Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

أمريكا: للكاتب ربيع جابر، رواية ملحميه عن عذابات المهاجرين الاوائل – بقلم : مهند النابلسي

اصدارات ونقد……
مهند النابلسي  – الاردن …..
يلخص الروائي ربيع جابر في روايته ‘أمريكا’ ومن خلال 430 صفحة و126 فصلا، قصة حياة مرتا حداد الشابة الفقيرة الجميلة، التي هاجرت لأمريكا من جبل لبنان في بدايات القرن الماضي بحثا عن زوجها.
ويستعرض خلال روايته الشيقة الأحداث والمغامرات التي واجهتها برباطة جأش، والتي صورت بدقة وتفصيل، المعاناة الشخصية أمام خضم تأثيرات وتداعيات الحربين العالميتين ووباء الانفلونزا والأزمة الاقتصادية العالمية في العام 1929. كما تناول بالتفصيل التسجيلي التطورات الاقتصادية والاجتماعية وتأثيرات ذلك على المهاجرين خلال العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين.
ما أدهشني في هذه الرواية الملحمية الطويلة طريقة السرد الشيقة، غير المملة، التي تعتمد على الجمل والفصول القصيرة التي لا تتجاوز في معظمها الثلاث او الأربع صفحات، ومن ثم تقسيم الرواية لأربعة أجزاء. الرواية ممتعة وتدخلك الى الحدث بواقعية وضمن نمط وصفي ينبض بالحياة، وتشبه لحد بعيد اسلوب هيمنغواي وطريقة وصفه المذهلة، كما أنه يعتمد اسلوب التصوير السينمائي من حيث تمكن الكاتب من اضاءة الأحداث والتفاصيل والاحاطة بالتفاصيل في سيناريو مترابط.
والكاتب لا يلجأ للتنميق والفذلكة، وانما للتعابير المباشرة المؤثرة، مستخدما في أحيان كثيرة تعابير عامية واصطلاحات امريكية دارجة، بغرض ادخال القارئ داخل الأحداث وكأنه يصيغ التعابير مستخدما اسلوب التصوير الثلاثي المجسم (الدارج حاليا في الافلام)، فعندما يتحدث عن شجرة التين العائلية يقول: غطوا أغصانها ببطانيات الصوف، فلا يتمكن الجراد من أكلها! ثم يقول في أحد فصول ‘جو حداد (الثلاثة) مصورا لحظات ما بعد الموت: كانت هذه اللحظة أغرب ما عرفه في حياته: شعر بأنه يخرج من جسمه ويطفو فوق الأسرة. ينظر الى الوجوه ويتعرف اليها… مع أن معظمهم نيام! ثم يصور ببراعة مشاهد الحرب الكونية الاولى: واخرجت من تحت الأرض جثثا متعفنة…. وبينما يقطع المروج ويرى الرصاص ويحصد السنابل والرؤوس شعر بأنه لا يقهر! ثم يتساءل عن ‘الانفلونزا الاسبانية’: لماذا طرد هذا الوباء خارج الذاكرة البشرية، على الرغم من أنه حصد الملايين! ثم يصف الحياة الغريبة لجندي سوري ـ أمريكي: كلما أرسلونا الى معركة انتهت قبل أن نصل، لم يؤذ حتى يده لأن الحرب قررت أن تمر جنبه من دون أن تلمسه.
ويصور بطريقة سينمائية حدثين مهمين، أولهما تداعيات الحرب الكونية الثانية: غواصات اخرى اختفت عقدين من الزمن في الدائرة القطبية، وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية ظهرت من جديد صدئة وشبه معطلة في بحر الشمال، يقودها بحارة ابيض شعرهم وتخت عظامهم في سنوات الاختباء! ومن ثم ينتقل بنفس الكاميرا الروائية واصفا تداعيات الانهيار المالي المفاجئ في ‘وول ستريت’ (في العام 1929): لم يرم أحد حجارة على المصرف. الناس داروا دائخين حول الابواب المغلقة ثم تبعثروا تحت المطر الحزين.
ويتحدث عن ومضات التواصل البشري: وصل الصوت اليه آتيا من مجرة اخرى. وافقها الرأي وهو يبحث في عينيها عن أثر من شعاع قديم. وخيل اليه انه يرى شيئا. في اللحظة التالية اظلمت نظرتها وغاب عنه كل أمل! وعن الشوق والحنين للعائلة يقول ببلاغة مجازية: تراصت العائلة، تداخلت الحجارة مثل حائط الدك. نسجوا الخيوط المتينة وتعلقوا هكذا فوق النسيج المتين: كانت الهاوية تحت أقدامهم على الدوام، لن تذهب الهاوية السوداء الفاغرة الفم.. لكنهم في الأعلى، على النسيج المتين، بنوا حياة جديدة. لم يكن بيت عنكبوت.
ويصف حالات الاسترخاء ما بين خضم الأحداث المتواترة: كان الهواء يداعب وجهها ورائحة الملح والطحالب البحرية تنسيها العالم الواقعي! ثم ينهي روايته بطريقة مجازية وكأنه لا يريد لبطلة الرواية أن تموت: هكذا اريد أن اتركها، في الحديقة التي زرعتها تفاحا في ‘باسدينا’، تسمع خرير المياه وتحيا الى الأبد.
تكمن أحد مزايا جاذبية هذه الرواية في الاختيار الموفق والمعبر لعناوين الفصول، سواء بالعربية أو الانكليزية مثل: ‘ناس الطريق وسبرينغ فالي وجزدان الحرير واخرجوا موتاكم أو الحياة الغريبة لجندي سوري ـ أمريكي…الخ’، وفي التتابع المتسلسل للأحداث وكأنه بنى ‘خارطة طريق’ لروايته دمج فيها الأحداث الشخصية لابطال الرواية مع السياق التاريخي لأمريكا والحربين الكونيتين ووباء الانفلونزا وانهيار الوول ستريت، وقد ضمن الرواية جملة من المعلومات التاريخية القيمة التي تخص الجالية السورية تحديدا، منها الأسباب التي دعت لنمو عدد السوريين المغتربين الى خمسة آلاف، وذلك عندما رفعت مصانع فورد الاجور، واشتباك السوريين بالسكاكين في مانهاتن السفلى في العام 1945 بسبب خلافات وانقسامات دينية ومناطقية، كذلك فهو يفاجئنا في الفصل 74 بمعلومة تتعلق بكيفية نجاح السوريين بالحصول أخيرا على الجنسية الأمريكية (في العام 1915) على الرغم من قناعة الرئيس ويلسون الذي كان يعتبر السوريين عرقا أصفر صينيا.
تمكن ربيع جابر خلال روايته أن يقود القراء في رحلة روائية ممتعة حافلة بالشغف والسرد التلقائي مستنطقا التاريخ، ساردا بجمل رشيقة الوقائع والتفاصيل اليومية، مثل تناوله لأحداث انتشار الانفلونزا الاسبانية وحالات التعامل مع جثث الموتى (الفصول المعنونة: اخرجوا موتاكم)، وكذلك وصفه الدقيق للحالة السائدة بعد انحسار الوباء وانتهاء الحروب.
لقد استطاع بمهارة أن يسلط الأضواء على مصائر أبطاله وعبث الأقدار بهم، واعتقد أنه استند لكم كبير من الأبحاث والروايات والوثائق الصحافية والمذكرات الشخصية، مما أعطى لروايته نفسا تسجيليا شيقا، وحولها لنموذج ‘عملي’ يحتذى في كيفية كتابة الروايات الجميلة الممتعة. أخيرا تكمن المفارقة المدهشة في أنه على الرغم من براعة الوصف ودقة الالمام بالتفاصيل، الا أن الكاتب الشاب لم يزر أمريكا ولو مرة واحدة في حياته، وهذا مؤشر على ‘النبوغ الروائي’، خاصة اذا ما علمنا أن اولى رواياته صدرت في العام 1992. ‘سيد العتمة’ التي نال عليها جائزة الناقد للرواية

هامش:
رواية ربيع جابر «أميركا» تبادل الأماكن وتبدلها في قصة الهجرة والاغتراب
ترحل الشابة الريفية مرتا من قريتها اللبنانية إلى نيويورك، وعندما تلمح تمثال الحرية المنتصب على الأطلسي، تخاله العذراء مريم، فتمتم صلاتها الخائفة. وهكذا تصبح الدهشة والغفلة المقولة الأولى في رواية ربيع جابر الجديدة ” أميركا ” الصادرة عن المركز الثقافي العربي ودار الآداب معاً.
وعلى أساس مسردوات هذه المقولة، يبدأ الراوي رحلته مبحراً في زمن الهجرة الجبلية اللبنانية إلى أميركا مطلع القرن العشرين إلى منتصفه، يوم غدت تقاليد تلك الهجرة راسخة على امتداد عقود طويلة سبقتها.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة