اسبوع أفلام غوته في عمان – بقلم : مهند النابلسي

فن وثقافة …..
بقلم : مهند النابلسي – الاردن ….
ثلاثة أفلام المانية لافتة تبحث بثيمات: اضطهاد الأرمن وتيه الشباب وتسلط الستازي!
الفيلم الأول الجرح (2014) هو من النوع التاريخي الباذخ الانتاج، وقد ساهمت خمس دول بتمويله وانتاجه وهي ألمانيا، فرنسا، ايطاليا، بولندا وروسيا،  وهو بالتأكيد فيلم سياسي “ضمني-مجازي” يلقي الضؤ على مجازر الأرمن  ابان الحكم العثماني البائس في سنواته الأخيرة، وهو من اخراج الألماني- التركي فاتح أكين، وقد صور جزء منه بالاردن، وتجري احداثه بسنة 1915 في بلدة ماردين التركية (أي في الذكرى المئوية للمجزرة التي يقدر عدد ضحاياها بمليون شخص)، حيث يتم في أحد الليالي القبض على الحداد “نازاريت” من قبل الجندرمة التركية القاسية، وبعد تعرضه للأهوال ينجح بالفرار، ويتم اخباره بنجاة ابنتيه التوأم من المجازر الجماعية التي ارتكبت بحق الشعب الأرمني ، ويسعى جاهدا للبحث عنهما ابتداء من الصحراء السورية مرورا بكوبا وانتهاء بأمريكا، وقد حاول عبثا محو “نحت الصليب” عن ذراعه لكي لا تكتشف هويته…يعتبر هذا الفيلم الجديد بمثابة “صفعة” تاريخية لتركيا “أردوغان” التي تنفي باصرار وقوع هذه المجازر ولا تعتذر للشعب الأرمني…يستعرض هذا الشريط التاريخي المبهر العذابات الرهيبة التي مر بها الحداد الأرمني البائس “نازاريت” للنجاة بنفسه وللبحث عن عائلته المنكوبة،  حيث يضطر  للبحث عن زوجته المصابة (التي حلم بها مرارا) بجروح خطيرة  في أحد معسكرات القتل التركية، ثم يقدم على قتلها لتخليصها من العذاب  والاغتصاب، ثم ينجو بمعجزة من القتل عندما يرأف به  السجين المحرر القاتل مقابل قطعة نقود معدنية ، فيما يذبح رفيقه مع مجموعة اخرى من الأرمن المعتقلين تماما كما تذبح الغنم، ثم يقوده التيه للعمل بمصبنة تاجر سوري طيب من حلب، ليتصادق مع أرمني آخر يعمل عند نفس التاجر، ثم ينطلق لكوبا بعد ان يجمع مبلغا من المال باحثا عن ابنتيه التوأم مستخدما صورة فوتوغرافية قديمة للتعرف عليهما، حيث ينجح المخرج المتمكن من تصوير أجواء اللجؤ والبؤس والحياة اليومية بهافانا، وان كان بالغ باظهار اهتمام حلاق ارمني بقصته  وتعاطف معه لينتهي به المطاف بأمريكا، متنقلا من بلدة الى بلدة، حيث يضطر للعمل بكافة المهن الصعبة ومنها تركيب سكك الحديد، حيث نرى حقارة زملاءه ووحشيتهم التي تتماثل مع وحشية الجندرما التركية من حيث القسوة  والنزوع لاغتصاب النساء  بوحشية لافتة، والملفت بهذا الشريط هو نزوع بطلنا للسلم والبعد عن المشاكل بالرغم من الأهوال التي مر بها، ويبدو ان “حافز ايجاده لابنتيه” هو الذي أبقاه على قيد الحياة بعد مرارة الأهوال والعذابات التي تناوبت عليه بلا هوادة …أما المشاهد الختامية  بهذا الفيلم المكلف فتبدوغريبة وربما غير منطقية من حيث انه تعرف بسرعة على ابنته العرجاء ببلدة مقفرة ولا نجد احدا فيها، حيث تخبره أنها تعيش وحيدة بعد وفاة شقيقتها التوأم قبل أشهر… ونراهما يزوران مقبرة البلدة والحزن يتملكهما…يعزى اسم الفيلم لجرح نافذ تلقاه الحداد “نازاريت” متسببا بعطل في حنجرته يمنعه من الكلام ويحوله لأبكم، ولكن فرحة لقاؤه بابنته تجعله ينطق أخيرا!
يكمن ذكاء المخرج بقوة تركيزه على مصيبة الحداد الشخصية  وببعده عن التشتت والميلودراما والخطابة الدعائية (كما بحالة الفيلم الثالث “بابارة” الذي اتحدث عنه بهذا العرض)  …كما يبدع حقا بنمط اخراجه الشيق الذي يتماثل مع اسلوب اخراج أفلام الويسترن من حيث قدرته على تطوير الأحداث دراميا باتجاه ذروة متوقعة، كما يبهرنا التكامل الاخراجي وواقعية المشاهد ونمط تصميم الملابس التاريخية والديكورات والمكياج والتصوير     في استعادة تاريخية نادرة لتلك الأحداث المأساوية المرعبة التي تصر الدولة التركية الحديثة بمكابرة على انكارها وحذفها من الذاكرة الانسانية…وقد أبدع الممثل الفرنسي الجزائري “طاهر رحيمي” بأداء الدور باسلوب واقعي –رومانسي محزن، وقد اتقن بحق دور “الضحية” وجذبنا كمشاهدين للانغماس بالأحداث وتتبع مأساته الشخصية ذات البعد “العرقي-الديني”!
أما الفيلم الثاني واسمه “يا صبي” (2012) فهو من اخراج مخرج مبتدىء اسمه “اوليه غيرستير”، وتدور احداثه في مدينة برلين وخلال أربع وعشرين ساعة من حياة الشاب نيكو فيشر، حيث يتخلى هذا الشاب عن دراسته الجامعية بشكل نهائي،  ويذهب متسكعا يراقب الناس ، ولكن يبدو أن هذا اليوم سيكون محوريا وسيغير أشياء كثيرة في حياته…ثم نرى نيكو فاقدا للحماس وتائها، تاركا دراسة القانون لأنه اكتشف انه لا يلائمه، ثم نراه لا يتحمس لمعاودة لقاء صديقته المتلهفة، وكذلك نستغرب من تعامل أبيه  الثري اللئيم  معه ولا مبالاته تجاه فشله، وعدم رغبته باعطاءه فرصة جديدة، كما نراه يتورط مع صديقة المراهقة التي كانت بدينة ومنفرة والتي أصبحت الآن نحيلة جذابة، حيث  تدعوه ورفيقه  الممثل الفاشل لمشاهدة مسرحية ايمائية سخيفة “شبه صامتة”، تزعق فيها بدور امرأة حامل تلد، ونسمع نقاشا عبثيا وعصبيا حول مغزى المسرحية…ثم نرى طريقة تعاملها الهيستيري معه بتأثير تداعيات حالتها السابقة كبدينة منفرة ثم تطرده خارجا بقسوة، كما يضحكنا بمحاولاته المكررة الفاشلة لتحضير كوب من القهوة، ونسمع محققا  يسخر منه ويعنفه لاقدامه ذات مرة على تناول الكحول أثناء قيادته للسيارة، وينتهي الفيلم بمشهد عبثي حيث يشاركه  عجوز سكير متهافت غصبا بتناول اقداح من الكحول ببار الحي،  ويحادثه عن ذكريات شبابه وانضمامه للحزب النازي، لينتهي المشهد بسقوطه أرضا ووفاته لاحقا بالمستشفى بعد ان رافقه بطلنا بسيارة الاسعاف، ونجده وقد تعاطف حزنا معه وخاصة عندما تخبره الممرضة بأنه لا يوجد لديه اقرباء يسألون عنه!
معظم شخصيات هذا الفيلم تبدو  يائسة ومحبطة لأسباب شخصية وعامة، ابتداء من جاره الأربعيني الذي يفتقد للتواصل مع مرض زوجته وشغفها الكبير بالطبخ، والذي يهديه حلوى غريبة المذاق والشكل يضطر لوضعها بالمرحاض كتعبير عن البؤس واللامعنى، حيث يمضي هذا الأربعيني معظم وقته  بطابق التسوية تحت منزله ليشاهد منفردا مباريات كرة القدم، ثم لصديقه ممثل الكومبارس الفاشل، وصولا لصديقته القديمة  الغريبة الطوار…ونرى خلال الشريط بطلنا الشاب تائها يتخبط على غير هدى فاقدا لبوصلته بالحياة وخاصة أثناء لقاؤه لوالده الثري الذي لا يبدي تفهما لوضعه ولا لمصيره لأنه ضيع فرصته الدراسية الثمينة  المتاحة…أعتقد ان المخرج الشاب يحاول هنا ان يستعرض ربما  حياته الشخصية ومحاولاته الفاشلة للتواصل والنجاح بالحياة والعمل، فيصنع دون قصد سينما بديلة  ألمانية تعكس ضياع الأجيال الشابة بألمانيا والغرب عموما (وقد سبق وأن شاهدت فيلما مجريا كوميديا مشابها)، وربما تتماثل لحد ما مع افلام الموجة الفرنسية “الجديدة-القديمة” والواقعية الايطالية الشهيرة التي نزلت الى الشارع لمعاينة الواقع الحياتي اليومي للناس العاديين، وقد نجح لحد ما بتقديم فيلم مسلي ولا جدي، ولكنه يفتقد للطرافة والمغزى!
أما الفيلم الثالث الأخير الذي شاهدته فهو شريط “بابارة” (2012) وهو من اخراج كريستيان بيتسولد، فتجري احداثه قبل تسع سنوات من السقوط التاريخي الدراماتيكي لجدار برلين الشهير بالعام 1989، حيث يتم نقل الطبيبة المحبطة  بابارة من مدينة برلين لتعمل في أحد مشافي منطقة ريفية نائية، وذلك كاجراء عقابي لها لمحاولتها الفاشلة مغادرة البلاد مع صديقها الغامض الذي حضر لها كامل اجراءآت الهروب…ولكن تعامل رئيسها الخبيث مع الشرطة السرية الألمانية (الستازي) أدى لملاحقتها وتنغيص حياتها وغير مسار الامور…وكعادة مثل هذا النمط المعهود من الأفلام الألمانية فهناك مبالغات وتشويه وشيطنة للنظام البوليسي الشرقي، حيث بدت بطلة الفيلم بربارة ( الممثلة البارعة تينا هوس) وكانها تائهة ومنعزلة تماما عن مجتمعها وغير مقنعة، بالرغم من أنها بدت على الأقل منسجمة مع وضعها الجديد والبيئة الريفية الهادئة الطبيعية ذات الهواء المنعش، حيث نراها تفضل الانتقال دوما بدراجتها الهوائية بكل تنقلاتها الشخصية والعملية، وعندما يخبرها صديقها الغامض بالكف عن محاولات الهرب ومحاولة الاندماج بالمجتمع، والعيش معه بسعادة بالدولة الاشتراكية ترفض باصرار ودون توضيح الأسباب…ثم نراها تسخر من رئيسها الطبيب والتزامه السياسي قائلة له بسخرية ذات مغزى “أنت هكذا تسد جميل دولة الفلاحين والعمال”، وكأنها لم تستفد هي شخصيا من هذا النظام الذي تكفل بالانفاق عليها لتتحول أيضا لطبيبة ماهرة لا تفتقد شيئا من أساسيات الحياة الكريمة،  كما اننا كمشاهدين لا نفهم حقا سبب معاناة واضطهاد السلطات الألمانية للفتاة “الهاربة” من المصحة والمريضة نفسيا، تلك الفتاة التي فضلتها على نفسها وأعطتها المورفين كمهدىء  لتسهيل هروبها للغرب باتجاه الدنمرك بقارب صغير بأجواء بحرية عاصفة وهائجة، ثم نراها دون أن نفهم السبب أيضا وهي تعود  لمقر عملها لتتعرض ربما للاعتقال! كما لا نفهم سبب اقدام شاب على الانتحار، ولا سبب “لامبالاة” زميلها الطبيب تجاهها، الذي بدا وكأنه متعاطفا معها ويحبها اكثر من صديقها الغامض الآخر الذي يبدومتلهفا دوما لممارسة الجنس التلقائي معها بأي مكان، كما لا نفهم حقيقة سبب احتقارهما الغير مبرر لعائلة ضابط الستازي الألماني الشرقي، حيث يبرر الطبيب المتواطىء لها سبب علاجه للمرأة المريضة لأنها مصابة بالسرطان وبأيامها الأخيرة، كما نلاحظ استهتارهما الغير مفهوم لهدية “الخضار المشكلة” التي اعطيت لهما من قبل زوجة الضابط، كذلك لا نستطيع ان نفهم سبب نفاق رئيسها وتواطئه السافر مع الستازي، بالرغم من أنه بدا أحيانا وكأنه يشاركها خفية وضمنيا بأفكارها المناوئة للنظام الاشتراكي (الذي حقق لألمانيا “الديموقراطية كما كانت تسمى”على الأقل معجزات رياضية عالمية بمجال العاب القوى الاوليمبية وحصد لألمانيا الاشتراكيةالعديد من الجوائز المرموقة خلال العقود المنصرمة)!
أعتقد أن هذا الفيلم يطرح وجهة نظر غير متوازنة و”حكمية مناوئة”  فيها العديد من التجني  والمبالغات اللاواقعية تجاه ما كان يحدث بالدولة الاشتراكية “العدوة”، كما بدت بطلة القصة محبطة وغير متحمسة لشيء، ولم تظهر ابدا ككائن استهلاكي يعشق الغرب وكمالياته، حتى عندما قابلت بغرفة الفندق صديقتها الجميلة التي كانت “تتأوه صراخا من النشوة الشبقية”، لم تبدي حماسا لأشكال “خواتم الزواج والخطبة” المعروضة بشكل جذاب بكتالوج دعائي خاص…كما أن استعراض حالة التعري الكامل للتفتيش القسري من قبل شرطية “اشتراكية” قاسية الملامح بدا مبتذلا ومكررا وفاقدا للمغزى كما بمعظم هذا النمط من الأفلام الدعائية التي تفتقر حقيقة للقيمة الفنية، والتي تهدف لزرع مفهوم “شيطنة النظام الألماني الاشتراكي البائد”، وكأن الحياة بألمانيا الاتحادية الآن أصبحت جنة “الله” على الأرض بلا مشاكل واحباطات وتداعيات وبطالة، ناهيك عن المشاكل القائمة والمتوقعة لموجات النازحين الجدد!
الغريب ان مقدمي العروض الثلاثة “الألماني والمصري والاردني” قد تحمسوا بالاشارة لمصداقية الفيلم العالية وبراعة اخراجه وواقعيته، دون أن يتعمقوا بتقديم صورة حقيقية بحثية نقدية ذا ت مغزى، كما فشل الثلاثة بالتفاعل عموما مع الجمهور المتنوع بشكل تشاركي جذاب كما يحدث عادة بعروض مماثلة ولم يشجعوا النقاش… وبدا وكأنهم يتحدثون بعزلة وتعالي مع بعضهم البعض طيلة العروض الخمسة للأفلام، كما لم يهتموا بعرض وتعبئة نماذج مطبوعة للتغذية المرتدة!
مهند النابلسي
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة