الألَم واللغة، بحثا عن كتابة إبداعية..، أملِ الأوجاع ! بقلم : حمودان عبد الواحد

دراسات …
بقلم : حمّودان عبدالواحد، كاتب عربي وأكاديمي من فرنسا
نقلت وسائل الإعلام العربية وشبكات التواصل الاجتماعي بتاريخ 18 فبراير 2016 خبرَ انتحار شاب سوري في مصر حزنًا على بلاده. انتابت هذا الشاب (محمّد كمال سيف الدين) حالةُ اكتئاب شديدة بعد فقدان أسرته بسبب سوء الأحوال الأمنية التي تعاني منها سوريا فتناول عقّاراً سامّاً أهلك أحشاءَه ودخل في حالة إعياء كبيرة ثم فارق الحياة.
وتهاطلت التعليقات !  العربية طبعا ! ونصّب الكثيرُ من أصحابها أنفسَهم آلهة وقضاة يصدرون أحكاماً قاسية وبليدة على الطريقة (الانتحار) التي وضع بها الشاب السوري حدّاً لحياته. وكان من بين ما “عيب” عليه أنه ليس بهذا التصرف تُحلُّ المشاكلُ وتوضعُ نهايةٌ للحروب، وأنّ الذي يقتل نفسه يدخل النار.
أمام مأساة وألم محمّد كمال سيف الدين نجد أنفسَنا أمام مأساة وألم سوريا في مجملها، بل ومآسي وآلام العالم العربي برمّته، فنحزن ونتألّم. لكن نزداد ألماً ونحترق حزناً فنقف مشدوهين حيارى أمام غباء وسخافة التعليقات الفارغة والخارجة عن الموضوع.
الموضوع الحقيقي الذي يفرض نفسَه هنا، والذي تكلّم عنه بقوّة وغضب ووجع شديد الكاتب اللبناني الكبير إلياس خوري في  مقاله المتميّز ” كيف حالكم مع الانحطاط؟ ” هو ” علينا أمام الألم أن نتعلّم كتابة الألم  !”. يالها من فكرة وياله من موضوع   ! رؤية عملاقة أن يفكّر المرء في تناول ظاهرة الألم وموضوع تعلّم الكتابة أمام حالةٍ نفسية إنسانية وهي في ذروة التوتّر ودهاليز التأزّم وقاع الجحيم !إنّه موقف إنساني وحضاري شامخ، بل مشروع فني وفلسفي عظيم. لو استطاع أحدٌ منّا أن يعرف كيف يكتب (عن) الألم فإنّ فعل الكتابة قد يدخل عالمَ المعجزات أو المستحيلات الممكنة. قد يتحوّل الانسانُ في هذه الحالة من فردٍ يكتب إلى بطلٍ مخلّص للبشرية بأكملها لأنها، وهي غارقة في محنة الوجود، لا تعرف كيف تعبّر عن آلامها لا كلاماً ولا كتابة، علماً بأنّ الهروب من الناس والابتعاد عن المجتمع، وطلب الوحدة واللجوء إلى الصمت، وأحيانا الانتحار، هو اللغة التي يستغيث بها غالباً ضحايا الظلم للتخلص أو التخفيف من حدة آلامهم وشدة أحزانهم ومآسيهم. وحتى الظالم القاتل والهمجي المدمِّر والمستبدّ الذي يعطي لنفسه حق الحياة والموت على الناس، حتى هو يتألّم ويتصارع في كلّ لحظة من حياته مع الأرق والخوف والضيق، ولكمات الوعي ووخز الضمير. لكن، قبل كلّ شيء، عن أيّ ألم يتعلّق الأمر هنا على وجه التحديد ؟
الكتابة في حدّ ذاتها معاناة كبيرة، ظاهرة تشبه في العديد من أوجهها مخاضَ الولادة المصحوبَ دائما بالألم وأشواكه ولدغاته الموجعة. فكيف للكاتب، والكتابة في طبيعتها تجربة صعبة للغاية لا تخلو من ألم، أن ” يتعلّم ” كيف تكون كتابتُه صوتا أو ترجمة أو وصفا أو حكيا للألم ؟ بمعنى آخر، ألا يمثّل الألمُ في الكتابة، سَلفاً، الشرطَ الرئيسي لنجاحها أو تحقيقها على وجه يليق بها ككتابة على أقلّ تقدير ؟ ثم، من سيقبل أن يرمي بنفسه في كتابةٍ تشبه إلى حد بعيد المغامرة بمزالقها وأخطارها ومتاهاتها ؟ بعبارة أخرى، من سيكون قادراً على أن يقترب بنفسه، بزيادة ألمِ الآخرين فوق ألم الكتابة، من شدق الألم المتضاعف المتوالد اللانهائي والمرهِق الرهيب ؟
أسئلة أخرى تفرض نفسها بالمناسبة: هل لابدّ من آلام الآخر حتى نكتب؟ هل الإحساس بمصائب الآخرين إلى درجة سقوط الدموع واقشعرار الجسد والروح معاً، شرط لازم للكتابة أو للتفكير في تعلّم آليات كتابة الألم ؟ إذا كان الألم أشكالا وأنواعا ودرجات، وإذا كان المرضى والمصابون بالنوائب والفواجع، وضحايا الحروب والمنتهَكة حقوقُهم الإنسانية ..، يعانون من ألم حقيقي بمعنى أنه واقعي مادي ملموس ونفسي كذلك، فإنّ الكتاب من أدباء وشعراء وفلاسفة ومفكرين، ممّن يكتبون ويفكّرون في هذه الأوجاع المادية-النفسية يعبّرون عموما، حسب ما يبدو، عن ألم معنوي أخلاقي.
ويحقّ لكلّ من لا يفهم هذا الألم الأخلاقي أن يتساءل عن طبيعته ودواعيه ومعناه: هل ألم من يكتب عن الألم هو ألم فعلي ” صادق ” نابع من صلب التجربة الشعورية للكاتب ؟ أم أنه ألم مفتعَل ومصطنَع أي ألم مهني تفرضه على الكاتب طبيعةُ العمل أو النشاط الذي يُعرَف ويتميّز به ككاتب إن أمكن القول ؟ وتبعا لهذا، ألا يمكن النظر إلى ظاهرة الكتابة عن الألم عند الكثير من الأدباء، وعند محترفي الكتابة كنوع من البحث عن ” المعادل الموضوعي والفني ” للألم الحقيقي، المادي والنفسي والعقلي، الذي يعاني منه في أرض الواقع ضحايا العنف والحرب والعدوان والظلم ؟
كثرة الأسئلة حول موضوع الألم وكتابة الألم تبرّرها طبيعة العناصر المكونة له والعلاقة القائمة بينها( الألم والكتابة وكتابة الألم)، وهي علاقة عويصة شائكة بل وخطيرة يمكن أن توصفَ ب ” الهاوية ” لأنها قد تورّط من يُقدم على حشر قلمه في أوديتها السحيقة فيجد نفسه تائها ضالا ينشد الطريق والنجاة، لكن لا من مخرج أو مجيب.
وكيفما كان الحال، يبقى أنه انطلاقا من ثلاث حقائق: من ماديّة أو واقعية ألم الضحايا، ومن تقمّص الكاتب أو تمثّله لهذا الألم الفعلي والتضامن مع ضحاياه، ومن عمق تجربة الكتابة باعتبارها معاناة ومخاضا وصراعا مع قيود اللغة وعناد الكلمات وصعوبة البحث عن الأفكار ..، ينبثق، فنّياً وإنسانيا، الصوتُ الطافح الممتلىء بأصالته، المتميّز ب ” فرادته “، المتكلّم بنفسه – اِلتزاماً وشموليةً واتحاداً – عن تجربةٍ أصبحت تجربتَه وعن ألمٍ تسمح له ” كثافتُه ” أن يذهب في ثلاثة اتجاهات. أوّلا، ألم الضحايا المعنيّين مباشرة بالمآسي التي حلّت بهم. ثانيا، ألم كلّ من لمس في الكتابة التي تعبّر عن ألم الضحايا المباشرين نوعا من الشبه أو التقارب مع تجربته الخاصة فيلحق بها مستعيناً بها ومتّحداً معها. ثالثا، ألم الكاتب نفسه، موضوعيًا وذاتيًا. وهذا الصوت المكتنِز المكثّف بالألم فنّيا وإنسانيا يسجّل نفسَه في إطار ما يحرّكه أي التضامن مع ألم الضحايا والتعبير عن وحدة الألم الذي يتحوّل، من إحساس فردي، إلى حالة شعورية شمولية. وهو صوتٌ لا يغيب عنه الهدفُ الأسمى الذي يدعو له ويسعى لتحقيقه، أي إنتاج قيم الإنسانية، من حق وعدالة وكرامة وحرية الأفراد والشعوب، التي يمكنها مواجهة الانحطاط، حسب إلياس خوري.
نعم ، لن نقدر على محاربة  آلة الانحطاط المدمّرة القاتلة ومنعها من التقدم ، وإحباط مشاريعها وأهدافها الهمجية إلا بإنتاج قيم الإنسانية هذه. وهنا يكمن التحدي الرئيسي، التحدي الوجودي العربي، التحدي الإنساني الكوني.
الألم ممزوج بالغضب، الألم مصحوب بالرغبة في فعل شيءٍ ما يساهم في محاربة أنظومة الانحطاط وأسلحته المدمّرة القاتلة، الجاهلة المتزمّتة المتغطرسة، هذا هو حال الكثير من أبناء الوطن العربي داخله أو خارجه. لكن هل بالألم والغضب وحدهما، معزّزيْن بالرغبة في مساعدة ” المعذبين ” الرافضين للموت والفناء، والتضامن مع المتعلِّقين، رغم التعاسة وسوء الحظ، بكرامتهم، نستطيع إنتاجَ القيم الإنسانية الكفيلة بمواجهة أنصار الانحطاط ، وتعرية المستفيدين من شروره وسمومه ؟
أمام هول المأساة التي تضرب دون رحمة أبناء سوريا وأوطان أخرى في المنطقة العربية والإسلامية مثل العراق، نجد أنفسنا في قلب دواماتِ أربع علاقاتٍ على الأقل ذات أبعاد نفسية وفكرية وثقافية وتاريخية وإنسانية عديدة وخطيرة. أولا، أنا ونفسي: علاقة مواجهة دائمة، علاقة نفور وصدام، علاقة معقدة يمكن صياغتُها في عبارة ” إشكالية الذات ” أي وقفة الذات أمام أو مع نفسها.  ثانيا، أنا وسوريا وأخواتها في الألم وكثرة الضحايا والخراب كاليمن وليبيا على سبيل المثال : علاقة القارىء بالخبر، علاقة المفكّر بموضوع تفكيره، علاقة المتفرّج على مسرحِ أحداثٍ وواقعِ حربٍ وتشتيتٍ وتمزيق وتهجير. ثالثا، أنا والعرب عامة، والمسلمون والإسلام خاصة : علاقة الذات بهويتها الثقافية والجغرافية والروحية القريبة، علاقة أُسريّة أو عضوية تأسّست بفعل التاريخ والميلاد والتربية والتعليم والتقاليد وطريقة التفكير، لكنها علاقة جدلية إذ هي موضع تساؤلات وانتقادات وأبحاث وصراعات. رابعاً، أنا والغرب بثقافته وتصوره للعالم والآخر عامة، وبسياسته الخارجية اتجاه الشرق العربي خاصة: علاقة هي الأخرى ديالكتيكية، غير أنها علاقة إعجاب وخيبة أمل، علاقة انجذاب واحتكاك وإحباطات.
ونلمس من خلال التجربة داخل كلّ علاقة من هذه العلاقات دوائرَ الانحطاط في تكاثر وتوسع ، وفي كلّ وقفة أمامها نحس بالألم لأننا لا نقبل ولم نسلّم يوما ما ولن نستسلم أبداً إلى واقع الانحطاط – بأقنعته وحيله المتعدّدة – الذي نجح إلى حدّ ما، منذ قرون، في خنق الزمن العربي وتجميد شرايين الحياة فيه، وسدّ كل الطرق التي يمكنها أن تقوده إلى الانعتاق والتحرر من قيود الذل والقهر والاستبداد، والجهل والتخلف، وكلّ ما مِنْ شأنه تكريس غباوته وغفلته أو استغلال طيبوبته وسذاجته.
وهذه العلاقات التي نجد أنفسنا بين شقّيّ رحاها متألّمين غاضبين وراغبين أيضاً هي، في العمق، علاقات تبقى جميعُها، جزئيا أو كليا، غير واضحة المعالم، بل تبدو لنا أحيانا – في غياب ضبط علاقة أخرى مصيرية هي ” علاقتنا باللغة ” – متجاوِزة لنا بوضعنا على هامش الوجود. لهذا يجب، في  وقفتنا أمام الذات والآخر، أمام مَواطن الألم وأسبابه ومظاهره، أن نكون قادرين في ” علاقتنا باللغة ”  على استيعاب العناصر المكونة لرصيدها الثقافي والديني، والسياسي والإيديولوجي، والتاريخي والحضاري. ولا بُدّ، في نفس السياق، في محاولة اقترابٍ واحتضان لإمكانيات التعبير والإبداع في اللغة، من الوقوف على منابع القوة والدقة والعمق، والجدّة والأصالة والجمال في أساليبها وصورها ومعانيها.
هذه العلاقة مع اللغة تعني قبل كل شيء رفضَ استعمال الألفاظ والعبارات والأساليب الجاهزة التي لها صلة بموضوع الآلام والأحزان والمآسي التي ترافقه. إنّ المصاب بالفواجع المؤلمة يعيش تجربة شخصية خاصة به، لهذا لا يجد في الأمثال والحكم والأبيات والأدبيات التي تزخر بها كتبُ الشعر والنثر، والفلسفة والفن حول مآسي الإنسان في الحياة وعذابه في الأرض ما يمكن أن يعزّيه أو يخفّف من آلامه. أن نختار للتعبير عن تجربتنا الشخصية مع الألم كلماتٍ وصيغاً وُضِعت في الأصل بعيداً عنّا وبدوننا تلبيّةً لحاجاتِ غيرنا في مواجهته لآلامه وتعاسته لَشيءٌ مرفوض قطعاً !
لنتصوّر، مثلا، تجربة الألم الناتج عن فقدان فرد من أفراد الأسرة كابن أو ابنة. هل يليق بنا أن نستنجد بمرثية ابن الرومي في ابنه محمّد ونكرّر معه : بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي/فجودا فقد أودى نظيرُكما عندي… حتى نكون بذلك قد عبّرنا عمّا نعاني منه في أعماق حياتنا النفسية والعصبية اتجاه الموت وألغازه ؟ هل سنلجأ لقصيدة فيكتور هيكو المشهورة ‘ غداً وابتداءً من الفجر..’ التي يصف فيها حزنه ووضعيته الوجودية المتأزمة المتأمّلة وهو يخرج في الصباح الباكر قاصدا زيارة ابنته في قبرها : غدا عندما يبيضُّ الريفُ بضياء الفجر، سأخرج لاني أعرف أنكِ تنتظرينني وسأمرّ بالغابة والجبل لأني لا أستطيع أن أبقى بعيدا عنكِ لمدّة طويلة … سأمشي … حزينا لا أفرق بين النهار والليل … حتى نستطيع تصوير مناجاتنا التخيّلية النابعة من عمق أحشائنا ؟ هل من أجل وصف الآثار النفسية الناتجة عن الحالة التي يوجد عليها من يتألم بشدّة ولا يجد من يواسيه أو يخفّف عنه من حدّة الأحزان، سنجري وراء الكاتب التشيكي ميلان كونديرا لنقتبس منه قولته السيّارة : عندما يكون الألم حادّاً، يتلاشى كلّ شيء أمامنا ونبقى وحيدين مع أنفسنا… ، وهي تعبّر في الحقيقة عن شيء عادٍ وعام يعرفه ويشعر به كلّ من جرّب وذاق مرارة الألم والأسى؟ هل سنردّد مع الشاعر العراقي المرموق بدر شاكر السياب في حالة الألم الآتي من المرض العضال- الذي أودى بحياته – ما جادت به عبقريتُه الشعرية في تجربة فريدة وأصيلة تتعلق به وحده :
لك الحمد مهما استطال البلاء / ومهما استبدّ الألم / لك الحمد، إنّ الرزايا عطاء
أم أنّنا سندقّق الحس ونرهف الشعور ونشعل الكلمات واللغة بوقود آلامنا الخاصة وتجربتنا الشخصية فنبدع حقاًّ – في خشوع شبيه بالصلاة وطقوس العبادة – التعبير الغنائي الوحيد الكفيل بنا، روحا وفكرا وأسلوبا وتصويرا، على أن نكون في مستوى التعبير بأصالة وجدّة عن معاناتنا ومأساتنا ؟
الكاتب الحقيقي هو الذي يعبّر بكلماته عن أحاسيسه ووجدانه. فكما أن تجربته مع الألم هي تجربة فرديّة خاصة تنبع من واقعه المعاش، وتأخذ شكلَها ولونَها، وعمقها وإيقاعها من عالم مشاعره ورؤيته الذاتية للموت والحياة، والخير والشر، والسعادة والشقاء، والألم واللذة، فكذلك تكون كتابتُه عن الألم والعذاب والأوجاع أي كتابة تختار كلماتها بما يتناسب والتجربة الشخصية بحيث تكون صدى أو ترجمانا لها، لا نقلا لما قيل عن ظاهرة الألم في الشعر والادب والفلسفة، أو تقليداً لكتابات الآخرين حول نفس الموضوع.
بهذا المعنى يكون تعلّم كتابة الألم شيئا له صلة وثيقة بنوع التجربة الشعورية – النفسية، والبحث عن لغة جديدة يكون بإمكانها تقديم ” تجربة الألم الشخصية ” في تصويرٍ أو وصف أو سرد يستمدّ خصائصه ومميزاته من عمق وصدق الكلمات، وأصالة الأسلوب وفرادته. الكلمات هنا ليست مدادا يُكتبُ بحبر على ورق، أو أشكالا تخطّطها أيادٍ تحترف الكتابة كصناعة أسلوبية وجمالية، وممارسة تركيبية وعقلية. الكلمات لمّا يتعلّق الأمرُ بتجربة الألم الشخصية، أكانت مادية أم نفسية أم أخلاقية، هي كائنات حية من لحم ودم، تتنفّس وتتنهّد، تتأوّه وتدمع وتزفر، تقلق وتغضب وتصرخ، تتمرّد وتثور. كلمات الألم لها واقع يمتدّ بعيدا في متاهات الروح وانتفاضات الجسد، ولها جذور في دروب الفكر والذاكرة والوجدان.
صحيح أنّ كلمات الألم كلمات شقيّة وموجعة، وأنها كلمات حزينة تطغى عليها ضروبٌ من الأسى وفنونٌ من الاضمحلال والحنين تضفي عليها آثاراً خفيفة من الجلال والجمال، ويمكن أن تنزع إلى الانفراد والتقوقع على الذات، وتلبس معطفاً شبيها بلباس الزاهدين ومسوح الهاربين من الدنيا وهدير طواحنها، كما يحدث لها أن تتخذ ملامح الشاكين الباكين، اليائسين المتشائمين، النافضين يدهم من وحشية الإنسان وطغيانه وجبروته. كلّ هذا صحيح وممكن، لكن كتابة الألم يمكن لها بالتوازي أن تعبّر عن رؤية بيْنيّة فيما يخصّ معاني التجارب الموجعة، وقد تؤدّي إلى استخراج عناصر إيجابية من صلب الأذى والشر. كتابة الألم هنا قد تقود- إذا كان أسلوبُها عميقا وقويا، وكانت أفكارُها نافذة- إلى اتخاذ موقف متفائل من الحياة، والثقة بقدرة الإنسان على التغيير وتحسين نفسه وأوضاع إخوته من بني آدم على الأرض، وبناء حياة جديدة على أنقاض الخراب والتمزيق والتشتيت، وانتزاع الابتسامة والبهجة، ولو بعد أقصى جُهدٍ وعناء، من صميم الرماد والحريق والنار.
لا نعتقد، كيفما كان نوع الألم، أنّ فيه لذة. في عالم الضحايا، الألم واللذة نقيضان، والألم عدوٌّ لدودٌ للراحة والاستقرار والهناء. أمّا في ثقافة المستبدّين والمستغلّين المستعدّين للدفاع عن سلطتهم ومصالحهم بكل الوسائل، فالأمر مختلف. سعادتهم وجوْدة الحياة التي يحرصون عليها كامنةٌ في مدى إلحاق الضرر بالناس وخلق المشاكل لهم. إنهم يتلذّذون بآلام الآخرين ويتغذون بأحزانهم، ويبنون إمبراطوريات المال والنفوذ والهيبة، والمتعة والشهرة والامتيازات بدماء الضعفاء من الأطفال والنساء والشيوخ، والأبرياء البسطاء من البشر الحالمين بلقمة عيش عادية وحياة كريمة.
في وجه هؤلاء، مِمن يرقصون على آهات المتألمين ويمرحون برش الملح على جراح المقهورين والمضطهدين والمظلومين، يجب علينا- نحن الضحايا والكاتبين عنهم – أن نظل متمسكين بإنسانيتنا، أن نردّ على سياسة الحرق والقتل والتهجير بتعلقنا أكثر فأكثر بحريتنا وممارسة حياتنا بكرامة. وعلى ساسة الموت وقادة التدمير أن يتأكدّوا من أننا ما زلنا أحياءً، ولنا وعي أكثر مِمّا مضى بأنّه لا خيار لنا إلا أن نمارس وقفتَنا في الوجود بصمود وإباء وكبرياء. كم تغلّبنا، والتاريخ كما الحاضر يقدّمان شواهد عديدة ورائعة على ما نقول، على آلامنا واستطعنا أن نهزم مآسينا بصبرنا، وكم من دروس تعلّمناها وألغازٍ استطعنا فكَّها في الحياة بفضل تجربتنا مع الألم فوجدنا –في مفارقة عجيبة ولكن بعد مشقة الأنفس- للعذاب عذوبة وللمرارة حلاوة ! وفي تغلّبنا على الألم انتصرنا على عقيدة العنف وأحبطنا خطط الشر فانتشت أرواحُنا بلذة تكاد تكون أسطورية واقتربنا أكثر فأكثر من أنفسنا وإنسانيتنا. إنّنا لسنا فقط ما زلنا طرفا في المعادلة،  بل إنّ وزننا يزداد ثقلا إلى درجة أنه يقلق الطغاة ويسبّب لهم يوميا كلّ أنواع الأرق والاختناق والضيق والتعب.
نعم، أمام الألم علينا أن نتعلّم ” كتابة الألم “، لأننا إن نجحنا في هذا الامتحان العسير فسوف نفاجىء الأعداء وسفاكي الدماء، والعالم أجمع، وربّما الضحايا أيضاً، بأنّ هذه الكتابة هي في الصميم ” كتابة الأمل ” .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة