تنهيده الى كل الامهات عبر امي يرحمها الله – بقلم : د . سمير ايوب

فن وثقافة ….
كتب د سميرا يوب – الاردن ….
امي ، تعلمين ان في بعض مساقات الحياة ، داهمتنا ابناء جيلي وانا ، خيانات البعض كالاعصار ، وبعضها كالبراكين او كالزلازل . اوجعنا كثيرون . ولكن ، هل اصطادت تلك الاوجاع التي انتصبت من حولنا مع كثرتها ، شيئا منا ، كما تصطاد شباك العناكب ضحاياها ؟
نعم يا امي ، تكسرت اصابع لنا عزيزه ، تشققت منا الاقدام . يا الهي كم شعرنا بلدغات الدبابير والنحل ، دون ان تذوق شفاهنا شيئا من عسل . كم عبرت اقدامنا دروبا ، دون ان تلامس ترابها . كانت ايامنا كشجر اللوز ، بعض ثمارها حلو المذاق ، والبعض الاخر مر كالعلقم ، بعضها عند الكسر هش ، وبعضها شديد الصلابه . بعضها كان في متناول اليد ، وبعضها كان بعيدا ، في اعالي الشجر . قرّي عينا ،
ما مات شئ فينا ، لا من انسانيتنا ، ولا كرامتنا ، ولا مبادؤنا ، ولاعزائمنا ؟ ولم نفارق ذواتنا ولم نتسكع في قضايانا عابرين .
ولكن مهلا يا أمي ، شئنا ام ابينا كبرنا ،وكنا نغذ الخطى لنكبر بما فيه الكفايه ، تألمنا ، اخطأنا ، تعلمنا ، ولكنا كنا في كل ما قاربناه من هذا وذاك ، ابطالا . ابطال في الفقر وابطال في الدرس . وابطال في العمل وابطال في مقارباتنا السياسية . ابطال في كل ما انتصرنا فيه ، وفي كل ما انهزمنا في ثناياه . .
رغم كل تلك المنعطفات ، لم نسأم شيخوختنا بعد ، بل ونتوق لطفولتنا ولصبانا وشبابنا ايضا ، معكن وفي احضانكن ايها الامهات العظيمات، وما مللنا طموحاتنا ولا احلامنا بعد . ولكن ايها الامهات ، ما اصعب ان تصبح تائها ، بين ليتنا لم نكبر ، والحمد لله اننا كبرنا .
امي ، لقد كان لجيلنا بالكامل ، الف عمر وعمر ، تتجه بداياتها كلها وان تفرعت ، الى دروب في مكان ما في احضانكن . دروب غطسنا مبكرا في عشقها ، ولم ندرك نهايتها بعد ، عانقت بترابها وبمنعطفاتها وبعثراتها ، يوما ما بحنان ، لحم اقدامنا العاريه ، كان السر في تلك المعانقة ولا يزال ، كامن فيكن ، لا فينا ، ولا في الطرق ولا في سكينتها او فيما شابها من عوالق . .
سأبدء من حضنك يا بهية الوجه والقامه ، من هناك ، من النافدة الاولى في حياتي ، فانتن امهات تعز على الوصف .
سأبدء من حيث لا نكتمل الا بالحديث عنهن ، ممن اعتنينا بنبل متفان ، بكل تفاصيل حاجاتنا ، مذ كنا نحبو صغارا من امهاتنا . امهات بادرنا وكن السباقات ، في نقش ورسم ووشم ، ادق تفاصيل طفولتنا وصبانا ، وبواكير شبابنا . ممن كن يتقن فهم ما في صدورنا ، من نبرات اصواتنا ، بعيدا عما يضحكنا او يبكينا .
في احضانهن لم نكن مجرد رعايا او مواطنين من الدرجة الاولى ، بل امراء متوجين . في احضانهن عانقنا دفئا ما كان ينضب ، وبلا مقابل . ياما تقلصنا من البرد فيها ، وغطسنا في نوم عميق في ثناياها . وهن يقاومن بصبر جميل ، قشعريرة برد عات . كان لتلك الاحضان ، نكهة امومة تعز على الوصف .
كنا نرى الحياة في عيونهن ، تتشكل معانيها ودروبها وعناوينها ، من حب لم يكن للحظة واحدة ، بالتخاطر عن بعد ، او بالتخابر السلكي او اللاسلكي ، او حتى بالريموت او بالماسيجات . حب كان كالحادي المنادي ، له انغام معجونه بعطر الرضا الطازج وغير المتذمر او الممنن .
امهات توحمن في حملهن على سفط راحة ، او بطيخ او كمشة زعرور ، او على ما هو ابسط من هذا بكثير ، فلم يكن للايباد او الايفون او الجلاكسي في افق رغائبهن على الاطلاق .
امهات ، حرصن على العمل ، حتى اللحظات الاخيرة من الحمل . كنا نفيق في الصباحات الباكرة ، صيفا وشتاءا ، لنجدهن قد مارسن عشقهن الصباحي ، في تفقد الجاجات والطابون وبير الماء والحطب . اوقاتهن لم يكن به متسع لمسلسلات تركية تلوت وجدانهن ، ولم تكن عقولهن مكتظة بمهند وشياطين مهند ، ولا في اجندتهن ، مواعيد الكوافيره او المنكيره او البديكيره . متعتهن كانت في غسل فوط اطفالهن ونشرها على الحبال او الاسيجة او الشبابيك ، وفي المساء تجديل الشعر وتمليسه بزيت الزيتون ، وفي وضع كحل في العيون ، او وشم اخضر على الشفاه ووسط الذقون . ولم يكن يدرين – يرحمهن الله – ان الكحل والوشم ، يكتسبان شيئا من جمال وجوههن ، ورونق لمعان الطيبة والرضا في عيونهن .
امهات كنا معهن ، كثيرا ما نتبعثر اول الليل في نومنا ، في كل مناحي البيت ، وعند الصباح نكتشف دائما اننا في الفراش المخصص لنا . علمننا لعبة النبله والمقلاع والبنانير والطاق طاق طاقيه . علمننا كيف نذهب الى منازل رفاق اللعب سيرا على الاقدام ، وننادي ببساطة امام الابواب : شل العب وشل العب ، ويا متعشي قوم نلعب . في زمانهن كان لنا بيت واحد وعائلة واحده . ولم نكن في عطل نهاية الاسبوع نبات مرة عند امنا المطلقة ، ومرة اخرى ، عند ابانا المخلوع . .
امهاتنا اقمارنا ، سماواتهن مكتظة بالنجوم التي انجبنها . وما نحن الابناء الا أمثلة حية مؤكدة على جهود لم تتأخر ثمارها . يرحمهن وابائنا الله . اجرهم جميعا عند ربهم على قدر مشقتهم وتفانيهم

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة