أبو پریسا – بقلم : سعيد مقدم

فن وثقافة ….
بقلم : سعيد مقدم ( ابو شروق ) الاهواز ٍ….
أبو پریسا لم يخرج من صدع الأرض، ولا هو مقطوع من شجرة، بل لديه رهط وأنساب وأصهار.
يزورهم ويزورونه، يؤثر فيهم ويتأثر بهم؛ وهذا التفاعل لا يقتصر في تبادل الأفكار فحسب ولكنه يتأثر عن طريق التصرفات والسلوكيات أيضًا.
البارحة شقيقته طلبت من زوجها أن تزور أخاها أبا پریسا، لكن زوجها رجل ملتزم بهويته ولغته، فرفض أن يرافقها في هذه الزيارة.
قالت: وهل تريدني أن أقاطع أخي؟ّ!
قال: بل تواصلي معه، فهذا من حقك؛ ولكن بدوني. فأنا لست على استعداد لأجلس مع شخص أهانني.
سألته في دهشة: أهانك؟! كيف أهانك؟ ومتى؟ هو يكنّ لك احترامًا فائقـًا.
قال: عندما أهان لغتي واحتقرها فقد أهانني. وإلا ماذا تقولين عن شخص عربي طمس هوية ابنته وتراطن معها منذ الصغر وأبعدها عن لغة أمها؟ ماذا تقولين عن شخص عجّم فضاء بيته بعد أن كان يفوح من أرجائه أريج الضاد؟!
كيف تحل البركة في بيت هجر لغة القرآن وتكلم بغيرها وهي لغته ولغة آبائه؟ وكيف تفهم ابنته المسكينة آياته بعد أن تكبر؟ قالت الزوجة وهي تثير حميته: إن لم تذهب معي ماذا سيقول الناس؟! وحيدة؟ أرملة؟…
لكنه لم يرافقها.
وانغرست بذرة الشقاق بين الزوجين وحل الغيظ والغضب مكان الألفة والسكينة المعهودتين.
اليوم عندما رأيت أبا پریسا حييته بتحية صباحية، وتلوت له آية من سورة القصص:
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنـَةِ فـَلـَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فـَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلـُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلـُونَ (القصص 84)
سألني: وهل هناك أية علاقة بين هذه الآية التي تلوتها وبين الالتزام بالعربية التي لا شك أنك تريد أن تكلمني عنها.
قلت: نعم. وسأبقى ألح على حقانيتها حتى أثبتها لك ولمن هجرها جهلا أو قصدًا.
سأل مستغربًا: وهل نطقي بالفارسية مع ابنتي يعتبر سيئة يحاسبني الله عليها؟! أليست هذه من ضمن خصوصياتي الشخصية؟!
غضضت من صوتي ثم خاطبته عن قرب:
ابتعادك عن لغتك سببت مشكلة في بيت كان أهله يعيشون بتفاهم وسلام، ألا تعتبر هذا سيئة؟!
ارجع إلى لغتك وجئ بالحسنة يا صديقي،
تكلمْ مع هيفاء بلغتها العربية، اللغة التي معترف بها عالميًا، لغة رسمية لـ22 دولة، يتحدث بها أكثر من  400 مليون شخص في العالم، لم يفت الأوان يا صديقي بعد، لا تضيع الفرصة عليها.. وإن فعلتَ ظلمتها ظلمًا ما بعده ظلم وضياع.

لم يقل شيئـًا، نأى بجانبه عني، وراح يتمشى على مهل؛ لا يبدو هذه المرة أنه مُعرض.
بدا لي وكأنّ ضميره يؤنبه.
لكنه كابر وأصرّ على كفره فأسرع في الابتعاد!
وتركني متعثرًا  بأزرار الحروف العربية  المنقوشة على لوحة حاسوبي.

سعيد مقدم (أبو شروق) – الأهواز

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة