أولوية الانتماء اللغوي على الانتماء الديني – بقلم : د . زهير الخويلدي

فن وثقافة …
د زهير الخويلدي – تونس ….
” الحاجة تبرز أينما كان إلى تفكير هادئ وشامل لإيجاد الطريقة الفضلى من أجل ترويض وحش الهوية الانتمائية”1[1]
إذا كان الرغبة بالهوية يعاني من انحرافات قاتلة وإذا كان تعاظم الاهتمام بالعالم المتقدم هو أمر محير ويزيد من الحماس بالانبهار بالحداثة الساحرة التي تأتي من الآخر فإن الإقرار بالتنوع الثقافي داخل الذات الحضارية قد يفقدها الانسجام والتماسك ويجعلها تخوض مغامرة محفوفة المخاطر تشغل بال تفكيرها.
بيد أن إعطاء قيمة للانتماء اللغوي بالمقارنة مع الانتماء الديني وإعادة قراءة أبجدية الضاد والتركيز على وحدة الجماعة التاريخية الناطقة بلسان حالها لا يعني التعامل ببرودة شديدة مع الإسلام وتقديم شهادة محايدة عن القرآن وإنما هو الإحاطة بالتجربة اللغوية للكائن الذي يخصنا من كل جانب وتتبعه منذ أن كان في البدايات ورصد حجم العناصر الإضافية التي اكتسبها عبر مسيرته التاريخية ووضعياته الوجودية.
لا يمكن مقاومة تجارب الحنين إلى الموروث وإحياء القديم والعودة إلى الماضي المثالي التي نراها تظهر بقوة هذه الأيام لدى العديد من الشعوب والجماعات كإجراء وقائي ضد عولمة ملتهبة ونهجها التفكيكي إلا بالكف عن التماهي مع هوية جوهرانية والتوقف عن الشعور بالاستبعاد من المشاركة في صناعة الكونية.
إذا كان الانتماء الديني في صورته المغالية وممارسته المنغلقة يؤدي إلى إلغاء الغيرية والتمركز على الذات ويتسبب في الحروب الدينية وتشكل الهويات القاتلة فإن الانتماء اللغوي يسمح بأن يعثر المرء على رموز ثقافته الخاصة إلى جانب القيم الكونية التي يقدمها العالم ويجعل من الأرض وطنا للعيش المشترك.
يسمح الانتماء اللغوي بأن يتماهى المرء مع المجتمع الذي يوجد فيه والتواصل مع العالم المحيط به ونهل معارفه وتعلم وسائل رقيه وتقدمه ومن جعل الرغبة في الهوية محصلة للعديد من الانتماءات المتشابكة.
يتفادي الانتماء اللغوي تحويل قضية الهوية إلى أداة لإقصاء الآخر والتنابذ مع المغاير ويدفع المرء إلى تفضيل أسلوب التفاوض والمحاورة والنقاش والبحث عن طرق للتسويات وإبرام التفاهمات وفق المشترك.
ليست اللغة مجرد عنصر من بين العناصر التي تحدد الهوية والثقافة التي تخص مجتمع معين وإنما تمثل أحد العناصر الأساسية لها وتمتلك نفس قيمة الدين في تأمين وحدة الجماعة وتنظيم العلاقات بين أفرادها.
من المعلوم أن الانتماء الديني يكون ضيقا وحصريا لا يقبل التعدد والاختلاف ويتحرك ضمن دائرة الوحدة والتطابق ويخلق مناخ انسجام وتآلف بين المتشابهين فقط بينما الانتماء اللغوي يتصف بالانفتاح ويقبل الكثرة والتعايش بين الألسن واللهجات ويعتمد على الترجمة وحق الضيافة لإحداث تبادل توليدي بين الثقافات.   زد على ذلك كان فعل إقرأ الذي وجهه المطلق نحو النسبى أمرا لغويا يهدف إلى الكدح والتعلم وتحمل مسؤولية التعمير والائتمان. كما يفيد ضمون الوحي بأولوية نطق باللسان على تصديق المعتقد.
يمكن للمرء أن يتقن العديد من اللغات في ذات الوقت دون أن يعيش التمزق والحيرة ولكنه لا يقدر على اعتناق أكثر من معتقد في الآن نفسه ويعب أن تلتقي فيه مجموعة من القناعات الدينية التي تشهد التنافر.
علاوة على أن الإنتماء اللغوي يصلح لكي يشبع الرغبة في الهوية من ناحية ويمكن أن يتحول إلى عامل تواصل بينما الانتماء الديني قد يتسبب في الانفصال والتصادم مع بقية الأديان ويكرس التعصب والغلو.
قد يكون الانتماء الديني مجرد رابط روحي يفيض بالقوة والطمأنينة على كل الذين يؤمنوا به وقد يبرر الأوضاع المأساوية التي تمر بها الأمة ويقدم لهم العزاء والتمني ويضاعف من درجات الاغتراب، في حين أن الانتماء الغوي قد يزيد من درجة السخرية من الواقع ويضاعف من الحذر والارتياب لدى الفكر.
في الكثير من الأحيان يوقع الانتماء الديني في الاحتجاج على السائد ويرفض قوانين تطور التاريخ ويزدري كل محاولات البشر في الفعل والتأثير والإضافة ويفضي المجال للغيبي والمطلق واللاهوتي، بينما يمكن استعمال الانتماء اللغوي في الدفاع على الحرية ويُرافع على أهمية الفعل البشري في التاريخ.
إذا كانت الأديان متفاضلة فيما بينها على الصعيد الأنطولوجي وينسخ الموالي السابق عليه في الميدان التشريعي فإن اللغات متساوية من جهة الوظيفة والكفاءة التواصلية ومتسامحة من جهة تنوع الانتماء.
يستطيع الإنسان أن يستغني عن الانتماء الديني ويعلق الحكم حول الاعتقاد ويعيش تجربة البحث وحرية الضمير ولكنها لا يمكنه الاستغناء عن آلة اللغة في حياته اليومية وفي حل وترحاله المعرفي والوجودي.
صحيح أن الانتماء إلى الدين المنتشر في كافة أنحاء المعمورة قد يساعد على الرواج ويحقق الشهرة ولكن أن الانتماء إلى لغة متفوقة على الصعيد العالمي قد يمنح المرء الريادة على المستوى العلمي والحضاري.
إذا كانت الانحرافات والرياء والتشويه والتعصب واللاّتسامح هي أشكال الفساد التي تهدد الانتماء الديني فإن الانتماء اللغوي يفيض على مستوى المعنى بأشكال السداد ويمنح الكائن فائضا في الدلالة والاغتناء.
صحيح شخصية العربي مجروحة وذاكرته مهانة وتاريخه متصدع وهويته مهددة ويعيش اليتم السياسي والغربة الروحية وفقدان البوصلة ولكن الإنقاذ لا يأتي إلا من داخل التربة الثقافية ذاتها وبالانتماء اللغوي وحده وليس من خارجه ولا عن طريق الانتماء الديني مهما كانت شدة انتشاره على المأهول من الكوكب.
المطلوب من العرب اليوم القطع مع المفهوم العشائري للهوية والحياة بسلام ضمن فضاء مركب للهوية والتوقف عن النظر إلى لغة الضاد بوصفها الحقيقة الخالصة وفك الانتماء الضيق والمحدود لزمن القبيلة  والانتساب إلى عالم أرحب يبشر بحقوق أساسية ويضمن عدة قيم كونية ويحمل رؤية إنسانية أكثر انفتاحا.
إذا كانت العولمة تهدد الهويات الثقافية بالتلاشي وعنف التفكك فإنها في ذات الوقت تمنحها أدوات المقاومة وتجعلها تحافظ على موروثها الخاص وتعطيها الآليات الدفاعية للاستثبات والبقاء والانطواء على الذات.
” لكن من يملك العالم؟ لا عرق ولا أمة تحديدا . فالعالم ملك لكل الذين يريدون أن يجدوا موقعا فيه أكثر من أي وقت مضى، وملك للذين يسعون إلى استيعاب القواعد الجديدة للعبة- مهما كانت محيرة- لخدمة مصالحهم”2[2]. بهذا المعنى ماهو في طور الانقراض  ومهدد بالانحطاط ليس الهويات القاتلة فحسب بل الإمبراطوريات والقوى العظمى ، فمنطق العولمة ينبه إلى أفول الغرب ونهاية هيمنته على العالم ويفتح الباب أمام صعود قوى جديدة، فمتى ينتصر المنتسبون إلى الجماعة التاريخية الناطقة بلغة الضاد على ثقافة اليأس وعقلية الانتحار ويفلتون من كل سيطرة ويقررون نحت مصيرهم بأنفسهم ويسهمون في انعتاق البشر من الأسر؟
الهوامش:
[1]  معلوف (أمين) ، الهويات القاتلة، ترجمة نهلة بيضون ، دار الفارابي، بيروت، طبعة أولى، 2004- طبعة ثانية 2011، ص220
[2]  معلوف (أمين) ، الهويات القاتلة، مرجع مذكور، ص175.
المرجع:
معلوف (أمين)، الهويات القاتلة، ترجمة نهلة بيضون ، دار الفارابي، بيروت، طبعة أولى، 2004- طبعة ثانية 2011، ص220
كاتب فلسفي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة