يوم مولدي.. وفألُ اليد الجريحة – بقلم : فيصل اكرم .

فن وثقافة…….
فيصل أكرم – كاتب وشاعر واديب من السعودية …
في الساعة الحادية عشرة ليلاً من يوم الاثنين 2 شعبان عام 1389 هجرية، ولدتني أمي – رحمها الله – في إحدى غرف بيتنا الذي كان في أول حي (المسيال) بمكة المكرمة ولا يبعد عن المسجد الحرام سوى بضع خطوات. كان أبي – رحمه الله – يجلس مع (أشقائي وشقيقاتي) – رحم الله من توفي منهم وحفظ من تبقى – يشاهدون الحلقة الأخيرة من مسلسل (اليد الجريحة) بطولة الراحل رشيد علامة والمبدع عبد المجيد مجذوب.. هكذا أخبروني، أنهم كانوا يشاهدون المسلسل في الغرفة التي تعلو غرفة ولادتي.. كانت أمي فقط مع (الداية) التي تساعدها على ولادتي.. كانت ولادتي متعبة جداً.. قالت الداية (أو القابلة) لأبي فور ولادتي: هذا الولد متعب جداً.. أتعب أمه وأتعبني.. ما كان سيخرج بسهولة رغم صغر حجمه.. متعب متعب.. سمّوه (متعب). قال أبي: نسمّيه متعب.
وعندما أفاقت أمّي – أحب كلمة أمي أكثر من كلمة والدتي – من آلام الولادة، وعرفت باقتراح الداية وموافقة أبي على تسميتي (متعب) صرخت في رجاء: لا حرام.. لا تعقّدوا الولد.. لا تحسسوه بالذنب طيلة حياته وهو يحمل هذا الاسم ويتذكّر أنه أتعبني.
وافقها أبي وسألها ماذا تقترحين له اسماً؟ قالت: نسميه على اسم الملك.. وكان الملك اسمه فيصل.. فكان اسمي أنا فيصل.
في الصورة المرافقة لهذا السرد الحميم، كنتُ في الخامسة من عمري، وكانت هذه الصورة من أجل إدخالي إلى المدرسة.. ربما كنتُ أسعد ولد في العالم لحظة التقاط هذه الصورة، ولكن.. بعدها بأيام قليلة تحقق فألُ مسلسل (اليد الجريحة) وكُسرت يدي اليسرى كسراً لا أزال أعاني منه حتى اليوم.
ومنذ ذلك الكسر انكسرت الدنيا كلها في وجهي، فالحيّ الذي كنا نسكنه تم إخلاؤه بالكامل من أجل توسعة المسجد الحرام، وبدأت سلسلة الكسور والجروح والفقدان تلو الفقدان..
(مداخل إلى ذلك في كتابي “سيف بن أعطى” الصادر عام 2007 في طبعته الأولى، وربما يصدر في طبعة جديدة لاحقاً)
لا أجد ما أقوله في هذا اليوم .. يوم مولدي بالتاريخ الهجري سوى الترحُّم على أمّي وأبي وأختي وأخي.. والترحُّم على بيتنا وشارعنا وحيّنا وجيراننا الذين أصبحوا مجرد ذكريات..
عرفتُ مذ ذاك الحين فألَ (اليد الجريحة) وعرفتُ لاحقاً فأل يوم (الاثنين) وتاريخ 2 من شهر شعبان.. وسرّ الساعة (الحادية عشرة) – قبل الأخيرة؛ فقد كان ترتيبي سيصبح (قبل الأخير) في سلسة أشقائي وشقيقاتي (إذ كنا سنكتمل عشرة) لولا أن شقيقتي الصغرى ولدت (ميتة) فأصبحتُ أنا الأخير أنتظر قبلاً لا يعود (..) فقد كتب الله عليّ أن تكون صفة (الاثنين) والرقم الزوجي (2) حلماً أسعى لتحقيقه كل عمري وأفشل. لأن الفأل كان يصوّب حياتي دائماً نحو الوحدة.. الرقم (1).. حتى إن وضعت إلى جانبه واحداً آخر فسيكون (11) لا (2) وينفصل (1) عن (1) بكل سهولة لأعود برقمي (1) كما أنا، أينما رحلتُ وأينما حللتُ في حياتي التي كلها غربة واغتراب بعيداً كل البعد عن مكان مولدي ومقابر الراحلين من أهلي. فأنا رقمٌ فرديّ (1) وأعيش (وحدي) أتطلع إلى كل (اثنين) بأطيب التمنيات لهما، وأبتلع الغصّة متعايشاً مع الحسرة التي اعتدتُ عليها.. حتى صرتُ لا أتذوّق غيرها طعماً لهذه الحياة.. الدنيا.
فقد عرفتُ المقصود بالاثنين (أنا، ويدي الجريحة) ولا غيرنا؛ في صحبة وتفاعل أبدييّن.
أهلاً بك أيها الثاني من شعبان، ها أنا وحدي كما عهدتني، وبإمكاني أن أشاهد الآن الحلقة الأخيرة من (اليد الجريحة) – على يوتيوب – ولكنني لن أفعل.. يكفيني فقط أن أنظر إلى صورتي قبل كسر يدي.. ثم أنظر إلى يدي.. الجريحة الوفية.. ثم أنظر إلى تسعة عشر كتاباً عشتُ لأكتبها.. وحيداً رغم أني مولودٌ فيكَ أيها الثاني من شعبان.. وبيدٍ تعمل رغم أنها هي (اليد الجريحة).. التي ظنّ أهلي أن حلقتها الأخيرة كانت في يوم ولادتي.
فكلّ عام وأنتَ بخير أيها (الثاني) من شعبان.. كلّ عام وأنتِ بخير أيتها (اليد الجريحة).. وكلّ عام وأنا ويدي نتذكّركما بكثير من الحب، والألم، والحسرة، والاعتزاز.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة