هل كان (المَلِك داوود) زعيم عصابة؟! بقلم : د. عبد الله الفيفي

دراسات ….
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي – كاتب من السعودية …
حين يتقبَّل عقلٌ أن حضارة مِصْر العظيمة، التي جُعلت آيةً في “التوراة” و”القرآن”، وجُعل تدميرها عِبرةً للمعتبرين، لا تعدو قرية لا وجود لها على خريطة العالم، ولا أثر لها في التاريخ على الإطلاق، كانت في (عسير)، حسب أحد المؤرِّخين، وعسير بمجملها لا ذِكر لها في الحضارات ولا خطر لها على مرّ التاريخ، أو كانت قريةً لم يسمع بها أحد في (غامد)- حسب مؤرِّخٍ آخر- التي لا ذِكر لها كذلك في الحضارات ولا خطر لها على مرّ التاريخ؛ حين يتقبَّل عقلٌ مثل ذلك يكون حقًّا قد بلغ من انحطاط التصوّر وسخافة التفكير إلى الحضيض، إلَّا أن يأتينا ببرهان يتكافأ مع ادِّعائه. وما قاله في هذا الصدد مؤلِّف كتاب “العرب والساميّون والعبرانيّون وبنو إسرائيل واليهود”، وقبله مؤلِّف كتاب “التوراة جاءت من جزيرة العرب”، هو من كليهما استهزاءٌ صارخٌ بما وردَ في الكتابَين المقدَّسَين، “القرآن” و”التوراة”، من حكاية (موسى) و(فرعون)؛ قائلَين للناس إنّ أعظم طاغية تحدَّث عنه الله لم يكن إلَّا شيخ عشيرة في عسير أو في غامد، وإنّ جبروت الله الذي أراد التخويف به إنّما كان ضدّ قريةٍ بائسةٍ عميلةٍ، مندسَّةٍ في مكانٍ مجهولٍ من خبوت عسير أو غامد وشعافهما، ولم تكن ضِدّ قوَّةٍ تُذكر أو حضارةٍ يشار إليها بأيّ بنان.  كما أنّهما قائلان، بمقتضى مزاعمهما: إنّ الله قد دمَّر ذلك الذَّنَب- إنْ صحّ وجوده، وهذا مشكوك فيه أصلًا- وتركَ الأصل الهائل الذي ما تزال شواهده شامخة في وادي النيل إلى اليوم تتحدَّى العصور.  وبذا فقد اتَّخذا الآيات الواردة عن فرعون وموسى في “التوراة” و”القرآن” مَسْخَرَةً؛ إذ هي لديهما أشبه بحكايات الأطفال.  وإذا كان لا يتقبّل هذا الزعم مؤمن بألوهيّة الكتابَين، فإنه كذلك لا يتقبَّله مؤمن بعقلانيَّة مَن سردَ ذلك القَصص عن فرعون وقومه وعن صراعه مع (بني إسرائيل)، بل هو زعمٌ يقتضي أن مَن حكى تلك الحكايات أحد ثلاثة:
– إمّا بدائيٌّ لا يعرف من الدُّنيا والحضارة إلّا ما يعرف في حدود قريته، فهو يظنّ توافهها آياتٍ بيّنات.
– أو جاهل بأصل الحكاية؛ تلقّف أطرافها فنسبها إلى غير موطنها الأصلي.
– أو هو متعمِّد للتزوير من أجل إيهام البسطاء، والتدجيل على العوامّ من الأُمم السالفة، بأحداث عظام لم تقع في التاريخ، اللهم إلَّا على نحوٍ بدائيٍّ ومتخلِّفٍ جدًّا.
والحقّ أن النصّ القرآني لا يخدم ادِّعاءات (أحمد داوود) بحالٍ من الأحوال، وليته لم يستدعه، حتى لا يبدو شاهدًا فاضحًا على زيف ما توخّاه.  بل إن الرجل لم يكتف بالتقليل من شأن تلك الحضارات والأُمم التي تحدَّثت عنها “التوراة” وتحدَّث عنها “القرآن” بإسهاب- فحوّلَها إلى قُرًى صغيرة ومحطَّات هامشيَّة ووكلاء محطَّات في (السَّراة)- ولكنه أمعن أيضًا في تحقير شأن (بني إسرائيل) أنفسهم، واصفًا إيّاهم بأنهم كانوا “أكثر العشائر البدويَّة “العربيَّة [كذا!]” تخلُّفًا وأقلّها شأنًا في المنطقة.”(1)  وإذا كان يطعن في ما وردَ في “التوراة”، فلِمَ لا يطعن في ما وردَ في القرآن؟ في مثل الآيات: “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ”. (سورة البقرة، 47).  “وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا، وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ”. (سورة الأعراف، 137).  “وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ، وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ، فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ؛ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ”. (سورة يونس، 93).  “وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ”. (سورة الجاثية، 16).  “وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ، اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ”. (سورة المائدة، 20).  “أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ؛ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا”. (سورة النساء، 54).
وكذا يصِف المؤلِّفُ (داوودَ) و(سليمان)، عليهما السلام، بأنهما تزعَّما عشيرة بدويَّة متخلِّفة، قائلًا: “وهي أشدّ العشائر العربيَّة البدويَّة تخلُّفًا في بَرِّيَّة العرب”!  ومعيار التخلُّف في مملكتَي داوود وسليمان لديه أن أفرادهما لم يكونوا ماهرين في قطع الخشب وفنِّيَّات تصنيعه!(2)  فأين يذهب من النصوص- التي يستشهد بها هو- بشأن مملكتَي (داوود) و(سليمان)؟ وأين يذهب من دعاء سليمان ربَّه فاستجاب له: “قَالَ رَبِّ: اغْفِرْلِي، وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي؛ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ”. (سورة صاد، 35).  كلّ ذلك لا شيء لدى المؤلِّف، فقد كانوا “أكثر العشائر البدويَّة تخلُّفًا وأقلّها شأنًا في المنطقة!”، والمَلِك فيهم ما كان يعدو ربَّ أُسرة أو عشيرة بدويَّة تافهة، أو مَلِكًا على بطّالين في مغارة!  إن (المَلِك داوود)- بزعم صاحبنا- كان مجرّد كبير جماعة من البطّالين في مغارة (عدلام).  كان حافيًا، يسكن المغاور، لا مملكة له ولا دولة!(3)  هكذا يقول المؤلِّف.
وهو يزعم أن بني إسرائيل كانوا يعيشون في الكهوف، وفي الجبال، وهم يقطنون الخيام في الوقت نفسه!  ولا أدري كيف يتَّفق هذا بيئيًّا؟  ومتى كانت سَراة غامد، أو أيّ سَروات جبليَّة في العالم، صالحة لمَضارب الخيام؟!  ذلك أن “التوراة” تشير حقًّا إلى خيام كانت لبني إسرائيل، وتشير إلى علاقة تاريخهم ببعض الجبال والمغارات، ولاسيما (طور سيناء)، غير أن هذا شيء والقول إنهم كانوا يعيشون بصورة مستمرَّة في مغارات الجبال وفي الخيام في الوقت نفسه شيء آخر، غير منسجم، بل غير معقول.  إن سُكنَى الخيام لا يتلاءم أبدًا مع الأمكنة الجبليَّة التي يعزو إليها المؤلِّف تاريخ بني إسرائيل في جبال غامد، كما لم يكن ليتلاءم من قَبل مع الأمكنة الجبليَّة التي عزا إليها (كمال الصليبي) تاريخ بني إسرائيل في جبال عسير وما جاورها.  هنا وهناك خلطٌ بين طبيعة بيئة بَرِّيَّة بدويَّة، وطبيعة بيئةٍ ريفيَّة زراعيَّة، لربط بني إسرائيل- الغالب على حياتهم، وَفق وصفها التوراتي، التبدِّي والبَرِّيَّة- بتركيبات سكانيَّة مغايرة بضرورة التضاريس والبيئة، من حيث هي ريفيَّة زراعيَّة؛ لأنها تعيش في المرتفعات والشِّعاف.
ومن العجيب أن (أحمد داوود) مع تلك الثقة المطلقة في مزاعمه الغرائبيَّة- التي لا تستند على وثائق أو براهين- يظلّ يستشهد لنا بـ”القرآن الكريم” بين فقرة وأخرى من كتابه!  فكيف يستشهد بنصٍّ يشهد بنقيض ما يعنو إليه؟!  أ فما قرأ- وهو يهوِّن كثيرًا جدًّا من تاريخ الملِكَين (داوود) و(سليمان)، ما جاء عنهما في “القرآن”؟!  أم هو يكذِّبه، مع استشهاده به؟!  أما قرأ، مثلًا، آيات (سورة الأنبياء)، عن (داوود) وعن ابنه (سليمان): “وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا.  وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ، وَكُنَّا فَاعِلِينَ.  وعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ، فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ؟  ولِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، وكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ”. (الآيات 79- 81).
وهي- كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي- مملكةٌ لا على الإنس وحدهم، بل على الجِنّ، والطير، والحشرات، وسائر المخلوقات.  هذا ما جاء في (سورة النمل): “ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا، وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.  وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ، وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ، إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.  وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ.  حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ، قَالَتْ نَمْلَةٌ: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.  فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا، وَقَالَ: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ”. (الآيات 15- 19).
هذا المَلِك الذي ألانَ الله له الجِنّ والجبال والطبيعة والحديد، فأنشأ من الصناعات ما ظلّ التاريخ يعزوه إليه، كان معلِّم عصابة، يمشي حافي القدمين، ويسكن في كهف؟!  نعم، هكذا يجزم المؤلِّف.  زعيم عشيرة “هي أشدّ العشائر العربيَّة البدويَّة تخلُّفًا في بَرِّيَّة العرب”؛ لأنهم- كما يستدلّ- لا يُحسنون الصناعات الخشبيَّة، ولا “سكب المعدن”؟(4)  فما نفعل بالآيات الآتية: “وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا، يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ، وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ  فِي السَّرْدِ، وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ، وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ.  يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ، اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا، وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ”. (سورة سبأ، 10- 13).
(داوود) ذو الأيدي، والمُلك المشدود، والحُكم، والحِكمة، والصناعات، وفَصْل الخطاب، كما في (سورة صاد، 17- 20): “اصْبِرْعَلَى مَا يَقُولُونَ، وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِي، إِنَّهُ أَوَّابٌ. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ.  وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً، كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ.  وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ”.  داوود الذي خاطبه الله بالخلافة في الأرض: “يَا دَاوُودُ، إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ؛ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى”. (سورة صاد، 26). هذا الملك العظيم ظَهَرَ، على آخر الزمان، أنه إنما كان زعيم عصابة من الصعاليك، من أهل الكهوف في جبال السَّروات!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) داوود، أحمد، (1991)، العرب والساميّون والعبرانيّون وبنو إسرائيل واليهود، (دمشق: دار المستقبل)، 170.
(2) انظر: م.ن، 268، 273.
(3) انظر: م.ن، 257.
(4) انظر: م.ن، 339.
………………………………………………………..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة