وأخيرا…وجدنا عاقل في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية !! بقلم : محمد خضر قرش

اراء حرة ….
محمد خضر قرش – القدس …
الخطاب غير العادي وغير المألوف والغريب والشديد اللهجة والاستثنائي وربما غير المكرر الذي ألقاه الميجر جنرال يائير جولان نائب رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي بمناسبة ما يسمى بذكرى يوم المحرقة ،كشف عن عمق الأزمة الداخلية والنفسية وقبلهما الأخلاقية في المجتمع الإسرائيلي ككل.فحينما يقول الرجل الثاني في تسلسل القيادة العسكرية الميدانية بأنه ” يرى في إسرائيل اليوم عمليات شبيهة بتلك التي حدثت في أوروبا قبل المحرقة” فهذا يعني بكل بساطة أن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو التطرف والانعزال عن العالم.فهو يقول بحكم العارف والمدرك للمخاطر التي بدأت تتفشى في المجتمع الإسرائيلي وانتقلت إلى المؤسسة العسكرية أن القسوة واللامبالاة تجاه من هم خارج التيار السائد في المجتمع الإسرائيلي آخذه بالازدياد والتوسع، مما  دعاه إلى المطالبة بضرورة “إمعان النظر” حول كيفية تعامل المجتمع مع المحرومين و”الآخر” فيه.والمقصود بالأخر هنا أصحاب الأرض الفلسطينيون. فهذه الجرأة غير المسبوقة في نقد حركة انحدار وانحراف المجتمع الإسرائيلي والتي في حال استمرارها على هذا المنوال والاتجاه فأنها لا بد أن تتجه نحو التطرف والفاشية الأخت الشقيقة للنازية. فحينما تستهتر أغلبية المجتمع الإسرائيلي بأرواح البشر وخاصة الأطفال والفتيات والنساء الحوامل ويتم إعفاء القتلة من المساءلة والخضوع للتحقيق وتحويلهم إلى المحاكم لينالوا الجزاء العادل الذي يستحقونه جراء ما اقترفته أياديهم الممسكة بوحشية وحقد وكراهية على زناد بنادقهم المطلقة للنار على صدور الأبرياء الفلسطينيين بلا وازع من ضمير أو خشية من احد، فلا يمكن أن ينتج عن هذه السلوكيات العدوانية سوى التوغل والتوحش والتطرف الذي بدأ يغزو وينتشر في مجمل مكونات المجتمع كله مما يضع الإسرائيلي اليهودي وخاصة المستوطنين وممثليهم فوق كل القوانين والمحاسبة والمساءلة مما سيولد ويؤسس حتما للعمليات الشبيهة بتلك التي حدثت في أوروبا قبل المحرقة كما يقول العسكري العاقل يائير جولان. فالمحرقة  وفقا له ينبغي أن تدفع الإسرائيليين إلى “تفكير عميق” ليس بطبع الإنسان فقط،بل بطبعهم أيضا (الفلسطينيون ) لذلك يجب “أن يدفعنا ذلك للتفكير عميقا بمسؤولية القيادة وجودة المجتمع ”.وأضاف “إذا كان هناك شيء يخيفني في ذكرى المحرقة فهو بالتأكيد العمليات المروعة التي حدثت في أوروبا قبل 70و 80 و90 عاما وإيجاد دليل على وجودها هنا بيننا، اليوم، في 2016 وهذه هي الخطورة كما يعتقد جولان”.وتابع بلغة الملم والمطلع عما يجري في المجتمع الإسرائيلي “لا يوجد هناك أسهل من كره الآخر، لا يوجد أسهل من رفع المخاوف وزرع الرعب. لا يوجد أسهل من أن يصبح الإنسان قاسي القلب وفاسد أخلاقيا ومنافقا.فالمحرقة حسب تعبيره “يجب أن تكون يوما وطنيا للتأمل.ولم يتوقف جولان عند هذه العبارات فحسب بل عرج على كيفية مواجهة الموقف فيقول” على إسرائيل أن تسأل نفسها حول الطريقة التي تريد فيها تحقيق هدفها باعتبارها منارة للأمم حسب قوله !! وأردف متابعا “فقط ذكرى من هذا النوع ستكون بمثابة نصب تذكاري حي ويتنفس لشعبنا، نصب تذكاري مناسب، نصب تذكار حقيقي”. ثم ينتقل إلى المعزوفة المشروخة التي ما فتئت تتردد باستمرار على لسان المسؤولين الإسرائيليين حول الأخلاقية العالية التي يتمتع بها جيش الاحتلال ناسفا هذه المقولة من أساسها بقوله” هناك عيوب أخلاقية داخل الجيش الإسرائيلي بدأت تلمس. فقوة الجيش الإسرائيلي كانت بقدرته على إجراء تحقيق شامل ومعاقبة المخطئين، “وتحمل مسؤولية الجيد والسيئ” من دون تبرير أفعالهم أو محاولة تغطيتها”. وختم تصريحه الجريء بقوله “نؤمن حقا بعدالة طريقنا، ولكن ليس كل ما نفعله هو عادل (…) طريقنا كانت وستظل طريق الحق!! وتحمل المسؤولية، حتى لو كانت الحقيقة صعبة والمسؤولية ثقيلة”.
هل هناك بداية تغير ؟
ردود الأفعال المتشنجة والمستنكرة التي أطلقها رئيس  حزب البيت اليهودي نفتالي بينيت والتي طالب فيها غولان بالتراجع فورا عن تفوهاته وخاصة “مقارنته الجنود الإسرائيليين بالنازيين” مما أحدث صدمة لديه وكذلك فعلت وزيرة العدل المنتمية لنفس الحزب وطالبته بالتراجع عن تصريحاته. ومقابل ردود الفعل المتطرفة المنوه عنها ، رحب يتسحاق هرتزوغ زعيم حزب العمل بالتصريحات.وما يعنينا كفلسطينيين هو: هل تشكل تصريحات نائب رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي بداية تغير في تعليمات إطلاق النار بدم بارد على المدنيين الفلسطينيين عقب كل عملية دهس أو طعن؟ من السابق لأوانه الإجابة على هذا السؤال. لكن من الأهمية بمكان الإشارة إلى ما يلي:
1-  تصريحات جولان جاءت بعد ملاحظات نقدية قوية أطلقها رئيس الأركان إيزنكوت نفسه حول ضرورة عدم إطلاق النار على الفلسطينيين الذين لا يشكلون خطرا على الجنود أو بعد ما يتم تحييد الشخص،  لكننا بعد ذلك رأينا قيام جندي متعصب ومتطرف بإطلاق النار من المسافة صفر على الجريح الفلسطيني الملقى على الأرض عبد الفتاح الشريف مما أدى إلى مقتله أمام أعين العالم كله وفوق هذا لم يحاكم أو يفتح تحقيق معه، ونفس الشيء حدث عقب عملية الدهس التي تمت بالقرب من قرية عين عريك الأسبوع الماضي.
2- حتى تاريخه لم نسمع أو نقرا أي تعليق أو تعقيب صادر عن وزير الدفاع الإسرائيلي ورئيس الوزراء حول تصريحات نائب رئيس الأركان.
3- لا بد من الانتظار قليلا لمعرفة موقف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من تصريحات الرجل الثاني فيها
4- لم نعتد في السابق نتائج ملموسة لتصريحات المسؤولين الإسرائيليين سياسيين كانوا أم عسكريين.
5- لم يناقش المجلس الوزاري المصغر تصريحات نائب رئيس الأركان رغم أهميتها وخاصة بعد ردود الأفعال عليها السلبية خاصة
6- اكتفاء المستنكرين والمعارضين لتصريحات جولان مطالبته بالعودة عنها فحسب فلم يطلب أحد بعرضها أو بحثها في اجتماع مجلس الوزراء.
من الواضح لنا انه ليس من مصلحة الحكومة والوزراء المعارضين لأقوال نائب رئيس الأركان توسعة دائرة الأخذ والرد في هذا الوقت بالذات سواء بسبب المستجدات في قطاع غزة أو خشية من تفاعلاتها داخل  المؤسسة العسكرية التي كانت غالبا ما تدافع عن جنرالاتها، وبالتالي فأن حزب البيت اليهودي ليس بمقدوره مواجهة المؤسسة العسكرية خاصة وان ردود الأفعال المستنكرة انحصرت في حزبه بشكل أساسي  دون غيره من الأحزاب ذات الوزن والأهمية حتى الآن على الأقل, وكنتيجة فأنه من المستبعد أن تترجم تصريحات نائب رئيس الأركان ميدانيا ،لكونها تتضمن كيفية تعامل الحكومة الإسرائيلية والمجتمع مع المحرومين والآخر (الفلسطينيون) كما تشتمل على ضرورة “التفكير العميق” ليس بطبع الإنسان فقط،بل بطبع الأخر أيضا. وبغض النظر عن أية ردود أفعال قد تصدر ،فإن نائب رئيس الأركان قد اقترب كثيرا بل قد اقتحم وتجاوز الخطوط الحمراء والمعاصي التي بدأت تتفشى في المجتمع الإسرائيلي والأخذة بالاتساع والانتشار لدى قطاعات واسعة في المجتمع. فهو يقول لا يوجد هناك أسهل من كره الآخر، لا يوجد أسهل من رفع المخاوف وزرع الرعب. لا يوجد أسهل من أن يصبح الإنسان قاسي القلب وفاسدا أخلاقيا ومنافقا ويختتم تصريحاته  بالنفاذ إلى المحظورات بقوله أن الجيش الإسرائيلي ليس خاليا من العيوب الأخلاقية والتي بدأت تلمس على نطاق واسع، فالجيش بات يبرر أفعال المخطئين ويغطيها ويدافع عنها مما أثار ردود أفعال عالمية كثيرة على المؤسسة العسكرية في مواجهتها للمدنيين الفلسطينيين العزل. لكن بالنهاية فتصريحات جولان قد تشكل نقطة تحول في المؤسسة العسكرية مستقبلا ليس من جهة المواجهات مع الفلسطينيين ولكن باتجاه الضغط للاقتراب من التسوية السياسية وكيفية تحقيق الأهداف. ما أدلى به نائب رئيس الأركان خطير في مضمونه ونتمنى أن نلمس نتائجه.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة