الدهشة وأسئلة لا تنتهي في رواية تيار الوعي “صخرة نيرموندا” لبكر السباتين – بقلم : د . وضاح طلب دعج

اصدارات ونقد ….
بقلم الدكتور وضاح طلب دَعج : أستاذ محاضر في كلية الفنون الجميلة (إخراج مسرحي) جامعة ديالى- العراق ….
مدخل
منذ صدور رواية (1)صخرة نيرموندا للروائي والتشكيلي العربي بكر السباتين في منتصف مارس الماضي 2016، والكتابة عنها لم تتوقف، والتي تراوحت ما بين الطرح الاستعراضي والنقد الانطباعي وأحياناً تقديم الدراسات التي تناولت جانباً معيناً منها، وكنت قد حصلت على نسخة bdf من هذه التحفة الأدبية لأجدها فرصة سانحة لتقديم دراسة أكاديمية علمية وموضوعية جامعة لرواية تعتبر من أعظم الأعمال الأدبية التي تفتحت بتلاتها في المشهد الثقافي العربي والإنساني؛ لكي تحرك الضمائر تجاه قضية باتت في مهب الريح، وجعل يباغتها النسيان.. لتثبت للقاصي والداني بأن الإنسانية ليست حالة طارئة بل هي جوهر العدالة. وقد كتبت هذه الرواية بفطرية وفي بناء محكم، بعيداً عن لغة الخطاب التحريضي القائم على الدعاية ورفض الآخر. ما أكسبها بعداً إنسانياً؛ أتاح للرواية أن تهمش السياسة الإقصائية. ومكنها من تأجيج الأسئلة المحرمة التي قمعها الجاني وهو يكتب التاريخ بمداد السطوة ورعونة المتجبّر المحاط بالعملاء المتخاذلين.
إذْ تتجلى شخصية الرواية بمعمارها القائم على الفكرة والأسلوب واللغة الخاصة إضافة لعناصر الرواية التقليدية. فهل تحقق ذلك في رواية ” صخرة نيرموندا” لبكر السباتين؟
دعونا نتعرف أولاً على ماهية هذا الجنس الأدبي الرفيع الذي تصدر المشهد الثقافي العربي مؤخراً.. وتعددت أساليبه وتقنياته.
فما هي الرواية؟
هي فن سردي نثري يجمع ما بين الحقيقة والخيال، يتصف بالطول عادة، ومن شروط الرواية: وحدة الفكرة، اللغة،الأسلوب وتقنياته ( السرد والحوار بمستوياته)، الزمان، المكان، الشخوص، الصراع، الحبكة، الذروة، النهاية والحل، ثم الكاتب فالمتلقي.
وقد لفتت انتباهي رواية ” صخرة نيرموندا”. وهي رواية محكمة البناء، ذات أسلوب متمكن، يتوافق مع رؤية كاتبها التي تتجلى ببناء مدينة أباد ملامحها الاحتلال الصهيوني والتعامل معها كإنسان في جوهره وبكامل حواسه, وهنا تكمن عبقرية الضحية التي تمتلك ذاكرة فطرية لا تبور لمعالم المكان، ليتعامل معمدينة يافا المحتلة كأنثى تتعرض للانتهاك، وتستنجد بالعقل العربي الذي يرتدي عباءة القبلية والشهامة لتشكل له اختبارا أخلاقياً. أو كأم تستدر عطف الضمير الإنساني المغيب في هذا العالم المحكوم بالنفعية وتقاطع المصالح وتقاسمها على حساب حقوق الإنسان وقضاياه العادلة.
وفي أتون ما تعرضت له مدينة يافا (المتحضرة عام 48 ) من تفكيك لتركيبتها الفسيفسائية “الإثنية السياسية” (مذهب يرمي إلى تصنيف الجماعات الإنسانية على أساس انتمائها إلى عرق أو أصل معيَّن، وتعرَف بالتمييز العنصري)(2) التي كانت منسجمة في إطارها الاجتماعي، على يد المحتل البغيض؛ تبدّى الصراع المفتوح ما بين الخير والشر، الكره والحب، التحدي وبناء الذات، البحث عن الحرية والنماء.
هذه الرؤية بفكرتها الرئيسة ذات الوحدة الواحدة ظلت ثابتة ومتماسكة حتى نهاية الرواية القائمة على أسئلة وجوديّة منفتحة على كافة الخيارات في حدود الفكرة المركزية التي ستمثل موقف الكاتب الثقافي.
وكان على الكاتب الذي يمتلك أدواته الفنية أن يختار الأسلوب الأمثل لمعالجة هذه الفكرة من خلال جنس الرواية الأدبي، فكان كما يبدو موفقاً تماماً في خياره لرواية تيار الوعي.
***
رواية صخرة نيرموندا وتيار الوعي.
قبل الحديث عن تيار الوعي في صخرة نيرموندا، لا بد من التعرف على هذا الأسلوب الحداثي كإحدى أهم التقنيات في التعبير الذاتي والخارجي، وقد جاء هذا الأسلوب ليواكب عصر السرعة الذي أدخل الإنسان المعاصر في أزمات مركبة وإرهاصات نفسية انعكست على أسلوبه في الحياة المتأزمة، ومن ثم التعبير بالمستويين الداخلي والخارجي عن موقفه الشخصي إزاءها في عالم يتغير. آخذين بعين الاعتبار أن “تيار الوعى” بحد ذاتها عبارة مستحدثة.
وكان أول من أطلق عبارة ( تيار الوعي) هو” عالم النفس الشهير (ويليام جيمس) شقيق الروائي ( هنرى جيمس) ليميز بها الانسياب المتواصل للفكر والإحساس في العقل البشرى، ثم استعارها بعد ذلك نقاد الأدب لوصف نوع من القصص الحديث تواجدت فيه هذه الخاصية، وأشهر من استخدمها في أعماله الروائية كان (جيمس جويس) فى شبكته المعقدة التي تتضمنها رائعته “عوليس”، وفى أعمال (دوروثى ريتشاردسون) الروائية، وفي تصميمات (فرجينيا وولف) المتوترة، خاصة روايتها (مسز دالواى) و( الفنار ) و ( الأمواج )، وتركيبات (وليم فوكنر) الرائعة في (الصخب والعنف) و(اللصوص).(3)
ويذكرنا السباتين في سياق روايته “صخرة نيرموندا” بالراوي العالم في رائعة تولستوي(آنا كارنينا) ، ومن بعده صوت ضمير راسكولينكوف في (الجريمة والعقاب) لدى ديستوفسكي، لكن لا شيء يحدث بالصيغة الحرّة الشعرية كما لدى (هملت) شكسبير، الذي يلخصه محفوظ في ثرثرة فوق الليل بعبارة وحيدة (السيّد المهتضم أنيس).
لكن “صخرة نيرموندا” كما يبدو هي الأقرب إلى تجربة الروائي العالمي فوكنر في روايته ” الصخب والعنف” من خلال ما قاله جبرا إبراهيم جبرا:
” إن رواية (الصخب والعنف) هي رواية تيار الوعي بامتياز، وذلك لأن شخصيات أخرى أساسية في الرواية تعيش وعيها الداخليّ مع وعيها الذاتي بالفارق بين الوعيين، وتتلخصُ مهمة الكاتب (فوكنر) في تتبع هذا الوعي وحكايته بحرية تامّة، غير أنّ المسألة لا تتوقف عند ذلك الحدّ لدى بنجامين، بل تحتاج إلى خلقٍ حقيقي يلتزم بشروط نظرية المعرفة لدى شخصية المهووس (بنجامين). الأمر ذاته الذي نشهده في قصة (همس الجنون) لنجيب محفوظ، وإنْ بصيغة أقل حرفية”(4)
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن التعريف الأوضح لرواية تيار الوعي التي يدرجها النقاد في إطار الحداثة والتجديد هو ما ذهب إليه المفكر الإنجليزي (روبرت همفرى) في أنها:
“نوع من السرد الروائي، يركز فيه الكاتب أساساً على ارتياد مستويات ما قبل الكلام من الوعي بهدف الكشف عن الكيان النفسي للشخصية الروائية من خلال مجموعة من التداعيات المركبة للخواطر عند هذه الشخصية “. ولعل أسرع ما يتعرف به على رواية تيار الوعي هو مضمونها، وهو الذي يميزها عن غيرها من الأعمال السردية التقليدية وليس ألوان التكنيك فيها” .(5)
وينبغي أن يدرك القارئ بأن تيار الوعي هو لغة مفخخة بالصور الشعرية ومشحونة بالعاطفة من خلال الحوار الذي يرفد السرد الجاري كالنهر بمداخلات تخرج من أعماق الكاتب، فإذا شكلت ما يزين عن الخمسين بالمئة من السرد فإنها ستندرج حينها من جنس الرواية تحت مسمى ( رواية تيار الوعي).
وفي هذه الرواية ذات التركيبة الفسيفسائية تتداخل الأزمنة بالأمكنة وتتركب الأحداث على هذا الأساس دون أن تؤثر في وحدة الفكرة وتماسك الرواية وترابطها الفني وبالتالي تكون محكومة بالنسبة للقارئ بوضوح الروية والتشويق الذي سيخلصه من حالة التذمر والملل.
فتيار الوعي يخرج من أعماق الكاتب ليعبر عن صدق نواياه من خلال مشاعر غير مزيفة، لذلك يتحكم في الحوار أثناء البوح” صدق معرفي وفني معاً، وإلى إتقان لكتابة (الحوار الداخلي بمستوياته) الداخلي أولاً، وليس إلى تحرير اللغة والتعبيرات الذاتية لدى الكاتب؛ لأن النص القصصي يظلّ نصّاً ينظر إلى الخارج دائماً. وعلى القارئ أن يكون في مأمن من الوقوع تحت سطوة التشعبيّة، أو حتى الافتتان بها”(6)
وهذا ما سيلمسه القارئ في رواية “صخرة نيرموندا” كما سنأتي عليه في سياق هذه الدراسة الجادة.
فالتشعبية رغم افتتان الكتاب (عموماً) بها؛ لم تسقط السباتين المقتدر فنياً بشباكها في تحفته الأدبية “صخرة نيرموندا”. وقد تجلى ذلك في توظيفه لمعطيات الحدث بلغة فنية متعددة الأصوات، متداخلة الأحداث، ذات استعارات فنية جاءت تخدم النص بما يلزم، باقتدار أحسن فيه التوظيف؛ لبناء معمار روائي مليء بالشرفات، محكم وجميل.. إذْ استغل عنصر التشويق بأبوابه الواسعة ومتاهاته الجميلة المليئة بالإغراءات حتى النهاية المشبعة، ليحمل المتلقي أسئلته فيدوِّرها في رأسه مستعيداً أحداث الرواية. وقد يعيده ذلك لقراءتها من جديد. وهو ما حصل معي شخصياً. فكيف نجح السباتين في ذلك؟ وكيف وفق الراوي العالم في اقتفاء أثر الشخصيات والأمكنة في زمن متشرذم، ما بين الذاكرة الحية الحافلة بالمعطيات والصور المعنية بالحدث، وواقع الزمن من أحداث وأمكنة متداخلة ومندفعة إلى المستقبل وفق علاقة سببية منطقية.
وفي رواية “صخرة نيرموندا” يتحصل الراوي العالم على ثقة المؤلف الذي حرر النص من مزاجيته بخروجه منه، ليتحول إلى مراقب للأحداث، وقد منحه توكيلاً عاماً حتى يفتح صناديق ذاكرته دون محاذير، ويتجول في أعماقه المحجوبة عن العيان، ويغرف من أسراره ما يلزم النص بحرية تامة، في سياق السرد العام للرواية، الذي سيجري بالأحداث كالنهر المرفود بتارات الوعي تحت الشمس، نحو الخاتمة، ليتعامل معها القارئ المستهدف من الفكرة حسب رؤيته الخاصة وفق معايره الثقافية.
***
*الراوي العالم والمداخلات الحوارية بمستوياتها
كان الراوي العالم في “صخرة نيرموندا” وهو يقتفي أثر الشخصيات من خلال المشهد العام بواسطة عين الصقر، أو يتتبع عن كثب ما يدور من علاقة بين الشخوص لوصف النتائج في سياقها العام؛ راصداً جيداً لمخرجات تيار الشعور من بيانات ومشاعر. وهذا ما استلزم من الكاتب الحصيف سباتين أن يكتب روايته من خلال تيار الوعي المترابط في إطار لغة سردية مفخخة أحياناً، فاستعار مفرداته اللغوية اللازمة لتفخيخ البوح بالصور الشعرية المفيدة لتوضيح الرؤيا وإحاطتها بالخيال في حدود ما يلزم، على اعتبار أن تيار الوعي الجمعي ما هو إلا هاجس داخلي متصاعد البوح لمدينة تم التعامل معها ( في سياق النص) كأنثى تدافع عن شرفها أو أم مرتعدة الفرائص، تحاول جاهدة حماية أسرتها من الأخطار المحدقة بها. وبالتالي تكذيب ما تعرضت له من اتهامات مغرضة من قبل الجاني الذي رماها بالتخلف والبدائية. بينما كانت في حقيقة الأمر جوهرة الشرق،(يافا) تلك المدينة المتحضرة، وقد انتهكت غيلة من قبل الجاني الصهيوني بتواطؤ استعماري بريطاني.
من هنا استلزمت هذه الفكرة من الكاتب بناء لغة خاصة من خلال تيار الوعي للتعامل مع شخصية يافا الإنسانية ومواصفاتها المكانية والزمنية.
فكان خياره الموفق ببناء روايته على أساس تيار الوعي.
***
*اللغة وأسلوب تيار الوعي في رواية ” صخرة نيرموندا”
ينبغي أن ندرك بأن الفكرة وما تنطوي عليه من أحداث وصراعات محتدمة هي التي تختار أدوات التعبير.. وربما ( كما أسلفنا) وجد السباتين في تيار الوعي ما يعينه على بناء النص وتحميله بالقدر الممكن من الأحداث المتلازمة والمتوالدة لضبط الشكل بما يحافظ على الجوهر. وهنا تكمن مهرة الكاتب. إذْ تجلى ذلك في رواية “صخرة نيرموندا” من خلال صوت الراوي العالم الذي وزع الأدوار على الرواة؛ ليعيد تشكيل السرد بمستوياته المختلفة، على النحو التالي:
فمن الجمل الخبرية المجردة، إلى المرسلة منها والمفخخة بالصور الشعرية الضرورية لتوضيح المعالم الشخصية والمكانية، من خلال العين التي تراقب عن كثب، إلى عين الصقر التي بوسعها استجلاء الوصف العام للأحداث، وبالتالي رصد ما ينمي إلى الراوي من بوح صريح، في إطار الصوت المسموع(ضمير المخاطبة )، أو غير المسموع( ضمير الأنا) الذي قد يتخطى ببوحه كل الحواجز والمحرمات.
ولكن ما يميز “صخرة نيرموند” هو أن تيار الوعي في سياق السرد العام الذي جاء على لسان الراوي العالم، جاء ليمثل برمته ما يجول بخاطر مدينة حية وقعت في الأسر (كما أسلفنا) وهو ذاته ما حدث مع أميرتها الكنعانية “نيرموندا”؛ وذلك لعدة أسباب وجيهة، وهي:
1- تحريض النخوة العربية والقيم الدينية حتى تنتصر لسيدة حرة اسمها (يافا) تتعرض للاعتداء على شرفها، وهذا يتنافى مع كل الأعراف. فما بالك والأمر يتعلق بالشرف الذي تقوم عليه القيم الدينية والعشائرية!.
3-الاستنجاد بالضمير الإنساني والتعامل مع مدينة (يافا) كإنسان انتهكت حقوقه.
2- أما على صعيد البعد النفسي في إطاره الاجتماعي، فقد جاء الكاتب ليستعير أميرة يافا ” نيرموندا” من الأساطير الكتعانية، كي تعزز الطاقة الإيجابية لدى بطل الرواية المهزوم في طفولته(سعد الخبايا) حتى تمكنه من الانتصار على الخوف الذي يتحكم بقلبه الواجف؛ ليتحول بالتالي من إنسان مغلوب على أمره، إلى شخصية فاعلة وذات إرادة حرة، تمتلك زمام نفسها في مواجهة ضغوطات الحياة. وهو الأمر الذي مكن (سعد الخبايا) ليقول كلمته، فينخرط على إثر ذلك بالمقاومة من بابها الأوسع. ما يبرر مشاركته في عملية خطف سفينة المهاجرين اليهود (هيرتزل) التي أفشلتها حكومة الانتداب البريطاني. لا بل ويدافع هذا المقاوم الصنديد (آخر الرواية) عن حي العجمي الذي كان يمثل آخر معاقل الثوار في يافا. فكانت نهاية هذا الشاب الذي استعاد دافعيته، إذْ تعانق مع الموت لأجل (يافا) الأميرة. وقد شاهدته الفتاة التي أحبته من طرف واحد وهي تراقب يافا التي تغيب عنها الشمس، المهندسة خولة ابنة الأستاذ كنعان، التي لم تستطع أن تستحوذ على قلبه المغمور بحب بلقيس، فأدمى قلبها ذلك المشهد الذي ظهر فيه سعد الخبايا متأبطاً أميرة نيرموندا على صخرتها وقد اخترقته رصاصة غادرة.
تنقل السباتين ببراعة في لغة الحوار بين تيار الوعي ( صوت الضمير أو المسموع) والسرد في إطار الجملة الخبرية أو المسترسلة والمفخخة بالصور الشعرية اللازمة للتعبير عن المواقف من خارجها أو لوصف الأماكن المتداخلة، وبالتالي بناء مداميك الشكل الخارجي للرواية بما ينسجم مع التفاصيل الداخلية في إطار تشابك منطقي للصراعات خلال أحداث متداخلة التكوينات، وصولاً إلى المعمار المستقر للرواية برشاقة بنيته وجمال شكله الأخاذ ليبدو للعابرين كأنه علامة سؤال منصوبة فوق أعلى قمة ليراها كل من يحمل في قلبه ضمير.
لذلك انتهج الكاتب أسلوب السرد المتهادي المرفود بتيارات الوعي. وهو يتسع حيناً أو يضيق حيناً آخر أو قد ينحدر في الدروب الوعرة أحياناً كثيرة، فيما تصادفه الدوامات والشلالات كعوائق صغيرة حتى الذروة، لينسكب الماء المتدفق بسخاء حتى مستوى البحر؛ فيصل إليه في خاتمة مفتوحة.
دعونا نفهم هذا التداخل بين السرد المتهادي وتيار الوعي من خلال مجريات أحداث رواية “صخرة نيرموندا” التي رويت على لسان الراوي العالم بالعموميات والخبايا.
فهل نجح السباتين في ذلك؟
كان على الكاتب أن يصف الأحداث من الخارج حينما يتحدث عن المجريات العامة وسعد الخبايا طفل صغير مضطهد، يبحث عن ذاته المسلوبة الإرادة، أو في تداعيات البحث عن سر الطفلة عبير التي أطال بطل الرواية (سعد الخبايا) الوقوف أمامها طويلاً وهو يحلل عبارة أن أباها يريد ذبحها بهذا السكين الذي كان قد جلخه لها لتوه.. فتحرك ضميره الإنساني؛ لتدور دوامة الأحداث في منطقة ما من مجرى النهر (الأحداث المتداعية) بدواماته التي تدور حول بؤرة السؤال المخيف:” لماذا”!!. فيُسْتلبُ الراوي العالم إلى تيار الوعي الداخلي غير المسموع ( ضمير الأنا) في رحلة استكشافية خارجية وداخلية ( سبر الأغوار)؛ لربط الشبه الذي ليوشك أن يصل إلى حد التطابق، بين هذه الطفلة بمعشوقته التي يبحث عنها في دروب يافا ( بلقيس)، فيصل أخيراً إلى نتيجة أوْحَت إليه بضرورة عرض الموضوع على الشيخ رضوان. فيستغل الفرصة عائداً إلى مجرى الحدث العام (النهر) من خلال السرد المرسل؛ كي يصف الراوي العالم انعكاسات المعالم المكانية السريعة على النهر (سيل الأحداث المتدفق الجارف).
ويستمر الراوي سارداً الأحداث فيخبرنا بأن سعد الخبايا ذاهب بالسؤال إلى الشيخ رضوان، والذي اقترح عليه بأن يترافقا معاً في رحلة بحث (مسرودة) في سياق حديث الراوي العالم المرسل، فيقابلان الأستاذ كنعان؛ ليتفاعل هو الآخر مع حكاية الطفلة عبير المخيفة. أثناء ذلك يكون بوسع بطل الرواية (سعد الخبايا) بعد أن تراكمت الدلائل التي تربط بين معشوقته بلقيس والطفلة عبير، فتأخذه التداعيات إلى تيار الشعور مخترقاً بذلك ذاكرته المتأزمة.. في رحلة بحث تسبر أغواره العميقة، عن جذور الحكاية المبهمة فيها. فيرتحل بعيداً ( بينما جسده متهالك بين رفاقه في بيت الأستاذ كنعان بينما النقاش الذي كان يدور حول اختفاء الطفلة عبير أخذ يزداد احتداماً) فلا يستيقظ من غيبوبة تيار الوعي إلا وفنجان القهوة يقدم إليه في دورة ضيافة غمرت اللقاء بالود.
كل ذلك وصفه الراوي بعناية فائقة ومدروسة خلال سرد الراوي الخارجي، وبصوت مسموع، حتى يعود بنا الراوي من جديد إلى تيار الوعي مستكملاً حديثه ليغرف من مناهل الذاكرة فلا يصحو من غياهبها السحيقة، إلا ويلتقي بما في جعبته من أحداث لازمة مع السياق العام للسرد، عبر مجرى النهر المتدفق بالأحداث المركبة المتداعية، وصولاً إلى الذروة المدهشة.
فماذا يحدث عند تأزم الموقف العام في الرواية!؟ يتسارع تيار الوعي بمستوياته، غير المسموع منها( ضمير الأنا) والمعصوف بالأسئلة التي يرافقها الخيال المتأجج بما يحمل من صور شعرية لاهثة الأنفاس ومتسارعة، وتيار الوعي المسموع من خلال ضمير المخاطبة ( أنت)، في سياق أقل تسارع وحدة؛ ليسيطر تيار الشعور الكلي أخيراً على السرد، وصولاً إلى النهاية التي تضج فيها أشد الأسئلة قساوة.. لكنها مفتوحة أيضاً على كافة الاحتمالات.
إن علاقة الكاتب بالنص هي مجرد مراقبة بحيادية؛ لأن الرواية برمتها تشكل موثفه الثقافي.
وفي صخرة نيرموندا كان يدرك الكاتب بأنه صاحب الموقف العام للرواية بينما لا يجوز أن يفرض رقابته على مجريات الأحداث بمزاجية سلطوية قمعية.. وذلك لموضوعيته التي سيتقبل نتائجها المتلقي.. وهو يدرك بأن من واجبه إماطة اللثام عن الحقيقة مهما كانت مزعجة بالنسبة له.
وهو لا يختار أسلوب الكتابة حينما يشرع في بناء النص (كما قلنا سابقاً) لأن الفكرة وطبيعة الأحداث التي تؤدي إليها، وعلاقة الشخوص ببعضها هي التي تفرض على الكاتب أدواتها ليتبلور الأسلوب وفق الحاجة. ويدرك السباتين من خلال روايته بأن السرد بمستوياته هو الذي يربط بين الأصوات الداخلية والخارجية لإحكام المعمار الفني للرواية؛ كي يخرج على المتلقي في شكله الأخير؛ ليبدأ رحلته في استكشاف التفاصيل الداخلية ومن ثم الخروج متصافحاً مع النتيجة راضياً أو في جعبته أسئلة تحريضية ستفضي بالتالي إلى موقف الروائي الذي يسجله تجاه قضية ما.. لأن من الضروري أن يكون المؤلف خارج النص بعد أن يحرث المكان والزمان ويبذر الأسباب فتنمو الأحداث وصولاً إلى الذروة بتلقائية موضوعية دون تدخل من الكاتب، لتنهار حتى النهاية المنشودة.. فتأخذ معها الأحداث الشخوص النامية الرئيسة وفي ذاكرتها خلاصة الزمن والذاكرة المكانية والدوافع المركبة لتسريح العاطفة المتأججة فيبتعد الخيال بعد أن يكون في صحبة الأحداث منذ البداية، كي تسجل الرواية خاتمة الأحداث بتفاصيلها الواقعية على الأرض سواء أكانت مفتوحة الاحتمالات أم ذات معالم نهائية بانتظار حكم المتلقي عليها. وفي صخرة نيرموندا كان السباتين خارج النص كالمزارع الذي بذر أرضه بالأدوات اللازمة، وشق عبر الحقل قنوات الري؛ لينتظر بعد ذلك النتيجة يوم الحصاد، وهو في برج المراقبة دون تدخل منه.. فالبراعم تكون في عهدة الساقية ونوعية التربة المسمدة والشمس التي ترسل الحياة إلى الشخوص كي يواجهوا الظروف المتقلبة.. فيما تتحكم بمصائرهم علاقة منطقية قائمة على السببية مليئة بالمفاجآت كي تكون النتيجة مقنعة.
***
*نقدم هنا للقارئ بعض الأمثلة من “صخرة نيرموندا” توضح ما قلناه سابقاً:
أولاً: نموذج سردي جاء على لسان الراوي العالم:
” يغوص سعد في ذاكرته من جديد، مبتعداً عن المكان الذي يجمعه بهذه الطفلة المجهولة، ويتذكَّر أزمته التي انقضـى عليها حينئذٍ الشهر تقريباً، وخلال ذلك اجتمعت عليه أسوأ الظروف؛ ليتعرَّف إلى داود عن كثب، هذا الرجل الذي اقترنت به حياته طويلاً، وقد تراوحت علاقتهما ما بين الريبة القاتلة والرضـى المستكين! إلى حين عرَّفته الصدفة بالطفلة عبير التي أغرقته في الأسئلة والوهم!
وحتى لا تختلط الأمور ببعضها؛ سنراقب ما جرى لسعد وهو يلهث وراء رِزقه، حتى أصبح منطوياً على نفسه.. يتجرَّع كأس المهانة وفي قلبه الواجف كبرياء مَن ضحّوا لأجل غيرهم.. كان يتخيَّل نفسه ذلك الكاتب الذي ترك قلمه يكتب وحيداً عندما طُرق الباب بغتة.. تخلّى عنه في لحظة اقتحام الغرباء غرفته القصيّة عن العيون.. أطلقوا العنان لأصابعهم كي تصادر المحبرة، فيرشموا القصيدة ببصماتهم المجنونة، ثم يستيقظ المعنى في دم الشاعر مستنجداً بصاحبه الذي تنكَّر له..! «نذل أنتَ يا سعد! كيف تقبل الهزيمة بذريعة التضحية!».. وأخذ ينفض رأسه من الأسئلة العالقة.. يهزّه بقوّة حتى أوشك على التدحرج من فوق منكبيه.. تقلّبت عيناه بفعل الدوّار.. بصق عبارة تعثرت كلماتها في حلقه.. بدا فمه كمدخنة قطار هارب وهو يهذي:
«جبان!! خائف على حياتك من بطش رجال خطّاف!».
ثم يستعيد رباطة جأشه متمتماً: «بل يرتجف قلبي على أسـرة ستهلك من بعدي لو اجتاحني الطوفان!».
«انتحار عقيم..!».
«بل تضحية..!».”(7)
ثانياً: نموذجان لتداخل تيار الوعي بين المسموع وغير المسموع(ضميري الأنا والمخاطبة):
أ‌- ” الأقدار لا تعبث بكَ يا سعد.. بل تحترم إرادتك.. فمتى قرَّرْتَ أمراً؛ قُدِّرَ لك!
وتلك الطفلة التي باغتَت حياتكَ كانت بوّابة لشـيءٍ تريده! هذا ما نَما في رأسِكَ دون أن تستوعبه! أمّا اسمكَ الذي أرغموكَ عليه يا «سعد الخبايا».. فهو الذي أشعل الفتيل..!
اسمٌ رافقكَ في السـراء والضـراء، حتى مجرى النهر، ليأخذكَ الشقاء ويمضـي.
فيضغط سعد على رأسه بكلتي يديه، ليوشك على التدحرج كأنه بين فكَّي مقصلة..
«كيف أمضـي بهذا الرأس الذي ملأته الأساطير بالأوهام، فأشقُّ الزحام!؟».
فلا جواب إلا الصمت.
كانوا يقولون دائماً:
«سعد! مجرّد فتى لم يختبر الدنيا.. طريقه شاقّة.. وحياته مرهونة برجم الغيب.. اتركوه يحلم، فعساه يجد الطريق».”(8)
ب- ” وها هي زكية تتحصَّن بالنافذة من جديد وبيدها بندقيّة.. تشاهدها والدتها التي كانت تتوكّأ على حافّة الباب:
– أين ذهبوا!؟
فاستيقظ قلبها حينما لجأت إليها الطفلة سحر:
«جدّتي.. أريد أمي».
فضمّتها كأنها تضمّ يافا.. أخذتها إلى الفراش وقد هزمها الوهن.. كانت مثقلة الرأس، وهي توصي زكية:
«هذا كل ما تبقّى لنا يا ابنتي.. لا تجازفي بإطلاق النار يا زكية.. انتظري الرجال حتى يطرقوا الباب علينا».
ثم تصاعد أنينها وهي تتمتم للصغيرة بشـيء كان يخرج من قلبها الشفوق.. فلم تنتبه زكية لذلك، لأنها كانت تتلاحم في تخاطُر فطري مع البحر الذي لن يغادر يافا.. وإلى الأبد..
«مِن أجلك يا سحر لا بد أن نعيش هنا..
يافا لن تغادرنا؛ فكيف نعيش دونها!؟». (9)
ثالثاً: نموذج التداخل وسرعة التنقل بين السرد وتيار الوعي من خلال التفخيخ بالصور الشعرية:
“وذات صيف قائظ، أقبل سعد على عمله الأخير كالقابض على الجمر.. عليه أن يصبر فلا يماحك الظروف.. فيخاطب نفسه على مضض:
«ما بها مهنة جلخ السكاكين.. على الأقلّ تذكِّرك بدولاب الزمن وهو يمضـي بكَ دون توقُّف.. فينبغي أن لا تقول إنّ القريب والبعيد يستغلانك لحماً ويرميانك عظماً.. أجل! فقد أكلتكَ الوعود المقطوعة أيها المُنهك، فتخلّى عنكَ أصحابها.. ليس لأنهم عاجزون، بل لأنكَ لا تفعل سوى الانتظار في زمنٍ لا يتوقف لأحد! هذه دَوْرة النذالة حينما تدور حول أهدافها، فلا تضع رأسَكَ المُوْنَع بين حدَّي المقصلة.. فيد الظالم على مقبض الرحى الصماء إذ تطحن وتدور؛ كارثة مشهودة بالنسبة لأمثالك يا سعد ممَّن يتوكَّؤون على الوهم..فاخلع عنكَ هذا الرداء كي تستوي حياتك.. تقبَّل مشـيئة الله وقد حذَفَتْ بكَ الأقدار إلى هذا المكان الذي يضجُّ بالحياة.. بالناس.. مَن قال إنكَ لن تنجح ما دمت تعي معنى إرادة الحياة.. صـراع البقاء.. وبيدك مجلاخ يدور كأنه الحظُّ بين يديك».
فيقف سعدُ مَلِكاً في مهنته خلف جامع أبو نبوت أمام برج الساعة.. حيث التقى هناك بقَدَرِه المحتوم.. واستطاع أن يتفهَّم كيف أنّ القشّةَ تقسمُ ظهرَ البعير.. والزوبعة في الفنجان بركان.. ونعيب الغربان كارثة.. إذْ تخيّل سعدُ تلك الطفلة التي عثر بها كالقشة التائهة في غياهب عاصفة هوجاء، لتستقرَّ في منطقة غيَّرت مجرى حياته إلى الأبد، وحوَّلتها إلى فوضـى.
ربما كان ينتظرها حتى تستيقظ أحلامه.. في مدينة اكتشف بأنها مدنفة تشارف على الغرق في بحر اعتاد مغازلة شواطئها.. كلّ ذلك يصحو فجأة في رأس سعد، وقدْ ملأته الجدّات بالحكايات الكنعانية، فأخبرنه بأنّ البحارة يكذبون.. يصنعون أمجاداً ليست لهم.. فوالده كان بحاراً لا يتمتّع بالخبرة الكافية حتى تساعده على تلمُّس الدروب البحرية بين الصخور خلافاً لما كان يُروى عنه.. وبينما هو عائد إلى الشاطئ؛ ارتطم قاربه بصخرة «نيرموندا» قبالة الساحل.. تلك الصخرة التي قيل عنها في أساطير المدينة، إنها أميرة يافا التي صمَدَت معانِدة الأسـر في وجه القراصنة ذات يوم غابر. فكانت عناية الله التي منحته القوة الكافية؛ ليتسلّق تلك الصخرة.. وإلا لمات غريقاً. ومِن يومها فهم سعد ما قاله رفاق والده بأنّ أميرة يافا الأسطورية؛ «نيرموندا» هي التي أنقذته، فأخذته الأحلام على إثر ذلك إلى غياهبها، فيلتقي أميرته، ثم ينيمها في ذاكرته كأنهما عاشقان، ربما كان ينتظر امرأةً تحلُّ محلها بكل ما تتمتع من قوة وجمال، فكانت شمس روحِه، بلقيس، التي استعادته مِن الأوهام، وقد أُعْجِبَ سعدٌ باسمها القديم، إذْ كانت جدّته تربطه دائماً بالهدهد في حكاية سليمان مع ملكة سبأ: «…إذْ أحضـر النبي سليمان عرش بلقيس من اليمن.. فلا تدري إلى أين!!».”(10)
***
* ” صخرة نيرموندا” وعناصر الرواية النموذجية
– تقوم الرواية عموما على عدة عناصر فنية، سنقوم باستعراضها من خلال بنسة النص في رواية صخرة نيرموندا. وقد جاءت على النحو التالي:
1- الفكرة:
من سياق الأحداث في “صخرة نيرموندا” يمكن الاستنتاج بأن لهذه الرواية فكرة أساسية تقوم على الصراع الأخلاقي بين (الخير والشر) في مجتمع أهلته الظروف السياسية التي كانت سائدة آنذاك بتخندق مكوناته التي كانت منسجمة فسيفسائياً إلى
طرفين متصارعين. وبالتالي ما آلت إليه الأحداث من منطقة الاستقرار في بوتقة التعددية والتعايش الإثني بين مكونات المجتمع الفلسطيني، بالذهاب إلى التخندق ورفض الآخر في صراع وجودي غذاه الاحتلال بمعطيات الفناء وبالتالي سيادة الظلم وتمرد الضحية.
دعونا نوضح هذا التحول من خلال إسقاط الأحداث على ثنائية الخير والشر:
*الشر في صخرة نيرموندا تمثل على الصعيد التاريخي بالعصابات الصهيونية وحكومة الانتداب البريطاني، أما على الصعيد الإنساني فقد تمثل بشخصية داود الذي يحاول فرض أجندته وتحريك الأحداث باتجاه مصالح وكالة الهجرة الصهيونية لذلك كان بوسعه ارتكاب أبشع الجرائم. وعلى الصعيد الرمزي تمثل بالغولة وطائر الوقواق الذي يحتل أعشاش الطيور الأخرى بمكر ودهاء.
*الخير وقد تمثل بالضحية التي انتهكت حقوقها وهي في هذه الرواية مدينة يافا من منطلق كونها أنثى يتربص بها الجناة. أما على الصعيد الإنساني فهو الحب الذي ربط بين رجال المقاومة ومدينة يافا. فيما يمثل أيضاً في ذات السياق ما حفلت به الرواية من قصص حب متوالدة لعل أهمها قصة سعد الخبايا ومعشوقته بلقيس، وقصة المهندسة خولة وحبيبها (من طرفها) سعد الخبايا من جهة أخرى، غير متناسين ذلك الحب الذي تمازج مع مشاعر الحزن وهو يجمع بين الأستاذ كنعان والباشا بطرس من جهة، ومدينتهما يافا التي يسحب من تحتها البساط من جهة أخرى.
وقد وفق السباتين بجعل هذه الفكرة مركزية الأمر الذي ساعد على توحيد بنية الرواية الفكرية، فأضفى على المعمار الروائي صبغة إنسانية.
2- الزمان
” وهو الموجود المعنوي الذي يدرك بالموجودات الحسية، فتغير المحسوسات يوحي بتقدم الزمن، ولولا التغير لما أدركنا الزمن”.(11)
وقد جاء في “صخرة نيرموندا” متشرذماً ما بين الذاكرة والزمن الحاضر بالنسبة للحدث، توافقاً منطقياً ما بين تدفق تيار الشعور وسياق السرد الجاري.
أما الزمن في مفهومه التاريخي كبيئة مساندة للأحداث فقد غطت الرواية فترة
الانتداب البريطاني على فلسطين عام النكبة 1948. إذْ شهدت يافا في هذه الفترة صراعاً تاريخياً انتهى بنكبة فلسطين التي انعكست سلبياً على المجتمع ما أدى إلى تفكيك بنيته الفلسيفسائية. وتحول السياق العام للأحداث إلى صراع ما بين الجاني الصهيوني والضحية الفلسطينية.
وكانت الرواية موضوعية وتلقائية في طرحها لهذا الموضوع وقد خرج الكاتب من النص تاركاً للأحداث مهمة تشكلها الذاتي بموجب علاقة سببية محكومة إلى المنطق.
3- المكان:
“هو المحيط الذي تجري عليه الأحداث أو تدور فيه, ويرتبط جدًا بالزمان إذ لا فصل معقول بينهما”. (12)
وقد جرت أحداث الرواية في مدينة يافا الفلسطينية بحلتها الحضارية المتميزة ما قبل عام 1948.
إذْ تشرذم المكان في “صخرة نيرموندا”ما بين الذاكرة والواقع في تداخل مدهش وظفه الكاتب وفق الضرورة واللزوم، فأدخلنا الكاتب في مناطق يافا المفتوحة كالبحر والساحات العامة والطرقات ( شارع جمال باشا، والعجمي والملك فيصل والميناء وعنابر التخزين فيه، والبحر وصخرة نيرموندا. والأماكن المغلقة كبيت الأستاذ كنعان.. وقصر الباشا بطرس والحانات ومسجد البحر، وجامع أبو نبوت، وكنيسة القديس بطرس، ومقهى المدفع وأبو شاكوش، وسينما الحمراء ومبنى البلدية ومحل بيع السكاكين الخاص بداود، ومبنى القشلاق الرهيب، وميدان الساعة.. وقد وصف الكاتب ما يلزم من تفاصيل المدينة بتحكم مدروس؛ خدمة لوضوح الرؤية، وتوضيحاً للمعالم المكانية التي أثرت في مجريات الأحداث، دون إسراف سيضر السياق العام وترابطه الفني.
وربما يتساءل البعض فيما لو قلل هذا التعدد المكاني من حيوية السرد في جريانه عبر مجرى النهر! لكننا سندعي بأن هذا الوصف جاء لخدمة إحدى أهم شخصيات الرواية المعنوية والمتمثلة بمدينة يافا الأنثى.. كان على الكاتب أن يوضح معالم هذه الأنثى التي يتربص بها المغتصب كبطلة رئيسة في الرواية؛ كي تتحرك نخوة المتلقي. وقد وفق الكاتب تماماً في ذلك. بل وأثبت قدرة فائقة على التحكم بأدواته الفنية. فكان وصفه للأماكن بارعاً ووظيفياً حسب ما يلزم. وساعده في ذلك أن بطل الرواية سعد الخبايا كان يتجول في أرجاء (يافا) عاتلاً آلة الجلخ على ظهره، وهو يطوف بها حواريها وأزقتها قبل أن تغيب، ولكي لا يثير الملل لدى القارئ قام بربط هذه الأماكن بقصة بحثه عن الطفلة المجهولة عبير، وبحثه المشحون بعاطفة الحنين عن معشوقته بلقيس، ليسقط الفارئ بكل سهولة في فخ التشويق الجارف.
د‌- الأحداث:
“الحدث يتشكل من العناصر الثلاثة السابقة, فكل ما تقوم به الشخصيات في حدود الزمان والمكان يسمى حدثا.
ولا تستمر الأحداث على وتيرة واحدة من الحدة إذ لا بد من التراوح بين الهبوط والصعود للانتقال بالقارئ من حالة التأقلم التي تفرضها تلك الاستمرارية.
والأحداث إما أن تكون سابقة للصراع (مسببة له)، أو لاحقة له (ناتجة عنه)، أما المزامنة للصراع فهي الصراع نفسه.
ويعتمد الروائي الانتقائية عند إيراد الأحداث، فيختار ما يناسب غايته، ويجب الابتعاد عن كل حدث لا يخدم الغاية لأنه يؤدي إلى انفصام رتق الأحداث”.(13)
وكان سباتين موفقاً في التحكم بالأحداث مستخدماً الأدوات المناسبة في الوقت المناسب لتجد في كل مرحلة سؤالاً مليئاً بالتشويق يساعدك على الاستمرار حتى لا يعيدك الملل إلى الوراء.. التشويق في هذه الرواية المدهشة يدفعك إلى الخاتمة دون هوادة.. والأحداث في كل تفاصيلها واقعية لكنها من خيال المؤلف المجنح بحساب.
وتتلخص الرواية فيما يلي:
سعد الخبايا كان طفلاً منطوياً على نفسه غير قادر على الاندماج مع أقرانه في المجتمع لذلك كان يتعامل مع المواقف بحساسية شديدة.. من هنا اختار الأساطير وحكايات الجدات كملجئ له.. فملكة سبأ بلقيس لم يرها سعد (وهو مستلق على ظهره فوق صخرة نيرموندا) تحمل عرشها إلى الملك سليمان في القدس، ربما قابلته في مكان آخر بعيداً من هنا! هو لم يغوص في قضايا جدلية بل تساءل كطفل ابتغى مشاهدة العرش وهو يمر من فوقه، وكأنه نفى بكل براءة الأطفال علاقة هذه الأسطورة بفلسطين في إفحام فطري للرواية اليهودية يخلو من المآرب. وكان هذا الطفل قد شب على الخوف من الغولة (فزاعة الجدات) حتى وهو يعمل في جلخ السكاكين في محل اليهودي داود، أو حينما استقل عنه أخيراً. في محصلة الأمر جمعه القدر بطفلة مجهولة كان لتوه قد جلخ لها السكين فقالت باكية بأن والدها يريد ذبحها بها! ولوجه الشبه بينها وبين معشوقته بلقيس التي على الأرض (البعيدة المنال كونه يحبها من طرف واحد)؛ فقد بدأ يبحث عن سر ما قالته الصغيرة وكأنه يبحث عن علاقتها ببلقيس.. فتتوالى الأحداث ليكتشف أنه أصبح غارقاً في هموم يافا.. (وهنا يتم الربط بين دلالة الاسم “سعد الخبايا”وفكرة الرواية) كأنه الربيع الذي تخرج فيه من تحت الأرض كل خبايا الأرض من براعم وحشرات؛ فقد أخرجت هذه الطفلة أيضاً خباياه من أساطير وحكايات راحت توقظ همته.. كالأميرة نيرموندا.. لينخرط سعد الخبايا أخيراً مع المقاومة بعد أن استعاد ذاته، من خلال الأستاذ كنعان الذي أواه في بيته بعد أن أصبح مطارداً من قبل خصوم المدينة الصهاينة والإنجليز؛ لينتهي به المطاف وقد دبر له خصمه داود ثلاث جرائم مترابطة تمثلت بمقتل رئيس البحارة (خطاف) بذريعة عشقة لطليقته بلقيس، والعرافة الغجرية، ثم حرق مزرعة طيور الوقواق التي تحولت وهي مشتعلة كنابل أتت على الجرون تلتهمها، بذريعة انتقامه من خصمه داود، فاكتملت القرائن مع أدوات الجريمة لتحاصره في الزاوية.
وبعد طول معاناة، يشعر سعد الخبايا بأنه امتلك الدنيا حينما التقى أخيراً بمعشوقته بلقيس. فعاشا معاً أحلامهما وبنيا معاً قصور أحلامهما الجميلة. لكن بهما ليافا كان أكبر. فتلاحما مع المقاومة لأجلها.. أما سعد الخباي فقد اختار معانقة الموت في سبيل مدينة أحبها، ليجده العابرون متأبطاً صخرة نيرموندا ، كأنه يودع يافا في لقاء حميم مع أميرتها نيرموندا. وكانت نهاية مدهشة ومفاجئة في وقت واحد.
ه‌- الشخوص
“ويمكن تقسيم الشخصيات من حيث الدور الذي تقوم به إلى:
شخصيات رئيسة وشخصيات ثانوية، فالشخصية الرئيسة هي التي تتواجد في المتن الروائي بنسبة تفوق الخمسين بالمائة، وتبرز من مجموع الشخصيات الرئيسة شخصية مركزية تقود بطولة الرواية.
أما الشخصية الثانوية فهي كالعامل المساعد في التفاعل الكيميائي يأتي بها الروائي لربط الأحداث أو إكمالها، وهذا لا يعنى أنها غير مؤثرة، فإن كانت كذلك فما الحاجة إلى الاستعانة بها إذًا، بل تكون مؤثرة لكنها غير مصيرية، تحرف مسار الرواية أو تضيف حدثا شائقا”.(14)
وتقسم الشخوص في ” صخرة نيرموندا إلى ما يلي:
1- الشخوص الواقعية الرئيسة النامية في رواية صخرة نيرموندا
وهي على النحو التالي:
– سعد الخبايا: ويمثل الشخصية المحورية النامية في الرواية التي مثل الراوي العالم ظلها، وقد عصفت في ذاكرتها الأحداث؛ لتتوالى متراكمة حتى الذروة فالنهاية الصادمة. وهي ذات الشخصية التي كانت على اتصال طوال الوقت مع الراوي ليغذيه بتفاصيل البوح الداخلي ليكتمل السرد.
– اليهودي داود وهو شخصية رئيسة، عميل مزدوج ما بين الإنجليز والعصابات الصهيونية.. يعمل لدى وكالة الهجرة اليهودية. دبر لسعد الخبايا ثلاث جرائم. فتصدى له الأخير بضراوة. إذْ توضَّحت ملامح شخصية داود في ذاكرة سعد من خلال تيار الوعي وتناقل الأخبار البينية.
– بلقيس ( أم الطفلة المجهولة عبير وطليقة رئيس البحارة خطّاف) شخصية رئيسة نامية تلاحمت في قصة حب مع سعد الخبايا وألهمته بالقدرة على التغيير، وخلصته أخيراً من التعلق بأميرة يافا الأسطورية لتضعه على أرض الواقع حتى يصبح قادراً على التحكم بمصيره وفق ما يريد.
– الأستاذ كنعان: من زعماء يافا الوطنيين، ينتمي إلى الكتلة الوطنية، تبنى سعد الخبايا ومنحه فرصة ثمينة للمشاركة في اختطاف السفينة هيرتزل التي تحمل على متنها مهاجرين غير شرعيين.
– العرافة الغجرية: شخصية مبهمة، تستخدم أصداف وجدتها في قاع بئر كنعانية قديمة، كانت ترافق زوج بلقيس رئيس البحارة خطّاف، وكانت تبيع الأحلام للبحارة، لكنها تنبأت آخر المطاف بمصير داود الأسود؛ حينما عجزت عن تفسير الحلم الذي رأى فيه سعد الخبايا أثناء عمله في محل داود، في أن طيور الوقواق التي يقوم بتربيتها، كانت تقدد جسد المصلوب على شجرة يابسة وعارية الأغصان.. كما وعجزت عن محاصرة الأوهام التي زرعها الحاخام المغربي في رأس ذلك الداود، في أن يقوم بزراعة العضو الذكري لطفل يهودي صغير، أثناء طقوس الطهور، في أرض طاهرة من الأثر الكنعاني الوثني؛ لينبت مستقبل الأجيال اليهودية في هذا اليباب. وبالتالي ما أسر به تيار الشعور لسعد الخبايا فيتنبأ هازئاً بأن الديدان ستأكل هذا العضو الذكري الغريب عن ديار يافا. ولأن داود كان يؤمن بالأحلام وأثرها على اليهودي المؤمن أو الخائف، فقد تعامل مع الموقف بجدية. فقرر تغيير مصيره بيده؛ ما أدى إلى مقتل هذه الغجرية على يد هذا الداود المعصوف بالخوف الوجودي. ولدهائه المشهود، فقد هيأ الظروف المتوائمة؛ ليجير ذات الجريمة ضد سعد الخبايا.
– عبير: الطفلة المجهولة التي أشعلت فتيل الأحداث لتحتدم في رؤوي المعنيين بحكايتها العجيبة، حينما قالت لسعد الخبايا الذي جلخ لها السكين بأن والدها يريد ذبحها بها، فيكتشف سعد الخبايا أخيراً بأنها ابنة بلقيس من طليقها الأول.
– خطّاف: رئيس البحارة، شخصية متناقضة،يجمع ما بين الشهامة والنذالة، سكير عربيد، طليق بلقيس الثاني، ووالد الطفلة سحر التي تركتها بلقيس في عهدة المهندسة خولة ابنة الأستاذ كنعان. وكان خطاف قد قتل على يد وكالة الهجرة اليهودية؛ لأنه وقف على بعض أسرارها بوشاية من عميلهم داود، فجيرت الجريمة أيضاً ضد سعد الخبايا. وكان خطّاف في ذروة الأحداث قد أوحى للطفلة عبير بأن طليق أمها الأول كان يهمُّ بذبحها بغية أن تكرهه؛ كخطوة ماكرة تمهد لاستعادة بلقيس التي طلبت الطلاق منه كي تعيش مع ابنتها عبير، ولو أدى بها الأمر لتعود إلى طليقها الأول. وهو الأمر الذي كان يرفضه خطاف الذي كان يذوب عشقاً بها.
– ماهر، شقيق خطّاف، وعم عبير، أحد القادة النقابيين، وممثل سماسرة برتقال يافا.. الذي أنهكته رحلة البحث عن ابنة شقيقه. وهو من الشخصيات ذات الحضور القوي والثابتة على خطها الوطني.
2- الشخصيات الثانوية المساندة وغير النامية:
– والدة سعد الخبايا التي كانت تريد تزويجه بابنة أخيها خلافاً لرغبته.
– خاله الذي تكفل به بعد غرق والده في البحر.
– البحارة، عمال الميناء.
– المهندسة خولة ابنة الأستاذ كنعان التي نافست بلقيس على حب سعد من طرف واحد.
– الطفلة سحر ابنة بلقيس من طليقها الأول والتي تكفلت بها المهندسة خولة بعد انخراط والدتها في المقاومة.
– صبايا وشباب مبادرة أمل التي أنشأها العاشقان سعد وبلقيس في سياق المقاومة وأداراها من مخبئهما في مزرعة جريشة.
– حنا ابن الباشا بطرس الذي كاد يسقط في براثن الخيانة لولا عناية الله.
– المزيج الطائفي من أبطال يافا ممن خطفوا السفينة “هيرتزل” التي كانت تقل المهاجرين اليهود غير الشرعيين من أوروبا الشرقية إلى يافا، والتابعة إلى وكالة الهجرة اليهودية، حيث كان يعمل معها داود.
– أحد قادة حزب النجاد الذي قابله سعد الخبايا ليجد له عملاً بعد أن طرده داود من محل جلخ السكاكين؛ فيخرج من عنده خالي الوفاض وممتلئاً بالوعود الجوفاء، وقد فقد الأمل بأولئك الزعماء المتنطعين بالجاه.
– جابر الذي ساند سعد أثناء لجوئه إليه باحثاً عن سر اختفاء الغجرية، وخاصة بعد توريط اسمه بالجرائم الثلاث، ومن ثم قيامه بتهريبه إلى بيت الأستاذ كنعان الذي أواه وأعاد بناء شخصيته معنوياً، بإعطائه فرصة المشاركة بعملية خطف السفينة من خلال دور إسنادي يتجلى بمراقبة منارة يافا القديمة، بعد حجز حارسها اليهودي العربي.
– الشيخ رضوان إمام جامع (السكسك) الذي رافق سعد في رحلة البحث عن الطفلة المجهولة عبير، وهو عضو في الكتلة الوطنية التي تضم زعماء يافا، ومنهم الباشا بطرس والأستاذ كنعان وغيرهما. وكان يسمح لأعضاء الكتلة الوطنية من الشيوعيين بإلقاء خطاباتهم من على منبر المسجد.
– أعضاء الحزب الشيوعي الذي كان يضم عرباً ويهوداً رغم معارضة الكثيري.
– المحامية منى، ابنة الباشا بطرس، والمتطوعة في الدفاع عن سعد الخبايا.
– زوجة الباشا وسيدة المجتمع التي تهتم بالجمعيات الخيرية، وهي التي وجدت عملاً لبلقيس في إحدى مراحل حياتها.
– عبد الجواد ابن الأستاذ كنعان، والذي ينافس سعد الخبايا على حب بلقيس. وهو مطلوب من قبل الإنجليز على خلفية اجتماعاته المتكررة مع المقاومة في بيت بلقيس.
– الدكتور عزمي من رجال المقاومة الفاعلين.
3- الشخصيات الخيالية والأسطورية والرمزية
– مدينة يافا، تلك الأنثى التي تدافع عن شرفها من خلال السياق العام الذي جعل يوحي بها الراوي العالم.
– الأميرة الكنعانية نيرموند ا التي نمت في وعي سعد الخبايا وهي تدافع عن شرفها لتحمي مدينة يافا من الغزاة في سياقها الفلكلوري، وهي شخصية تحكمت بوجدان سعد الخبايا منذ طفولته البائسة لتحدث فيه طاقة التغيير.
– طائر الوقواق، الذي يضع بيوضه في أعشاش غيره فتفقس حتى تكبر وقد طردت أصحاب العش الأصليين، وهي مقاربة منطقية بين سلوكه الغريزي والسياسة الاستعمارية للمحتل الصهيوني الذي طرد الفلسطينيين من ديارهم. وهذا الوقواق الذي لقب به اليهودي داود؛ قد ساهم أيضاً في توضيح صورة المحتل الحقيقية من خلال نزعه لقناع المواطنة الصالحة عن وجه داود القميء، موضحاً معالمه الصهيونية في إطار صورة المجرم المحتل. وهذا الطائر ظل يتنقل في سياق السرد ما بين منطقة اللاشعور في الحلم، وأرض الواقع آخر الرواية.
– الغولة: التي انبعثت من حكايات الجدات لتقيد طفولة سعد الخبايا بالخوف حتى حررته الأميرة “نيرموندا”.
4- شخصيات (من الموروث الديني)
– الملكة بلقيس التي ظلت حبيسة الحكايات المتناقلة.
– القديسان سمعان وبطرس وحكايتهما عن إحياء الموتى في التراث المسيحي الأرثوذكسي وعلاقتهما المكانية الراسخة بيافا من خلال كنيسة القديس بطرس التي أوت المطلوبين من قبل حكومة الانتداب البريطاني بعد أن أصبح مسجد أبو نبوت مراقباً ومكشوفاً.
و-الصراع والحبكة:
وهو تصادم بين حدثين في داخل الشخصية ناجم عن مواقف داخلية متضاربة أو تصادم أحداث خارجية تكون هذه الشخصية طرفاً فيها لتنعكس النتائج في داخلها..
والحبكة في رواية صخرة نيرموندا جاءت محكمة ومترابطة والصراعات ترتبط بالنتائج في علاقة سببية منطقة ومشوقة وصولاً إلى ذروة الأحداث، فالحل الذي وضع نهاية مفتوحة للرواية على كل الاحتمالات.. سواء في الصراع بين الجاني والضحية، أو صراع سعد الخبايا الذاتي للخوف وتغلبه أخيراً عليه. أو الصمود في المدينة كم فعلت خولة وبلقيس.. أو الصراع مع الموت في سبيل يافا كما كانت عليه خاتمة سعد الخبايا.
ز- اللغة
أقيمت الرواية ( كما أسلفنا) على أسلوب السرد المفخخ بالصور الشعرية الجميلة والمرفود بالحوارات القائمة على تيار الوعي بصوتية الداخلي غير المسموع (صوت الضمير) والخارجي المسموع ( ضمير المخاطبة).
الكاتب طوع اللغة وفق حاجته لتساهم في بناء معماري محكم وجميل في تكويناته الخارجية بانسجام توافق مع تفاصيل الرواية الداخلية.. البداية جاءت مغرية للدخول.. التفاصيل مفخخة بالأسئلة التي تحرض على المضي في أجواء يغمرها التشويق.. الخيال كان معربداً تارة وهادئاً تارة أخرى حسب الموقف والحاجة.. العاطفة كانت إما متوترة فيتسارع (كردة فعل) إزاءها تيار الوعي كما في خاتمة الرواية بدءاً من اللحظات اللاهثة الأخيرة التي عاشها سعد الخبايا مع حبيبته بلقيس وصولاً إلى تلاحم اليافيّين مع أعداء المدينة.. أو كانت عاطفة تتواكب مع تفاصيل مدينة شارفت على المغيب كجلسات الباشا بطرس وزوجته على شرفة القصر..
وقد وظف السباتين ما أتيح له من عناصر التذوق الفني التي تجلت في سياق النص وخاصة تيار الوعي المتوتر والمفخخ بالصور الشعرية المدهشة، والوصف.
ويمكن الإستدلال على ذلك من خلال الأمثلة التالية من رواية صخرة نيرموندا:
1- “وحين شارف الدَّوْر على العتالين؛ كان سعد آخرهم، إذْ همّ بالتسلل خارجاً عقب رفاقه، دون أن يستجيب لخطّاف.
وجعل يتمتم بصوته المسموع بشـيء من الاستخفاف:
«يا شباب! هذه بصَّارة غجريّة تعبث بخيالكم، لا تستجيبوا لأمرها؛ لأنكم كالنوارس! إذْ لا تحسنون إلاّ الطيران فوق البحر، وهذه الغجرية خرجت عليكم من تحت الأرض!
انظروا إليها! ملامحها! والجواهر التقليدية المعلّقة على أذنيها وأنفها! بالله عليكم ركِّزوا النظر على أناملها التي تشبه أيادي السعادين! لا والله! بل الضفادع أو العناكب التي تخرج من تحت الأرض! أليس هذا موسم (سعد الخبايا) الذي تخرج المخلوقاتُ فيه، من مخابئها المغمورة تحت الثرى!” (15)
2- ” قصته المدهشة مع الطفلة المجهولة، بدأت من عند سبيل أبو نبوت، الذي بدا عالياً، وقد تجوَّف قوسه الحجريّ الهائل في جدار مسجد أبو نبوت بيافا؛ كمحرابٍ ضخمٍ يقصده السابلة لشـرب الماء في أجواء القيظ الشديد، بينما كان يمثل الملاذ الأفضل لسعد كي يقضـي حاجة زبائنه.. وأثناء انهماكه بشحذ مفرمة اللحمة لإمام مسجد السكسك الشـيخ رضوان، كانت أفكاره تدور مع الدولاب بلا توقُّف، وصار بوسعِهِ أن يحلم كيف يشاء، حتى اللحظة التي يتوقَّف فيها الدولاب عن الدوران، وقد أعطى للنصل المقوَّس لمساته الأخيرة، فأمسكت يداه بمقبضـيها، وراح يدور بالنصل على الحجر، كأنه يطوف شوارع المدينة ومقبض السـيارة بين يديه.”(16)
3- ” ومِن الطبيعي أن يبدأ سعد بشحذ السكين هذه المرة دون أن تستلبه رتابة صوت الدولاب، ولا طقطقة القشاط. فمنظر الطفلة أمامه جعله يثير زوبعة من الأسئلة في رأسه، بينما كانت ترقب الطريق المؤدية إلى بوابة المسجد مفزوعة من شـيء راح يحاصـر عقلها الصغير! شـيء أبعد مِن البرج الذي اجتمع عقربا الساعة فيه على العاشـرة صباحاً، فدقَّت الساعة التي جذبت انتباه الصغيرة، بينما حفزته على إنجاز مهمته بسـرعة، وحالما أنهاها، ابتسم في وجهها قائلاً:
«السكين يا ابنتي!»
فلم تنتبه وهي تراقب الناس المتوافدين إلى إدارة الهيئة الاجتماعية في مبنى السـرايا المهيب في الجهة المقابلة، وقد لفت انتباهها مجموعة من الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهم ينزلون من الحافلة الصفراء كالغرباء.. تتصفَّح وجوههم وقلبها يتفطَّر كَمَداً قبل أن تبتلعهم بوابة المبنى المهيب، لكنّ سعد استدار حول آلة الجَلْخ واقترب يربتُ على كتفها منبِّهاً: «خذي السكين يا ابنتي وهاتِ النقود».” (17)
4- ” كعادته.. كان الباشا بطرس يفتح عينيه على ذلك الانبلاج الساحر لصباحات يافا وهي تتنفّس وتتمطّى على وسادة البحر الدافق الأمواج.
«من لا يعرف يافا
لن يصدّق البحر..
فدموعها!
أكسبت البحر ملوحة
وأغنَتهُ بالحكايات».
وتتهادى حمرة الشمس وهي تصعد رويداً، فيتدرّج وجه الباشا مع كواشف الصباح المبكّر وكأنه أمام امرأة تستحمّ في بحر منتعش، والصبا الناعم جعل يلفح الوجوه، يعطّر الأجواء بأريج الزهور مِن حبق، وأقحوان، وشقائق النعمان، والياسمين، وكرمة العنب التي تظلل حديقة القصـر مِن تحت شـرفاته المكشوفة أو المظللة بعقود حجرية تميل إلى الاصفرار.”(18)

وأخيراً
فقد نجح السباتين في التأسيس لمشروعه الأدبي الإنساني القائم على الذاكرة الفلسطنية التي لا تبور واستعادة الحياة قبل نكبة فلسطين للمدن الفلسطينية والتعامل معها ككائنات حية لها مشاعرها وتطلعاتها بتلقائية وإنسانية،.. بدأها بيافا لينتقل لاحقاً كما أعلن على صفحته إلى عكا.
ورواية صخرة نرموندا تمثل تحفة أدبية محكمة البناء مشوقة وذات فكرة واحدة.. وتقنيات فنية حداثية.. ورسالة موجهة إلى الضمير الإنساني فحواها أن ثمة ظلم مستفحل ما زال العابثون يرشون من خلاله الملح على الجراح.
وهي رواية كتبت بمداد إنساني.. تضج فيها بالحياة.. وتقوم فكرتها على الصراع ما بين الخير والشر.. صراع البقاء.. البحث عن العدالة في زمن يتحكم به الشيطان وتسود العلاقة فيه النفعية ورفض الآخر.
يافا ذاكرة لا تبور.. وصخرة نيرموندا رواية فذة لكاتب يمتلك أدواته باقتدار.. وبحكم كوني مخرجاً مسرحياً فإنني أوصي المهتمين بترجمة هذه الرواية وتحويلها إلى مشاريع سينمائية لتحاصر الافتراءات الصهيونية التي أقاموا كيانهم المغتصب عليها.
***
__________________________________
الفهارس
1- صدرت عن دار الآن ناشرون وموزعون/عمان- الأردن/ فبراير 2016
2- معجم المعاني..
3- يوسف- شوقي بدر”تيار الوعى فى الرواية المصرية المعاصرة
4- الأنصاري- عبد الواحد/ مقال: تيار الوعي حكاية مدرسية
5- الربيعي- الدكتور محمود/ ترجمة كتاب ” تيار الوعى فى الرواية الحديث ”
6- الأنصاري- عبد الواحد/ مقال: تيار الوعي حكاية مدرسية
7- “السباتين- بكر” صخرة نيرموندا” صفحة 35- 36
8- المصدر نفسه / ص 7
9- المصدر نفسه/ ص261
10- المصدر نفسه ص13- 15
11- غنيم، كمال, الأدب العربي في فلسطين، ط2، 2006. ص69- 103
12- المصدر نفسه
13- المصدر نفسه
14 المصدر نفسه
14- “السباتين- بكر” صخرة نيرموندا” ص29
15- المصدر نفسه ص17
16- المصدر نفسه ص19
17- المصدر نفسه ص132
***
_________________________________
المراجع
1- الأنصاري- عبد الواحد/ مقال: تيار الوعي حكاية مدرسية/ مايو 2008 / موقع النوافذ.. الرابط:
http://www.islamtoday.net/nawafeth/artshow-55-12507.htm
2- غنيم، كمال, الأدب العربي في فلسطين، ط2, 2006. ص69- 103
3- طالب- هديل/ مقال ” الخيال” موقع ( الموضوع) الإلكتروني/ 14- يناير-2016.. الرابط:
http://mawdoo3.com/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D9%84#.D8.AA.D8.B9.D8.B1.D9.8A.D9.81_.D8.A3.D8.B1.D8.AB.D8.B1.D8.AB_.D8.B1.D9.8A.D8.A8.D8.B1
4- السباتين-بكر/ رواية ” صخرة نيرموندا” صادرة عن ( الآن ناشرون وموزعون) عمان- مارس 2016
5- المعجم المعاني/ النت
18- يوسف- شوقي بدر/ مقال بعنوان”تيار الوعى فى الرواية المصرية المعاصرة/منتديات القصة العربية/ 26 تموز.. الرابط
http://www.arabicstory.net/forum/index.php?showtopic=203
6- الربيعى- الدكتور محمود/ ترجمة كتاب ” تيار الوعى فى الرواية الحديث ” للكاتب الأنجليزى روبرت همفرى/ صادر عن دار المعارف عام 1973
*الكاتب: أستاذ محاضر في كلية الفنون الجميلة (إخراج مسرحي) جامعة ديالى- العراق

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة