قراءة انطباعية لرواية “الرجل المناسب” لوليام بويد: بقلم : مهند النابلسي

اصدارات ونقد …..
بقلم : مهند النابلسي – الاردن ….
نموذج للاستعمار الجديد في العالم الثالث!
الرؤيا  في  هذه  الرواية حيادية ومتوازنة لدرجة  كبيرة، فهي  بقدر  ما  تكشف اللؤم والمكر والدهاء الاستعماري،  بقدر ما تسلط الأضواء على  الخرافات والفساد والتخلف المستشري في هذا البلد “الافتراضي” الذي تدور فيه الأحداث. انها رواية  سياسية من الطراز الاول بالرغم  من  خلوها  من  المباشرة والتقرير والخطابة،  وهي تكشف النقاب بجرأة عن الأحداث “الساخنة  والمستترة”،  والتي قد تتماثل وتتشابه لحد بعيد بشكل او بآخرمع مجريات  الامور في أي بلد من دول العالم الثالث.
ف”شانجو” اله البرق هو الذي قتل امرأة تدعى “انوسينس”، وحيث  يتطلب البرتوكول القبلي ترك جثة هذه  المراة لأيام تحت أشعة الشمس الحارقة،  بانتظارالكاهن “الساحر”  للقيام  بالطقوس  السحرية التي  تستدعي  ذبح  ماعز لتحرير المرأة وروحها من غضب  “شانجو”! ويشعر موظف السفارة البريطانية  بالاستياء التام من هؤلاء الناس، ويتمنى  الخلاص  منهم  حيث  يقول بمرارة :” وكل  ما  يتطلبه  الأمر  هو  تنظيم  مكون  من  ناس  عاديين  يقومون  بالعمل  الجاد( الخالي  من  عبدة  شانجو  اله  الرعد)”!
لقد  اصبح  رجال  الخارجية  البريطانية  مهتمين  بالانتخابات  القادمة  في  ” كينجانجا ” البلد  الأفريقي  الافتراضي،  وذلك  بعد أن  تبين  لهم  ان  مخزون الزيت الخام (النفط) المستكشف  حاليا  أكبر بكثير مما  كان  يظن  اولا،  كما  اتضح  من الاستفتاء ان أكبر الأحزاب  السياسية  الموالية لبريطانيا له حظ كبير في اسقاط  الحكومة الحاضرة  ذات  الشعبية  الضعيفة. ويبدو أن  رائحة النفط  تملك  “جاذبية  طاغية” بالرغم  من أنها في واقع  الأمر “كريهة وسامة” لحد ما!
الفساد النمطي!
أما الفساد المستشري في “كينجانجا” فهو”نمطي-نموذجي” يشبه  الفساد  المستشري في كافة بلدان العالم الثالث، فهذه الدولة الافريقية الخيالية تأتي السابعة في ترتيب الدول المستوردة للشمبانيا في العالم (اما ترتيبها في  الألعاب الألومبية فربما الأخيرة!)،  وهي تهتم  كثيرا  برفاهية  موظفيها الكبار فقد اشترت لهم  في العام  الماضي اكثرمن مائتي سيارة  مرسيدس بنز. وتدار الانتخابات في هذا البلد الخيالي  بطريقة غريبة…  فيكفي أن  تذهب الى أي قرية وان تدفع  للعمدة  ما  يطلبه،  ثم  تطلب  منه أن يدلي أهل البلدة بأصواتهم، فتحصل على  تلك الأصوات! فهل  يستطيع  بلد يستشري الفساد فيه  بهذا الشكل أن يقاوم  الاستعمار  بأشكاله  القديمة  والجديدة؟ ويبدو أن مخيلة الكاتب  متواضعة  امام “ابداعات” الفاسدين  المتنفذين  في  عالمنا  العربي البائس، اللذين لا يتركون  مشروعا ينجز بدون أن  يأخذوا منه  نسبهم المئوية (او  ما  يسمى  اصطلاحا:عمولتهم ) ، وقد  اعطتهم ” الخصخصة ” الفرصة  الذهبية لسرقة  مرافق  ومقدرات الأوطان بلا حسيب او رقيب،  كما  يبدو أن  الشركات  العالمية التي تحظى بالمشاريع الاستراتيجية (في  معظم  دول  العالم  الثالث  والعربي  تحديدا ) قد اصبحت  ملمة تماما بدهاليز هذه  اللعبة، وتعرف  كيف  ترضي  كافة “اللاعبين” من  خلال  شبكة  عنكبوتية تشبه  تراتبية  المافيا من حيث  توزيع النسب وتوزيع  الأدوار، أما الأمثلة  على ذلك فهي كثيرة ومتنوعة وربما  تغري  كاتب روائي مبدع لكي يباشر بكتابة رواية جديدة اقترح أن يسميها  “الفساد  العنكبوتي”، واضمن أن  تلقى رواجا وان تنافس فيلم “الأب الروحي” ان تحولت لشريط سينمائي.
استغلال الطقوس والعادات!
ان  التحرر والاستقلال ليس حدثا شكليا وانما وعي انساني متجدد ،  والمستعمر البالغ المكر والخبث يستغل الطقوس والعادات المحلية ليبرر فعله  الاستعماري المحتقر للشعوب، فالكاتب يصف  افريقيا  بواسطة  بطله  قائلا :” وكلها  افريقيا ….مشهد  “انوسينس” المرأة  المغطاة  بالعسل والتمائم  والأحجبة،  وحيث   الدخان  الخانق  يتصاعد من النارحولها،  والأطفال  شبه  العراة  يتجولون في ذلك  المكان  بلامبالاة،  والدجاجات  تنقر   التراب  …. والجثة  راقدة  في سباتها الأبدي، لا  تتأئر بشيء تحت  غطائها  الزاهي الألوان … ومع  كل  يوم  يمر  عليها  وهي  بهذه  الحالة تتعفن  ويتكاثر حولها الذباب والحشرات الاخرى”! والآن  كيف  تخمن اي  شكل  من  أشكال التقدم  يمكن ان يسود في  بلد  تحكمه  مثل  هذه  الطقوس  والخزعبلات؟ وهو  نفس الاستنتاج الذي يتوصل  اليه  موظف السفارة حين  يقول باستياء: “حلت  عليهم  اللعنة… انه  بلد  مرذول لا يحتمل،  فهم  يذهبون لأعمالهم  يوميا دون أن  يعنيهم شيء،  كما لو كان هذا اليوم  يوما  عاديا كبقية الأيام،  ويمشون  فوق  جثث  الموتى بدون  احترام  واي  تفكير  ….انهم  حيوانات متوحشة  فاقدة الاحساس” …  ان  هذا  التعبير الأخير  تحديدا هو الذي يبرر”الفعل  الاستعماري  الخسيس” لأن هذا “الانسان الاوروبي المتعالي أصلا” لا يحترم حياة الانسان الآخر الذي يشبه  بسلوكياته ومعتقداته “الحيوان المتوحش”، بل أنه يهتم كثيرا بالحيوانات المفترسة الضارية ويرعاها بالمحميات!
الاستعمار بوجوهه القديمة والجديدة  يسعى دوما  لتشويه  صورة  ضحاياه المعنوية والنمطية، مستغلا  الاعلام  والمحطات  الفضائية  في  عالم  “القرية  الكبيرة  الواحدة” الذي  نعيش فيه، وهو يستغل الطقوس  والعادات والممارسات المتخلفة، وهو في عنصريته وكراهيته العمياء لا يتحيز لأحد سواء  للحاكم المتسلط وأجهزته  القمعية الاجرامية الفاسدة،  او للمعارضين  المشتتين الطامعين للسلطة والبائعين  لضمائرهم وانتماءتهم وأوطانهم، وحتى للثري الفاسد الشهواني المبدد لثروات شعبه،  أو للانتهازي “الطائفي” المتاجر بالدين، ولكنه يستثني (على سبيل المثال) للطالباني الموسوم  بالارهاب حيث لا يضير جنود اليانكي الأشاوس حين يتبولون بانتشاء  فوق  جثث  قتلاهم، كذلك لا تعيرأمريكا بالا حين يقوم  جندي  تافه  بقتل  ستة  عشر افغانيا معظمهم من النساء والأطفال، وبلا سبب معروف كما سبق وأقدم جنودها على تعذيب وقتل العراقيين،  بينما تقيم الدنيا ولا تقعدها عند سقوط  صواريخ تائهة على بلدات دولة الاغتصاب والطغيان اسرائيل، ولا تجد احدا  يندد بالضحايا الفلسطينيين المدنيين،  هذه هي النظرة  الاستعمارية المتجددة والتي تحاول أن تتستر دوما بمفاهيم حقوق الانسان !
تكمن  مشكلتنا  الحقيقية  كعرب في أننا  لا نحب القراءة ولا  نأخذ العبر  والدروس،  فكل  ما حدث  ويحدث الآن في أوطاننا هو  مجرد تطبيق شبه  حرفي “لبرامج  ومؤامرات  وسيناريوهات” مكتوبة وغير مكتوبة معلنة ومستترة ، وملقاة  هنا وهناك في  خطب وابحاث ومؤتمرات وكتب وملخصات،  ولا نعيرها اهتماما لأننا  نعتقد أن الأمرلا يخصنا وبأنها مجرد  تنظيرات غير
عملية، ولأن  اصحاب  القرار  معزولين في بروج عاجية،  تحيط  بهم  شلة  من  الفاسدين المنتفعين…لذا نحتاج  لصدمة  وعي  يومية  تشبه  صدمة  الكهرباء،  وهذه هي المهمة الصعبة للكتاب والمفكرين والباحثين “الشرفاء”!
مهند النابلسي
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة