هجرة النفس – قصة : عثمان بالنائلة

القصة …..
بقلم  : عثمان بالنائلة – المغرب …..
قضي الأمر وعلم بموعد رحيله. كان قد أعدّ حقيبته ولم ينس أن يدسّ علب السجائر بين أدباشه. كان طيلة اليوم ينتظر اتّصال صديقه رفيق. فلم تقرّ عينه إلّا لمّا رنّ جرس الهاتف فهرع إليه وقد تبدّدت هواجسه في لحظة وانقضى توتّره. فبدا على وجهه الارتياح عندما سمع صوت رفيق يقول: «استعدّ فالموعد الساعة العاشرة ليلا بالبيت المهجور الّذي لا يبعد سوى بضع أمتار عن الشاطئ». فأجابه مسرورا: «عجبا يا رفيق ألم يحدّد المكان آنفا ففيم إصرارك على تذكيري به». فقال له صديقه هازئا: «ليس الحرص من العيب في شيء. المهمّ هوأن تأتي في الموعد. فإلى لقاء قريب».
أنهى المكالمة فأحسّ بقشعريرة تسري في جسده. لم يدرك كنه ما يشعر به. أهوالضيق من قرب موعد سفره أم خوف قد بدأ يتملّكه لخطر توجّس منه. لقد حلم منذ بضع سنين بهذا اليوم وهذا الرحيل. كان يرى في هروبه بداية جديدة. نعم كان يدرك أنّ ما يقبل عليه هوسفر غير آمن. سفر للمجهول قد يفتح بين يديه أبوابا موصدة. أوبالأحرى هذا ما وطّن عليه نفسه. فألف الاستكانة إلى رأي صديقه رفيق. إذ لا تجمع بينهما سوى المودّة أوالصحبة الخالصة بل يجمع بينهما أيضا الشعور بالفشل والغبن في كلّ ما صادفهما من تصاريف الزمن. إذ عانيا البطالة طيلة سنوات عديدة تتالت وتشابهت حتّى ظنّا أنّها الموت. هذا ما هوّن الحياة في عيني كلّ منهما. وجعلها ليلة مظلمة تقضّ مضجعيهما. وتدفعهما إلى التشبّث بدنيا الأحلام. فهي على وجهيها المحبّب والمنفّر تمنحهما القدرة على الإبصار. فتستأنس بها الأعين. ولا تجفاها كما تجفى الظلمة المطبقة. لطالما كان يظنّ أنّ وطنه هوالبلاد الّذي نشأ فيها. لكنّه كفر بذلك يوم اكتشف وطنه الحقيقيّ ألا وهوجسده الّذي سكنه طيلة هذه السنوات والّذي أشقاه الفقر والجوع والحرمان والرضاء باليسير من كلّ شيء. لذلك أصرّ على المجاهدة في سبيله والذود عنه. فهوالوطن الّذي يلزمه طيلة حياته. وعليه كسوته وإطعامه ومتعته وإكرامه والسعي إلى تجنيبه المهالك. أمّا الانتقال من مكان إلى آخر طلبا للقوت كما جبل على ذلك الحيوان فهوأحفظ للنفس وأليق بالعاقل.
تفقّد أمتعته مرّة أخرى قبل خروجه من البيت. وألقى نظرة فاحصة على كلّ زوايا غرفته قبل أن يغادرها. لم يكن يوجد أحد سواه في الشقّة. كانت شوارع المدينة شبه مقفرة بإستثناء مرتادي المقاهي والحانات وأعوان النظافة. لم يكن يهمّه قبل ذلك أمرهم. إلّا أنّه هذه الليلة قد خطر له أنّ هؤلاء جميعا ظلّوا السبيل الّذي وجده. فألقى على كلّ من يعترضه منهم نظرة ملؤها الشفقة والعطف.
وصل أخيرا إلى البيت المهجور. فاقترب بحذر وهويلتفت ذات اليمين وذات الشمال. كانت حلكة الليل ووحشة المكان قد جعلتا الخوف يدبّ في قلبه. ولم يهنأ باله إلّا عندما سمع صوت صديقه الخافت يخاطبه قائلا: “أهلا ما من أحد سوانا بالمكان لكن لا تقلق سرعان ما يحضر الجميع”. لم يكد يتمّ كلامه حتّى أبصرا ظلّا مقبلا. فتبيّناه حتّى اتّضح لهما أنّه الشخص الّذي يعدّ لسفرهما خارج البلاد وقد بدا عليه التوتّر. فألقيا عليه التحيّة. وما أشدّ ما دهشا حين شاهداه يخرج من بين طيّات ثيابه سكّينا قائلا: “أعطياني كلّ ما لديكما من مال”. فأجابه رفيق: “ما أشدّ طمعك ما هذا بصنيع الرجال. ألم نتّفق على مبلغ الألف دينار كمعلوم للرحلة”. فأجابه الرجل ساخرا: “ألم تفهما بعد؛ ليس هناك رحلة. أعطياني كلّ المال الّذي بحوزتكما وإلّا قتلتكما هنا”.
لم يدر ما يفعل. ولم يخطر له حينها إلّا أن ينسلّ هاربا لينجوبنفسه وبما ادّخره من مال. إلّا أنّ الرجل قد كشف قبل أن يتمّ أمره. فطعنه. أحسّ بالألم يلج جسده. فسقط. ولم يعد يسمع سوى صدى صوت صديقه يقول: “تمالك نفسك لا تخف لقد هرب الملعون سأتمكّن إن شاء الله من إنقاذك”. لكنّه أحسّ بأنّ الحياة تنسلّ رويدا رويدا من جسده وأنّ لحظة فراقهما قد حانت. فاطمأنّ إلى ذلك وابتسم.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة