رحلتي الى امريكا ومع صوت العروبة (1) بقلم : وليد رباح

منوعات ….
بقلم : وليد رباح – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة الاسبوعية …..
( سيتعظ من يظن ان أمريكا ترى فيها الدولارات على قارعة الطريق )
عندما قدمت الى امريكا عام 1987 .. كان في جيبي بعض دولارات  ظننت انني ساشتري امريكا بها .. فاذا بها لا تساوي شيئا .. وقد كنت قد استدنتها من اخي فوزي رباح يرحمه الله قبل قدومي ..  خرجت من مطار كنيدي متباهيا البس بدلة زاهية مع ربطة عنق مزركشه .. كنت شابا .. والطريق امامي مبهج وموحش في الوقت نفسه .. هذه امريكا التي كنت احلم ان تلحقني بابني خالد الذي سبقني اليها بسنوات ليتعلم هندسة الطيران .. ولكنه يسكن ولاية اخرى بعيدة لا استطيع الوصول اليها لغلاء تذاكر الطائرات .. نظرت الى الاضواء حولي والبحر الواسع من النور الذي يضىء بالبهجة ليلا .. لم استطع رؤية النجوم عندما نظرت الى السماء .. فقد كانت اضواء الارض ابهى واحلى واجمل من كل بقعة في السماء.. هكذا ظننت انني سافعل الاعاجيب في هذا البلد الذي لا اعرف فيها احدا سوى اخي (غازي) الذي كنت اعرف عنوان عمله ويسكن مدينة باترسون .. وقد افتتح بقالة واسعة كبيرة ( كما قيل لي) من جهده الذي بناه بالعرق والدموع .. ولا شىء غير ذلك ..
اتجهت الى سيارة اجرة وسألت السائق بانكليزية مكسرة الحروف كاجنحة طائر اصيب بالكساح .. اريد ان اذهب الى نيوجرسي ومدينة باترسون بالذات .. نظر الي السائق واستفاض في رؤية بدلتي الجديده وربطة عنقي الزاهيه .. وقال .. خمسون دولارا .. تحسست جيبي فاذا فيها خمسة واربعين دولارا فقط .. قلت للسائق .. الا يكفي خمسة واربعين فلم يجبني .. بل اشاح بوجهه عني واخذ يحدث زبونا آخر.. سألت احد المارة .. هل مدينة باترسون في نيوجرسي بعيدة من هنا .. قال : ربما خمسة واربعين ميلا .. قلت في نفسي .. انها بعدد النقود التي في جيبي ..
لم يكن معي حقيبة سفر او بعض الملابس .. كنت اضع على كتفي حقيبة صغيرة الحجم تحوي ملابسي الداخلية وكتابا قرأته اثناء رحلة الطائرة من عمان الى امريكا .. اضافة الى دفتر اسجل فيه ما يصادفني وبعض الاقلام  .. لم تكن الحافلات تسير من المطار الى نيوجرسي كما هي اليوم .. قلت في نفسي .. اذا كانت مدينة باترسون على هذا البعد فيمكنني ان سرت اليها ماشيا ان اصل صباح الغد .. كانت الساعة تشير الى التاسعة مساء .. وهكذا بدأت الرحلة الى مدينة باترسون سائرا على قدمي ليلا .
في الطريق الى مبتغاي كنت اغني .. السيارات تمر عن شمالي مسرعة كأنها صواريخ في ليلة مبهجة .. كنت اقرأ اليافطات على جوانب الطريق لاصل الى نيوجرسي .. سرت ما يقرب من خمسة اميال فتعبت قدماي وقررت ان اجلس على حجر على جانب الطريق مشيرا الى الاميال والاتجاه .. كان الصيف حارا .. والعرق يتصبب من جبهتي نتيجة الجهد الذي بذلته في سيري .. كنت اشير الى  السيارات التي تمر عل سائق احدها يقف ويوصلني بالمجان كما نفعل في بلادنا .. ولكنهم كانوا يعزفون عني وعندما يقتربون مني تزداد سرعتهم .. ولم اكن اعلم ان السائقين يخافون من رؤية الغرباء وخاصة في الليل .. فلا يتوقفون .
نهضت على قدمي وسرت ثانية .. ولكن التعب اصابني بعد ميل واحد من السير في الطريق الموحش فجلست ثانية على جانب من الطريق .. نظرت فاذا اضواء سيارة تبرق من بعيد تضي بالازرق والاحمر قد ظننت انها سيارة اسعاف .. وعن بعد تباطأت السيارة حتى وصلتني .. فاذا بها سيارة شرطة من مدينة نيويورك .. قرأت ذلك على مقدمتها عندما وقف الى جانبي .. تجاهلت سيارة الشرطة وسرت قليلا فاذا به يسبقني ويقف الى جانب الطريق امامي .. نزل شرطي من السيارة وسألني ولكني لم افهم السؤال .. فطلبت اليه ببطء ان يتحدث بكلمات افهمها .. لم يفهمني .. ولكني التقطت بعض الكلمات التي توحي انه يسألني لماذا اسير في هذا الشارع وحيدا في الليل.. قلت له .. اريد ان اذهب الى نيوجرسي ولا نقود معي .. جئت توا الى امريكا ولا احمل النقود الكافية لسيارة اجره .. فهمني وضحك وقال : اذن انت ذاهب الى نيوجرسي مشيا على قدميك .. قلت نعم : قال : اتعرف المسافة بين المطار ونيوجرسي .. قلت له ببطء .. قيل لي انها خمسة واربعين ميلا .. قال مبتسما بعد ان لمعت اضواء سيارته على بدلتي الجديده وربطة عنقي الزاهية .. وفقق الله .. اتعرف متى تصل : قلت : ربما في الصباح .. قال وقد فهمته .. هذا ان كنت تسير بسرعة واحدة دون توقف .. بعد اميال ستتعب وتصل ليس صباح الغد .. بل صباح اليوم الذي يليه .. لم استطع ان اجيبه .. فتركني وانصرف بعد ان قال لي : وفقك الرب .. وقد فهمت هذه الجملة بعد ما يقرب من سنتين من وصولي الى نيوجرسي ..
واصلت سيري فاذا التعب يرهقني بعد ما يقرب من نصف ميل آخر .. جلست .. ثم تابعت .. ومن ثم جلست .. ثانية وثالثة ورابعة كانت المسافة امامي واسعة .. اسير والتعب يصيبني بعد جهد .. اكثر من ذلك فقد اصابني النعاس فبت اتطوح في سيري .. واخيرا .. رأيت يافطة كبيرة على جانب الطريق فجلست الى جانبها متعبا .
كان جلوسي الى جانب الطريق في انعطاف بحيث تراني كل السيارات التي تمر امامي بعد تخفيف سرعتها .. كنت انهض على قدمي حينا واجلس حينا آخر .. ولم انتبه لاحدى السيارات التي توقفت بعد ان اجتازتني بمسافة نصف ميل على الاقل على جانب من الطريق.. فاخذت السيارة تسير خلفيا الى حيث اقف .. قلت .. ربما كانت سيارة شرطة اخرى … وبعد جهد وصلتني السيارة ووقفت الى جانبي.. نظرت الى داخلها فاذا امرأة جميلة ترتدي ثيابا ظننت انها اميرة لحسن مظهرها وجمالها .. قالت بصوت اشبه بتغريد العصافير .. ما الذي تفعله هنا .. هل اصابك مكروه .. قلت بادب جم .. لا يا سيدتي .. اني ذاهب الى نيوجرسي مشيا على الاقدام لعدم وجود النقود معي .. قالت : هل انت مجنون .. قلت لها بدعابة .. كنت مجنونا ولكني عندما رأيتك رجع لي عقلي .. ضحكت بجذل وقالت : اذن .. اصعد الى سيارتي .. فاني ذاهبة الى نيوجرسي ..
وهكذا صعدت الى السيارة  وجلست بجانبها .. انتظرني في العدد القادم .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة