بوتين يُغيّر في معادلة تدخله في سوريا – بقلم : منير شفيق

دراسات …
بقلم : منير شفيق – الاردن ….
قرّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقف العمليات العسكرية التي انطلقت منذ أشهر عدّة في سوريا، وسحب الجزء الأكبر من الطائرات المقاتلة، مع الاحتفاظ بقاعدتَيْ طرطوس وحميميم، بما في ذلك صواريخ أس 400.

وقد أتبع هذا القرار بالقول إن وقف العمليات العسكرية الجويّة، وسحب العدد الأكبر من الطائرات سيكون جزئيا، ولا يعني عدم الاستمرار بضرب داعش، كما لا يعني عدم العودة. فضلا عن التأكيد أن العمليات العسكرية التي تمّت أَنجزت الجزء الأساسي من أهدافها ومهماتها.

فمن حيث الظاهر يبدو القرار عاديا، ولم يحدث تغييرا في ميزان القوى العسكري المحقّق حتى لحظة اتخاذه وتنفيذه. وهو ما سمح للبعض باعتبار أنه قد تمّ بالتفاهم المسبق مع رؤساء أمريكا وإيران وسوريا.

ولكن هذا الاستنتاج يفقده ما حمله من مفاجأة وازت مفاجأة اتخاذه عندما انطلقت العمليات الروسية الجوّية، وإن لم توازها من حيث التأثير في ميزان القوى العسكري، على الأقل حتى الآن.

بل إن طريقة اتخاذ القرار المذكور وتبليغه لرئيس النظام السوري بشار الأسد من قِبَل الرئيس بوتين عن طريق الهاتف يفرضان أن يُقرأ الحدث بما هو وراء ما بدا ظاهريا وعاديا من جهة، وبما هو أبعد من التأكيدات المختلفة التي راحت توحي كأن شيئا لم يحدث في العلاقات الروسية-السورية، وإلى حد ما العلاقات الروسية-الإيرانية من جهة ثانية.

صحيح أن العلاقات الروسية-السورية كما العلاقات الروسية-الإيرانية ستتأثر، إلى حد ما، في هذا القرار، بل إن القرار ذاته يعكس حدوث تناقضات ما في العلاقة وفي التفاهمات عما كان عليه الحال يوم اتخاذ القرار بالتدخل الروسي، الذي جاء بعد سلسلة من اللقاءات والدراسات والتفاهمات، أو عما كانت عليه العلاقات في الأشهر الأولى أثناء التدخل العسكري بين كل من روسيا وإيران وسوريا.

إن التدخل الروسي جاء في ظروف تطلبت أن يُسهِمَ في تعزيز ميزان القوى العسكري للنظام السوري وحلفائه في الميدان. وبالفعل حقق هذا الإنجاز، وانتقل الميزان العسكري على الجبهة عموما، لا سيما شمالها، بسرعة هائلة في مصلحة جيش النظام السوري وحلفائه ميدانيا.

وجاء القرار في أوج ما حدث من تغيير وتقدّم في المواقع، كما جاء في ظروف انطلاق مفاوضات جنيف السياسية، بعد أن ثبت وقف إطلاق النار إلى حد بعيد، مع استمرار الخروقات المحدودة، إلى جانب بقاء الجبهة مفتوحة مع داعش.

ولكن القرار بما تضمنه من سحب للطائرات ووقف عملية التدخل من حيث مستواها الذي بدأت فيه، وواظبت عليه إلى حينه، يكون قد حمل أبعاداً تتعدّى ما يمكن أن يُقال عن إنجاز لمهمة أو القول إن الانسحاب جزئي وأن التنسيق مستمر، وأن العودة ممكنة. وهذا كله صحيح، ولكنه لا يفسّر القرار وأبعاده، أو ما يُراد منه.

التحليل هنا في تفسير أسباب القرار أو بُعدِه الرئيس أو ما أُريدَ منه، لا يعتمد على أيّ معلومات سريّة، أو خاصة، أو مسرّبة، وإنما هو قراءة لما سبق القرار من تناقضات، بغض النظر عن حجمها، بين الموقفين الروسي والسوري الرسمي.

والبداية المعلنة بدأت بتصريحات المندوب الروسي في الأمم المتحدة فيتالي تشوركن، الذي انتقد علنا خطابا للأسد، تناول تحرير كل الأراضي السورية، واعتبَرَه لا يتماشى مع الجهود الديبلوماسية.

ثم كانت هنالك ململة سورية واضحة من التصريح الروسي حول الحلّ الفيدرالي “بعد موافقة السوريين عليه”. والأهم أن اتفاق وقف إطلاق النار وطريقة تنفيذه تمّا بتوافق روسي-أمريكي، وكذلك ما أطلق من عملية سياسية في جنيف، الأمر الذي يعني أن القرار في القضايا الأولية هذه انتقل إلى مستوى التفاوض والتفاهم بين الدولتين الكبريين روسيا وأمريكا. وهو أمرٌ ليس بالسهل أن يكون مقبولا من مختلف الدول الأخرى والأطراف المنخرطة في الصراع في سوريا، وفي المقدمة بالضرورة النظام نفسه.

وقد عُبّر عن هذا، وما زال يُعبّر، بصورة غير مباشرة، من خلال تحديد موعد الانتخابات التشريعية السورية، أو تصريحات وزير الخارجية وليد المعلم حول محادثات جنيف.

وبالمناسبة علقت المتحدثة باسم الخارجية الروسية بأن موعد الانتخابات يعيّن عبر مفاوضات جنيف بين الطرفين.

باختصار، من الواضح أن التوجّه الروسي في الذهاب إلى العملية الديبلوماسية يختلف عن التوجّه السوري في التعاطي مع موضوعيْ الحرب والعملية السياسية. وعلى ذلك أدّلة أكثر مما أُشيرَ إليه أعلاه. ولا حاجة للتوسّع بها. لأن المهم هو التقاط التوجّه العام.

وبالمناسبة، ثمة تصريح رسمي للرئيس الإيراني حسن روحاني يشير إلى بعض نقاط القرار الروسي إلى جانب ما أُشيرَ إليه أعلاه، وهو الاختلاف بين التوجهيْن الروسي والسوري في إدارة العملية السياسية- الديبلوماسية.

إذا صحّ ما تقدّم، فإن القرار الروسي بسحب الطائرات، والوقف الجزئي للتدخل يكون رسالة مفادها: مقابل الزخم الذي تحركنا به عسكريا، يجب أن نقود العملية الديبلوماسية، وأن يتقيّد الجميع بمقتضياتها، وإلاّ فإن المعادلة ستتغيّر.

وتبدأ معادلة جديدة هي التي أخذ يُعبَّر عنها بأن القرار لا يعني الانسحاب الكلي وإنما الجزئي، وإبقاء الباب مفتوحا لحركة الطيران ضدّ مواقع محدّدة وبحجم محدود، كما أن إبقاء إمكانية الرجوع أو عدمه مفتوحا أيضاً. الأمر الذي يجعل هذه المعادلة الجديدة تحمل رسالتين: إحداهما لسوريا النظام وحلفائه تقول: مستوى التدخل العسكري السابق وأكثر يتطلبان أن نقود العملية الديبلوماسية- السياسية بالكامل.

وثانيهما للأطراف الأخرى الداخلية والإقليمية والدولية، بعدم محاولة الإفادة عسكريا أو سياسيا من محتويات القرار أو من المعادلة الجديدة لميزان القوى المترتبة عن القرار المذكور.

ولكي يتضح الموقف الروسي أكثر، يجب أن تفهم استراتيجيته التي كانت وراء قرار تدخله العسكري وحجمه، وما صحبه من حراك سياسي وديبلوماسي على المستوى الأمريكي- الدولي أو على المستوى الإقليمي: التركي- الإيراني- السعودي (العربي عموما).

فالتدخل العسكري الروسي في مصلحة النظام السوري، بالرغم مما حمله من قوّة وتأثير، يشكل جزءا من استراتيجية أكبر تتعلق بالقفزة التي أحدثها هذا التدخل بمكانة روسيا في ميزان القوى العالمي، لا سيما في علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية.

فعندما تسعى الديبلوماسية الروسية للتنسيق مع أمريكا أساسا، فهي، من جهة تُغطي تدخلها العسكري، بالرغم من انها فرضته فرضا، ومن جهة ثانية تحاول أن تقفز بعلاقتها الدولية مع القطب الأمريكي إلى مستوى النديّة والشراكة، بل امتلاك زمام المبادرة، ولعب الدور الرئيس.

وهذه كلها أهداف تتعدّى الموضوع السوري إلى الدولي الاستراتيجي العام. وبالطبع لهذا كله أثمانه المقابلة إذا ما تحقق الذي تستهدفه الاستراتيجية الروسية العليا، وهنا على الأطراف الحليفة في سوريا أن تتفاهم مسبقا مع روسيا حول حدود أيّ معادلة روسية- أمريكية يمكن أن تتشكل عبر الصراع والمساومة ومآلات الأمرين. وهو ما أصبح مطروحا على الأجندة في أعقاب القرار الروسي آنف الذكر.

في المراحل السابقة بعد الحرب العالمية الثانية، أو حتى في العقدين اللذين تليا انتهاء الحرب الباردة، كانت المحاور تتشكل على ضوء الخضوع للهيمنة الأمريكية على العالم، أو على ضوء معارضتها ومقاومتها أو الحياد.

وكان تشكُّل المحاور يمتد لسنين عديدة. ولكن الوضع العالمي الذي راح يتشكل منذ ست سنوات تقريبا، أي مع مطلع العشرية الثانية للقرن الواحد والعشرين، راح يفرض ألواناً أخرى من العلاقات والتقاطعات تختلف نوعيا عن أنماط المحاور التي تشكّلت في المراحل السابقة.

ولهذا أخطأ الذين تصوّروا أنهم في صدد تشكُّل محور روسي- سوري- إيراني مقابل محور أمريكي- سعودي- تركي، بما يشبه النمط السابق لتشكل المحاور. فالعلاقات الدولية أخذت تتشكل ضمن أنماط من التقاطعات التي تقترب من التحالف وتبتعد عنه في الآن نفسه.

فمثلا بقدر ما هنالك من تقاطع (يشبه التحالف) بين الصين وإيران فيما هنالك مثله، في الآن ذاته، بين الصين والسعودية، أو بين الصين والكيان الصهيوني.

وكذلك، مثلا، فيما ذهبت روسيا للتحالف مع النظام في سوريا أو مع إيران حول سوريا ذهبت، في الآن ذاته، للمساومة مع أمريكا، كما مع السعودية. وبقي الباب مفتوحا ليتطوّر أكثر أو أقل في هذا الاتجاه أو ذاك.

ولهذا نجد أمامنا علاقات دولية من أنماط جديدة علينا أن نتعرّف عليها، ونتعامل معها، بما يختلف عما عرفناه وألفنا التعامل معه في الماضي. طبعا لا يعني هذا عدم تغيّره لاحقا كذلك. فلم تستقر نسبيا موازين القوى بعد.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة