكلُّ جملة  أو تفعيلة  مستقلة  بحدِّ  ذاتها ، والموسيقى الداخليَّة في القصيدة وجمال الكلمات والألفاظ والمفردات  تعطي إيقاعا عذبا وجاذبيَّة وجماليَّة وسحرا أخاذا للقصيدة …وتملؤُ  وتترعُ  أجواءَ  ومساحات القصيدة  الحيرةُ  والتساؤلُ والغموض الشفاف والفلسفة  الصامتة  ونستشفُّ ونرى نظرةَ الشاعرة  ورؤيتها  للمجهول وإلى العالم الميتافيزيكي  وما وراء الوجود .
تخاطبُ الشاعرةُ في هذه القصيدةِ  الليلَ، وقد تعني وتقصدُ  بالليل عدة أمور وأشياء  وأهداف .. فقد يكون الليلُ  ذاتهَا وكيانهَا الحزين والمضطرب   أو الحبيبَ الذي  يعيش  ويتفاعل مع الناس  والمجتمع  ومع  الملل  والحيرة  والإحباط ..أو كلّ  شيىء معتم  وداكن وحزين .
تطلبُ الشاعرة ُ نادرة  في مطلع هذه القصيدة من الليل أو الحبيب ( كما يبدو ويُفهم من سياق القصيدة) أن يعيرَهَا صمته وسكوته وحبرَ لونهِ الأسود  ( فالليل صامت) لأنَّ الكلام قد احترق على الورق..وتقصدُ كلَّ كلام إيجابي وجميل ومفيد وكلَّ فكرةٍ ومبدإ  فيه تنوير وهداية للناس ..وقد أضحت طيورُ البرّ ساكنة  وهادئة  وتخشى البكاء والنحيب  مثلها مثل الرمال التي تخشى  وتخاف البحر تفاديا من الغرق (مثلما تخشى الرمال من البحر الخرق ) كما جاء في وصف وتعبير الشاعرة  وإنهُ لتشبيه جميل وجديد .
وتقولُ الشاعرة في القصيدة :
( ” أعطني خيطا  ولونا  // من  ثيابِ يومك //
لأبني عشًّا من سراب  //
بلا نافذة  // ولا شرفة //
ولا  بابْ
مُشرَّعٌ  فوق حدودِ  الأرض  وتحت خارطةِ  السَّماء //
أعطني فارورةَ عطر // حبَّة مسكٍ // ودواء ..  //  ” ) .
تطلبُ الشاعرةُ من الحبيب أو رفيق الدرب والمشوار أن يعطيها خيطا ولونا  من  ثياب  يومهِ  لتحوكَ  به عشًّا  وأملا حتى  لو من سرابٍ  يصعبُ ويستحيلُ تحقيقهُ …وتقصدُ بعبارة وبجملة لونا من ثياب يومك  أي أن  يكونَ فيه  تفاؤلٌ  فاليوم ليس  كالليل الأسود المعتم …وهذا البناءُ البسيط  أو بالأحرى العش الذي  تحوكهُ  وتكوِّنُهُ  بلا  نافذة  ولا شرفة  وباب هو تشبيهٌ واستعارة مجازيّة  ويدلُّ هذا التشبيهُ ويرمز إلى عدم التكامل  وإلى استحالة تحقيق الحلم  والمشروع  والأمل والهدف الذي تسعى إليهِ . فهذا العشُّ الذي تتحدَّثُ  عنهُ  الشاعرة  يكون  مُشرَّعا  أي  موجودا  بشكل  مكشوف  وغير محصن ومحمي من الرياح والعواصف والسيول وأعين الأعداء والمتربصين  الذين يريدون الشّرَّ والأذيَّة . فهو فوق حدود الأرض وتحت  خارطة السماء  والكلُّ يراهُ ويبصرهُ – السَّلبي والإيجابي والمادي والروحاني -(أهلُ الأرض  والتراب وأهل السماء الروحانيين )  .
وتطلبُ الشاعرةُ من الليل أيضا ألا يحرق لونهُ من أجلها لأنها استعارت  من  الحياةِ لونا آخر وفجرا آخر، بيدَ أنّهُ ما زال في مرحلةِ إسترجاع وإعادة عافيتهِ  ونشاطهِ  وهو يستفيق  من السباتِ  والنوم  والكسل..أي أنَّ الشاعرة  تطلبُ من حبيبها ألا يحرق نفسَهُ  بنفسهِ ولا يحرق لونهُ ويدمِّر ويمحو كيانه  من أجلها  ويقدِّم  ويضحِّي  بكل  شيىء  ويستنزف  كلَّ  طاقاتهِ  وامكانيَّاتِه  المحدودة  لأنها درست الحياة وعاركتها وعرفت كيفَ تتغلّبُ على الصعابِ  وكيف تستعيرُ لونا.. والمقصودُ  باللون الطريقة  والسبيل والاسلوب  ( لونا آخر وفجرا آخر) لأنها  ترنو وتسعى نحو النور والضياء والعدالة المثلى … ولكنَّ هذا الفجر ما زالَ  يستفيقُ من السباتِ .. أيّ أنهُ لم يكتمل  بعد .. وهذا  الشيىء  وهذا  الأمر   ينطبق  على  واقعنا  المحلي  الإجتماعي  والسياسي  والإنساني  وعلى عالمنا العربي بشكل عام  فالعالم العربي لم يبزغ  ويسطع فجرهُ  بعد.. فالفجر تشبِّهُهُ الشاعرةُ بالإنسان حيث يستفيق من السبات بشكل  تدريجي  وعلى  مراحل …والأمة  العربية الآن  تصحى من سباتها  بشكل تدريجي  وتقومُ  اليوم  بهبات  وثورات وانتفاضات متتالية ومتواصلة  وكلُّ هذه الهبَّات والأحداث الجسام تسير بالشعب العربي بشكل متواصل وبطيىء نحو الفجر ..نحو الحريَّة  الإجتماعيَّة  والإنسانيَّة  أولا  ثمَّ  الحريَّة السياسيَّة  والإستقلال الكامل  الفكري  والمعنوي  والجغرافي  والإقليمي والإقتصادي  والسياسي..وفي طليعة ومقدمة هذه الحريَّة والإستقلال حريَّة المرأة  العربيَّة والشرقيَّة  وانطلاقها  للإنجاز والإبداع  .
تقول نادرة شحادة :
( ”  لا تحرقُ يا  ليلُ  لونكَ من أجلي
فقد    استعرتُ   من    الحياة
لونا    آخر  //  وفجرًا    آخر
ما زالَ يستفيقُ من السُّباتْ  ” ) .
وتتابعُ حديثها فتقولُ :
( ” أعرني صمتا وشيئا من  هذه الحياءْ
فربَّما   سكنَ    النهارْ
وجفَّ    قانونُ  البقاءْ  ” )  .
…أي أنها تطلبُ من الليل والحبيبِ أن  يعيرَها الصمت (صمته وسكوتهُ )   وشيئا  ونزرا من الحياء  حتى  لا  تتكلّم  وتبوح  بكلِّ  ما هو  موجود  على هذه  البسيطة  والواقع  الذي نحياه  من سلبيَّات ورزايا .. فلربَّما سكنَ النهارُ  … أي  سكتَ الضوءُ  وصوتُ الحقِّ  والعدالة  واختفى النور  ورحل الحبُّ ومات السلام  ولم يعد  قانونُ البقاءِ موجودا .  وقد  تفسَّرُ الشطرة الثانية من المقطع أو الجملة الأخيرة  بشكل  معاكس أيضا… وسكنَ النهار: أي  أصبحَ  النهارُ هادئا وصامتا  ولا يوجدُ ما يعكّرُهُ  وكلُّ شيىءٍ وأمر في هذا الوجود يجري  ويسيرُ بشكل  طبيعي  وصحيح …وجفَّ  قانون  البقاء  تعني أنَّه  قد  انتهى الحرُب والصراع ُمن أجل الإستمراريَّة والبقاء ..
في المقاطع  والشطراتِ الأخيرة من القصيدة يبدو بوضوح هدفُ ورسالة  الشاعرة وهو تحقيق العدالة الكاملة والشاملة (الإجتماعيّة والإنسانيَّة والعدالة السماويَّة) ورحيل الظلم والظلام وحلول الأمن والسلام .  والشاعرة توظّفُ أشياءً وعناصر من الطبيعةِ والحياةِ  للوصول إلى المعاني والغاية  المنشودة …ونجدُ شاعرتنا متأثرَّة إلى حدٍّ ما بالشاعر والأديب اللبناني العالمي جبران خليل جبران  وبأسلوبهِ  الجميل  والساحر ، وخاصَّة   في  توظيف عناصر الطبيعة  وفي  دفاعه المستميت  من أجل  تحقيق  العدالة  والحريَّة  وإعلاء كلمة الحق  ودحر الباطل وتحقيق السلام  المنشود ..السلام الشامل والمحبَّة المثلى للإنسانيّة  وللبشر .
تقولُ الشاعرة :
( ” إخلع   ثيابَ   يومك
والبسْ رداءَ  السَّماءْ
أما مللتَ  يا  ليلُ  سوادَ   الرِّداءْ ؟ ” ) .
والمقصود  هنا كلّ  إنسان يسير في طريق الخطأ  والرذيلة والضياع .
وتقول : ” (  لديكَ من الألوان  ما شاءَت يداكْ
فعطّر    روحِكَ   بلونِ    النهار  ” ) .
ووهجِ الشَّمسِ … وزرقةِ السَّماءْ
وهنا تستعملُ  تشبيها واستعارة جديدة لم يستعملها  شاعر وأديبٌ من قبل  وفيها شيىءٌ  من التناقض  وهي ( العطر واللون ) حيث قالت : وعطّر روحَكَ  (بلون ) بدلا من عطر روحَكَ ( بأريج ) . لأنَّ الضوءَ أو النورَ  هو عطرٌ أبديٌّ  أزليّ  للإنسان النظيف روحيًّا   الذي  يسيرُ في طريق  الإيمان والنور  والفضيلة ( وهج  الشمس  وزرقة  السماء )  والشمسُ  دائما  ترمزُ  للحريَّةِ والإنتصار .
وتقولُ في القصيدة أيضا :
( ” لا تصمت طويلا
مثلما صمتَ الغرابُ // مع الكنارْ
فالصَّمتُ  يحرقهُ الكلامُ
مثلما يحرقُ الليلُ  النهارْ … ” ) .
وتقولُ أيضا :
( ” عيونك لا تنام // ولا تخشى السَّهرْ
رداؤُكَ السَّرمديُّ  مطعَّمٌ
بالنّجومِ   وبالقمرْ //
لا تجلسْ في الظلام طويلا
فأنتَ على موعدٍ مع النورْ  ” ) .
هي تطلبُ من الإنسان الصَّامت عن الحقِّ والذي يرى السلبيَّات  والشرَّ والأذى أن  يتكلَّمَ ( الحبيب أو أيّ شخص آخر عندهُ المبادىء والقيم والروح النظيفة الطاهرة )…ولكنه وللأسف لا يتكلم  ومن المفروض والبديهي  ومن  واجبهِ أن  ينطق ولا يبقى صامتا كالغراب..ووضعت الشاعرةُ كلمة الغراب هنا وليس اسم طائر آخر مع أنَّ الغراب  دائما ينعقُ وصوتهُ  قويٌ  ومزعج ومنفر وذلك رمزا وتوظيفا  دلاليًّا  للشؤم  والسلبيَّات.. ولأنَّ الصمتَ يحرقهُ الكلام  والليلُ يحرقهُ النهار..أي كلّ ظلمة تتبدَّدُ  وتتلاشى وكل ظلم وعدوان وطغيان  يزول  في النهاية… ولهذا  فعلى الإنسان  ألا  يصمت على  الضيم  والإضطهاد والإجحاف بحقِّهِ .
وهذا الإنسان  أو الحبيب  وفارس الأحلام الذي تخاطبهُ  الشاعرةُ عيونهُ لا تنامُ . أي أنهُ نشيط وفعَّال وغير خامل ويوجد عنده  بذرة الأمل  والتفاؤل  والحب والخير  والرغبة  في  الكفاح  من أجل  العيش  الكريم  والشريف…  ورداؤُهُ  السرمديّ  مطعّمٌ  ومزركش  بالنجوم والقيم .. أي  بالنور والضياء والجمال والحياة والأمل والإيمان وبكلّ ما هو جميل..والرّداءُ هنا هو الجسم والروح  والكيان بأجمعهِ  ..هذا ما تعنيه وتقصدهُ الشاعرة .
وتقول :
( ”  لا تجلس  مع الظلام طويلا //
فأنتَ  على  موعدٍ مع  النور
فآن  أوانكْ
أن  يستلمَ  النهارُ مكانكْ   ” ) .
وفي نهاية القصيدة ، يتجلّى بوضوح البعدُ  الوطنيّ  والسياسي أيضا…وقد تعني الشاعرةُ هنا كلَّ شعب  مظلوم  ومضطهد على هذه الأرض  والإنسان والشعب الفلسطيني المنكوب  والمشرَّد  بشكل خاص الذي يعاني  من الظلم والعدوان  وإنهُ على  موعد  مع  النور  وقريبا  سيتحرَّر  من   قيود   الظلم  والإضطهاد، ولهذا عليهِ أن يبقى متفائلا  ولا يجلس في الظلام  طويلا  وأن  ينزعَ  ويطردَ من  فكره  ووجدانِهِ  كلَّ  فكرةٍ  سلبيَّةٍ وكلَّ  هواجس وأطياف اليأس والإحباط  والسوداويَّة .
****************************************

وإلى قصيدة أخرى بعنوان : ” سحابة ليل ”  :
القصيدةُ حديثة في شكلها وتموّجاتها وقريبة  في طابعها  وأسلوبها إلى السرياليَّة نوعا ما ويطغى الغموضُ على  بعض المقاطع فيها ، وهي عميقة  وزاخرة بالمعاني، وفيها الصورُ واللوحاتُ الشعريّة  الخلابة  والإستعارات الجديدة والمصطلحات  والتشبيهات المبتكرة  .. ويجتمعُ  في القصيدةِ  أمورٌ ومواضيع   وعناصر متعددة ، مثل : الأمل ،  التفاؤل ، الحيرة ،  الضياع ، التحدِّي  والعنفوان والقوّة  والملل والضعف .. إلخ .
وتوظفُ الشاعرة في هذه القصيدة  أيضا كلمة الليل الذي  يرمزُ هنا إلى أشياء عديدة ومختلفة عمَّا وردَ في القصيدة السابقة .. وتخاطبُ الشاعرةُ هنا الحبيب  ورفيق الدرب … أو إنسانا  ما  .
في المقطع الأول من القصيدة  يظنُّ القارىء والمتلقي أنَّ القصيدة ذاتيَّة ووجدانيَّة محضة  ولكنَّ  الشاعرة  تتطرَّقُ  إلى  مواضيع  عديدة  ومتشعِّبة في ما بعد..والشاعرة تخاطبُ الحبيبَ فعلا وهي تعاتبهُ وتتحدَّى الليل وتعاندهُ وتجولُ في مساحتها الليلكيّة ،وكل شيىء حولها  يوحي  ويؤكد على الحزن  واليأس  حيث لا سحابة  تظللها   ولا شعاع شمس  (تستعمل النقيض فشعاع الشمس لا يظلل  بل نحتاج نحنُ إلى جدار واقي وإلى ظل شجرة ليظللنا من الشمس  وأشعتها الحارة ) .  وظل  شعاع  الشمس هنا  له معنى  وبعد  آخر وهو كل شيىء  يعطي الراحة  والطمأنينة المنشودة )  فتطمحُ  أن تدخل إلى  إعماق حبيبها خلفَ هذا  السكون  وهي تعجز عن تحرير صمتِهَا أمامه  في مصير قد يكون عابرا وعلاقة ليست دائمة  وأزليَّة  .
وفي بعض المقاطع واللوحات الأخرى من هذه القصيدة  تُدخِلُ الشاعرةُ مواضيع أخرى عديدة – كما ذكرَ أعلاه – : فلسفيَّة  وإنسانيَّة .. فتقولُ مثلا :
( ”  نبضُ السراب // في سرير الليل //
يلهثُ كالشعلةِ الهيفاء
في معابر الذبول
والريحُ في يديكَ  ليست لكَ
واللليلُ   سراج ” ) .
وشاعرتنا هنا هي أول من إستعملَ هذا المصطلح والتشيبيه وهذه الإستعارة  ( الشعلة  الهيفاء ) .
وتقول :
( ” على أرصفة الرماد  العاري
تنصهرُ   كالأحاسيس
في روح الحياة //
وتتعرَّجُ فيك  المسافات
لعمر   أطول     ” ) .
وتقول : ( ” أدركُ  أنَّ  للنبض
مساحة  صغرى في  قلبك
وللزّمن  معزوفة   أخرى
تطرقُ    تعاريجَ   الأمل
في غربةِ   السفر  الأول ” ) .
قد  تفسَّرُ هذه الجمل  والمقاطع الشعريَّة  على عدَّة  أشكال  ووجوه ..
فنبض السراب مثلا 🙁 السراب  كل  شيىء  سلبي  ويخيبُ فيه  الأملُ  وهو  اليأس والإحباط   والتيه  والضياع ) ولكن هذا السراب ينبضُ  أي انّ هنالك  بارقة  أمل  وهنالك  شيىء  موجود  وملموس وفيه  نبضٌ  وحياة  وعطاء.. وهذا السراب في سرير  اللليل  والسرير  يرمزُ إلى الحبّ والجنس والشبق والخصب  (  سرير الليل )  ويرمزُ  إلى  الطفولة  أيضا  والبراءة  والهدوء والسكينة..وهذا  النبض نبض السراب هو الرجل الشرقي ..أيّ أنّ البصيصَ  والأملَ  يلهثُ مثل الشمعة  الهيفاء  الطويلة  والممشوقة  في معابر الذبول.. في طريق  الذبول  والعقم  والموت… لأنه  يريدُ  أن  يتقدَّم  ويعطي  ما  في جعبته…والريح في يدك ( يد الحبيب) إنها ليست لهُ..أي القوَّة  والطاقة  التي بقيت . ولليل  سراج .. أي  أنَّ الظلمة  لها سراج يضيىء،  وكل  شيىء آفل أو على وشك  الأفول والنضوب لهُ ما يوقدُهُ  ويشعلهُ  ويجدِّدُ  حياته وشبابه  ونشاطه .
وتخاطبُ الشاعرة الحبيب  فتقول : (على أرصفة الرماد العاري )  أي إنَّ الارصفة القاحلة التي لا يوجدُ فيها ما يبعثُ الأملَ  والتفاؤل تجعلكَ  تنصهرُ وتتحللُ  كالأحاسيس من روح  ودفق الحياة، والمسافات  فيك  تكبر وتتعرَّج   وتتشعّبُ لعمر أطول . وهنا رمزٌ للتفاؤل والعطاء والخصب والبقاء الطويل الطويل، فالمسافات  تكبر في حبيبها  وتتعرَّجُ  وتمتدُّ  لعمر طويل .
وفي نهايةِ القصيدة تضيفُ  فكرة سلبيَّة  نوعا ما  للحبيب  أو  بالأحرى  للرجل الشرقي  الأناني  الذي  لا  يحترمُ  ويقدِّرُ المرأةَ  وَيُعَبِّرُهَا  كما يجب فتقول :
( أدرك    أنَّ   للنبض //  مسافة  صغرى  في قلبك //
وللزمن  معزوفةٌ  أخرى  //
تطرق  معاريجَ   الأمل //
في غربة  السفر  الأول  ” ) .
أي انَّ قلبَ الرجل الشرقي ( وحبيبها أيضا )  لا  ينبضُ  كما  يجبُ تجاه الحبيبة   والمرأة ، وتدركُ  أنَّ  حبيبَها   يوجد ُ للنبض  والشعور  والمشاعر والأحاسيس (مسافة صغيرة في قلبه )..وأما الزمانُ فلهُ معزوفةٌ  وسيمفونيّة  أخرى  مختلفة  ودائما  تطرقُ أبوابَ وسراديب الأمل  وقت السفر .. السفر الأول .. أي انَّ الزمنَ بلسمُ الجراح  والألم  ويرسلُ المعزوفات  والمبشرات  والبوادر  والأشياءَ  التي  تشير  إلى  التفاؤل  وتوحي   بالأمل  وقت  السفر  والإغتراب .
وتقول الشاعرة :
( ”  في رصيفك وردتان  //
تعبقان بأنفاسكَ
كبستان  مهزوم
في ساحاتِ الليل
الماثل  في روحك … ” ) .
أي أنَّ الحبيب  ما زال  في رحيقة  وردتان  ويوجدُ  لديه وفي داخله  كلُّ ما هو جميل  وجذاب  وإيجابي . ولكن َّ هاتين  الوردتين  كبستان  مهزوم .. أي  أن  في  داخلهِ  عدا  الجمال   والبشاشة  والتفاؤل  والامل  يوجدُ  أيضا   الإحباط  والإنهزامُ  والإنكسارُ والتراجع .
وفي هذه القصيدة  لومٌ  ونبرة عتاب من قبل المرأة الشرقَّة ( على لسان الشاعرة ) للحبيب وللزوج  الذي  يحيا  ويعيش بإحباط ، وما زال  مهزوما  ومتراجعا من داخلهِ  – عاطفيًّا ووجدانيًّا وإنسانيًّا … وحتى الوردتان  اللتان  تعبقان  من أنفاسهِ  ومن رحيقهِ   هما  مثل بستان  مهزوم  في رياض الليل   .. وحدائق الحزن والظلام والسواد الماثل في روح الرجل الشرقي …الرجل  الذي لا يقدِّرُ زوجتهُ وحبيبته ورفيقة دربهِ  كما يجب  كيانا  وإنسانا  وروحا  وعقلا وفكرا  وليس جسدا  فقط .
***********************************

وسأنتقل إلى قصيدة  أخرى  من  بعنوان  ” مناجاة “… وهذه القصيدة  رومانسيَّة غنائيَّة معظم  مقاطعها وجملها موزونة ..البعض على نمط  شعر التفعيلة  والبعض كلاسيكي …وهي تخضعُ  لأكثر من وزن وهنالك  خروج طفيف على الوزن في بعض المقاطع .. والقصيدة  بشكل عام  جميلة وعذبة  وموسيقيَّة وأسلوبها  رشيق وجميل وهي رنانة وساحرة  وسلسة في أسلوبها  وانسيابها  اللفظي  والموسيقي  وتدخلُ  بسرعة  إلى أعماق  القلبِ  والروح  وتدخِلُ  الدفءَ  والراحة  للنفس  وتسكرُ القلبَ  والوجدانَ  بمعانيها  الجميلة وألفاظها العذبة وبموسيقاها الساحرةِ والأخّاذة  وفيها  نلمسُ بوضوح الأبعادَ الفلسفيّة ..   تقولُ في القصيدة :
( ”  خذيني    مدًّا     وجزرًا
لا  تقطعي  بي  الدروبْ
مشيئتي  أن  أكونَ   قلبا
ساكنا    كلَّ     الدروبْ
إن   أردتِ   النّيلَ    منِّي
خذي     منِّي     صلاتي
واتركيني          للذنوبْ
غدا   يموتُ  الحبُّ   فينا
وكلُّ  ما   فينا   يذوبْ …
لو  أطلتِ   الصبرَ  يومًا
ما     تعمَّدتِ    الهروبْ
أعطني     يوما    أصلّي
ربَّما      قلبي      يتوبْ
الأبيات  هنا  معظمها  على  وزن  الرمل  والبعض  على  وزن  الرَّجز مع خروج قليل على الوزن في  مطلع القصيدة .
وتقولُ الشاعرة في القصيبدة :
( ” لا  أريدُ   الحبَّ   يبلى
في    دهاليز   السراب
ما   دام   الوقتُ   يفنى
أرجعي   حبَّ   الغيابْ

لا  تسيري  خلفَ  ظنِّي //   في      متاهاتِ     الزَّمانْ
إنَّ   ظنِّي  ليسَ   منِّي  //   وهمٌ   تبدَّدَ   في  المكانْ …
لا  تلومي  الدَّهرَ   فينا  //   واتركي     مرَّ      الكلامْ
أرجعي    حُبِّي      إليَّ   //  فنحنُ  من  خلقَ   الغرامْ …

***********************
تعالي واسمعي  أوتارَ عودي
فوقَ       هالاتِ      الغروبْ
الشوقُ    ينزفُ   من   هوانا
والعشقُ   موطنهُ    القلوبْ…
لا     ترُدِّي    الدربَ    عنِّي
وارجعيِني      في      سكون
قد     جننتُ     في      هواكِ
أو  ربَّما   نصفَ   الجنون …
********************
أحضنيني    عبرَ     شوق
وابعدي     عنِّي      الهموم
الشوقُ      تحملهُ     الليالي
وشوقُ الليلِ  تحملهُ  النجومْ ..
كلُّ  نجم  في  السَّماءِ  مُعَطّرٌ
ينسابُ  من  جوف   الغيومْ
فانظري      لونَ       السَّما
قمرٌ       تلوِّنهُ        النجوم ” )  … إلخ  .

إنَّ معاني القصيدة  مفهومة وواضحة، والقصيدةُ وجدانيّة  وصادقة مترعةٌ ومؤجَّجة   بالأحاسيس  والمشاعر الجيَّاشة  وهي  خارجةٌ من أعماق  القلب والوجدان  وبشكل عفويٍّ  وتلقائي ولا  يوجد ُ فيها  تصنعٌ  وتكلُّفٌ  وتزييف  وتحريف للحققيقة  وللواعج  وللأجواء  الوجدانيَّة  التي تحياها  وتحسُّ  بها الشاعرة .. وهذا  هو الشعرُ الحقيقي والصادق  الخارج من القلب إلى القلب  الذي يدخلُ إلى أعماق ووجدان القارىء  والمتلقي  المتذوق  للشعر والأدب  بسهولة ويؤثر فيه ويتركُ لديهِ انطبعا خاصا . وقد اتفق النقادُ على أن الشعر والأدب الحقيقي  والإبداعي هو الكلام الجيد الذي  يُحدِثُ  في نفس القارىء لذةً  فنيَّة  سواء  كان هذا الكلام  شعرا  أو نثرا… وهذا  ما  ينطبقُ على هذه القصيدة وعلى جميع ما تكتبه الشاعرة المبدعة نادرة  شحاده .وهذه القصيدة تعيدُ إلى أذهاننا  بشكل مباشر روائع  الشعراء الرومانسيين والرومانطيقيين والغنائيِّين  العرب الكبار ، مثل : أحمد رامي  شاعر الشباب  وعلى محمود طه  ومحمود حسن إسماعيل  وشعراء المهجر والشعراء اللبنانيين الكبار، مثل : إيليّا أبو ماضي وجبران خليل جبران وصلاح لبكي وإلياس أبو شبكة  وغيرهم … وبشكل  خاص  يبدو  تأثرها  أكثر  هنا   بجبران  خليل  جبران  وقصائده الرومانسيَّة المُمَوسقة والمترعة بالعذوبة والسحر والجمال اللفظي والمعنوي والتي يكثرُ  فيها التوظيف والتكثيف في وصف الطبيعة وسحرها وجمالها وصمتها وروعتها وأسرارها  ويكون التوظيف لعناصرها لأهداف وقضايا وأبعادعديدة وأهمّها وأجلها الأبعاد الإنسانيَّة وهذا ممَّا وضعَ جبران في مصاف الكتاب والأدباء العالميِّين  وأوصلهُ  للعالميَّةِ وترجمت كتبه إلى معظم  لغات العالم  حيث  لم  يتقيد بموضوع  وقضيَّة  محليَّة آنيَّة ، وكتاباته معظمها تخاطب البشريَّة جمعاء .. هذا بالإضافة إلى أسلوبه الكتابي الساحر  والمميَّز .

وأخيرا:  سأكتفي بهذا القدر من إستعراض القصائد وأتمنى للشاعرة الكبيرة  نادرة  شحادة  المزيد  من  العطاء  والإبداع   الشعري  والادبي  المتواصل وأتمنى أن يصدر لها  قريبا ديوان شعر أو كتاب أدبي .

( بقلم : حاتم جوعيه – المغار- الجليل )

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة