ميكافللى وحياتنا السياسية ! بقلم : ناجي شراب

دراسات [….
دكتور ناجى صادق شراب – فلسطين المحتلة ….
ميكافللي فيلسوف سياسى إيطالى عاش فى نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر فى بيئة سياسية قد لا تختلف كثيرا عن البيئة السياسية التى نعيشها اليوم.وعلى الرغم من إيطاليا قد شهدت حضارة مزدهرة، وأستطاعت أن تحكم مناطق كثيرة فى العالم،إلا أنها عانت من التفكك والإنقسام والتنافس والتنازع بين دويلاتها التى سادتها الحروب،وكانت موضع اطماع وإستهداف من قبل الدول الأجنبية المجاورة.والفترة التى عاشها سادت حالة من الردة نحو الكفر والوثنية ، وكان الحكام يلجأون لتثبيت حكمهم وتحقيق نزواتهم السياسية بكل ألأساليب الغير أخلاقية.ولم يكن البابوات ممثلى السلطة الكنسية الدينية أحسن حالا من الحكام الزمنيين. لجاوا للفساد وإستغلال سلطتهم، وعاملوا انفسهم على انهم حكام مثل غيرهم، وذهب الأمر إلى حد الحكم الإلهى او التفويض الإلهى. وعانت إيطاليا من وجود دولة قوية مركزية قادرة على توحيد دويلاتها المفككة والمتنازعة. وشجعت الإنقسامات اطماع فرنسا والمانيا وأسبانيا. فى هذه ألأجواء عاش ميكافللى ألذى إنتقد ان البابا كان أضعف أن يوحد إيطاليا، وكان من الضعف أن يمنع أى حاكم آخر أن يقوم بنفس المهمة. لعلاقاته الخارجية. وهذا ما دفعه للسخرية من الكنيسة والبابوات، وهو ما دفعه لكتابة كتاب الأمير ، والذى لا يعدو ان يكون عبارة عن مجموعة من النصائح للحاكم ، لكى يثبت الحكم، ويقضى على سلطة البابوات ، ومناديا بفصل السياسة عن الدين ، وعن الأخلاق. ، وهو كتاب لايخرج عن نصائح فى فن الحكم، والوسائل التى تؤدى لقوة الدولة والحكم ، وتوحيد إيطاليا, والسياسة التى تستطيع أن تحقق أهدافها وغاياتها، والأخطاء التى تؤدى لإنحدار الحكم. ولعل ابرز ما فى هذا الكتاب التركيز على الوسائل العسكرية والسياسية لحكم قوى ، والغاية والهدف هو الحكم ، وإيطاليا الموحدة ، وما دون ذلك يكون فى خدمة هذا الهدف. كتاباته وفلسفته تعتبر أسسا لنظرية القوة والواقعية التى تحكم السلوك السياسى للعديد من الدول ، التى لا تؤمن إلا بالقوة للحفاظ على أهدافها ومآربها التوسعية على حساب غيرها،وأفكاره ليست قاصرة فقط على الحالة السياسية عندنا ، بل تأخذ بها حتى الدول التى تتنادى بالديموقراطية ، وعلى مستوى المتنافسين للحكم ، كما الحال ألآن فى المعركة الشرسة للتنافس على إنتخابات الرئاسة ألأمريكية ، فالمرشحون يلجأون لكل ما كتبه ميكافللى ، من أجل الفوز ، ولديهم الغاية تبرر الوسيلة ، المهم الحكم والوصول للرئاسة ولو على حساب الأخلاق ، والكذب، والمبالغة . والنفاق الشديد وكأن كتابات ميكافللى حاضرة فى تصريحات هؤلاء المتنافسون.  فجيب بوش يسعى لتثبيت توارث السلطة ، وتثبيت التقاليد، وفى هذا يقول ميكافللى : إذا كان ألأمير فى وضع عادى فإنه سيبقى نفسه دائما فى هذه الحالة ،إلا إذا ظهرت قوة إستثنائية تحرمه هذا الوضع. وإعتماد الكثير من المرشحين ألآخرين على ألأثرياء ولأغنياء وهو ما سيجعلهم تخت تأثيرهم حتى وهم فى الحكم، وكما يقول ميكافللى سيجعلهم غير قادرين على إتخاذ القرار السليم ، وهى نفس الحالة التى تعيشها الولايات المتحدة ، والتى يعبر عنها بظاهرة اللوبيات. وميكافللى يعتبر ذلك من اسباب إنحدار وضعف الحاكم وسبب للفساد السياسى ألأخلاقى. ويحذر من هذه الظاهرة ، ظاهرة تبعية الحاكم للغير، ويطالب ان يعتمد على نفسه، ومن المظاهر التى نقدها ميكافللى ربط السياسة بالدين ، وألإعتماد على كسب أصوات الناخبين بتوظيف الدين أو الحماسة الدينية كما يظهر ذلك فى تصريحات ترامب، وبين كارسون الذى يسعى لكسب الناخبين الإنجليين. ميكافلى نادى بالفصل بين السياسة والدين، وأيد فكرة او مفهوم الحاكم او القائد المبدع، والإعتماد على الشعب أو تبنى مبدأ الشعبوية بإثارة حماسهم وعواطفهم، إذا كان هذا هو حال افكأر ميكافللى فى دولة ديموقراطية مثل الولايات المتحدة فما بالنا فى الحياة السياسية التى تسود دولنا ومجتمعاتنا، فكل افكاره وفلسفته تطبق ، وتوظف ، وقد توظف بطريقة غير صحيحة ، لأن الإفراط فى التمسك بالحكم والحفاظ عليه بكل وسائل القوة الصلبة والناعمة بلغة العصر، بعيداعن الشعب قد لا تكون هى الهدف فى حد ذاته، فالهدف من السياسة برأيه هو المحافظة على القوة السياسية وزيادتها، والمعيار عنده هو نجاحها فى تحقيق هذا الهدف دون الأخذ بالإعتبار ما إذا كانت قاسية أو غير قاسية جائرة او غير جائرة ، المهم هو نجاح هذه السياسة.فبقول :على انه خير للأمير أن يستغل من الصفات ما يشاء فى سبيل رفعته،غير ناظر لقيمة اخلاقية أو دينية.ومن المفارقات العجيبة فى أفكاره توظيفها حتى من قبل الجماعات التى تسعى للحكم بكل وسائل القتل والتشدد، مثل الجماعات الإسلامية المتشددة التى تنتشر ألان، هم يطبقون الغاية تبرر الوسيلة ، لكن بتوظيف معاكس للدين. واخيرا عنده الغاية الأساس هى إزدهار الدولة وعظمتها، وإن هذه الغاية والهدف يتجاوز كل معايير الخير والشر الذى يتمسك به ألأفراد، وهنا التمييز بين المستوى الفردى للإخلاق ومستوى الحكم والدولة. فللوصول لغرض سياسى وهو الحكم والدولة القوية يبيح عنده كل الوسائل بما فيها القتل والكذب، ولذلك من السياسات الميكافللية المتبعة اليوم أن الحاكم يبدى من الأخلاق والين بشكل علنى ، ولكن يبقى عكس ذلك طى الكتمان, فإستعمال الوسائل اللاأخلاقية فى الحفاظ على الحكم مباحة ، لكن الحاكم الذكى عليه إستعمال ذلك بدهاء وذكاء, سياسة واضحة حولنا ، ونلمسها بشكل يومى. ولعل هذه السياسة هى التى ألصقت الصفة الشريرة فى كتاباته، وخصوصا الغاية تبرر الوسيلة.  وليس معنى ذلك المبالغة فى فيما كتب، فميكافللى لم يكن فاسدا أو عديم ألأخلاق، بل كان رقيقا و يقدر ألأشياء الجميلة ، وإنما همه كان يريد أن يفصل بين السياسة والأخلاق والدين، لتكون السياسى غاية فى ذاتها ، ومؤسسة لعلم مستقل له قوانينه، ولا ننسى الفترة التى عاشها ميكافللى من تدهور وتفكك وإنقسام وفساد، فترة تستوجب حكما قويا ، فهو وإن أنكر الأخلاق وطالب بفصل السياسة عن الدين ، لكنه لم يلغى دورهما من الحياة الفردية والعامة ، ولكنه خيار الحكم القوى الذى يحفظ الجميع.
دكتور ناجى صادق شراب
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة