فلسطين المحتلة : جسر الزرقاء في ميزان العنصرية – بقلم : تميم منصور

فلسطين ….
تميم منصور – فلسطين المحتلة
فجأة تذكر الاعلام الاسرائيلي ، أو بعض قطاعاته قرية عربية اسمها جسر الزرقاء ، وضعها هذا الاعلام في احدى اولوياته في الأيام الماضية ، السؤال لماذا هذه اللفتة التي ذكّرت الكثير من المواطنين بوجود هذه البلدة العربية البائسة ، السبب لهذه اللفتة يعود الى استشراء العنف داخل القرية ، من حرق مركبات وعمليات اطلاق نار شبه يومية ، أدت الى سقوط عدد من الضحايا من سكان البلدة بين قتيل او جريح .
لم يأت فتح ملف العنف المتكرر فيها من باب مساعدة مواطنيها ، أو الحديث عن تدخل السلطة لوضع حد لهذه المأساة التي تعاني منها هذه البلدة بسبب العنف ، السبب وراء هذه المكرمة الاعلامية الاسرائيلية يعود الى ان العنف في قرية جسر الزرقاء أصبح يهدد حالة الهدوء والاستقرار في البلدات اليهودية المجاورة لها ، فقد ذكرت وسائل الاعلام هذه أن اصوات الطلقات النارية تسمع في مدينة قيسارية ، القريبة جداً من القرية ، وتُسمع في في زخرون يعقوب وغيرها من البلدات اليهودية ، وأعترف أكثر من مسؤول واحد في البلدات المجاورة بأن حالة اللااستقرار في بلدة جسر الزرقاء وتكرار سماع اصوات الطلقات النارية ، يسبب الازعاج والرعب خاصة لدى الأطفال .
ان هذا الموقف العنصري يؤكد بأن كافة المسؤولين في مؤسسات الدولة ، خاصة وزارة الداخلية ، وبقية الوزارات الأخرى لا زالوا يضعون هذه القرية على هامش اهتمامهم ، وقد اتبعت هذه السياسة منذ قيام الدولة فقد تم تجريد غالبية المواطنين من الاراضي التي كانوا يملكونها ، وعندما تم شق طريق الساحل ، أصبحت القرية محاصرة من كافة الجهات كالغيتوات التي اقامها الالمان لحشر اليهود فيها أثناء الحرب العالمية الثانية ، ان حالة التخلف الاجتماعي في هذه القرية ، تقع على مسؤولية كافة المؤسسات في الدولة ، فهي قرية شبه منسية ، لا تختلف كثيراً عن القرى العربية غير المعترف بها في النقب وغير النقب ، مع أن هذه القرية تتمتع في موقعها بمميزات قل ما نجدها في قرى أخرى ، سواء كانت عربية او يهودية ، لكن سياسة التمييز القومي بحق سكانها حرمت مواطنيها من الاستفادة من موقعها وانفرادها بخصائص كثيرة .
من هذه الخصائص نذكر موقعها الجغرافي المتميز ، فهي تحتضن نهر الزرقاء أو ما طاب لأبناء عمومتنا اليهود تسميته نهر التماسيح ، هذا النهر الدائم الجريان يلف حدودها الشمالية ، وتمر من اراضيها المصادرة ، لكن النهر وحوضه ومحيطه ومياهه تعتبر منطقة حرام بالنسبة لسكان البلدة ، صدرت هذه الارادة من قبل المسؤولين الاسرائيليين باسم الديمقراطية بطابعها المميز ، بقدرة قادر تحول هذا النهر ومحيطه الى وقف ذري تابع للقرية التعاونية ” معجان ميخائيل ” سكان هذه القرية الذين لا يتجاوز عددهم مائة اسرة يتمتعون وحدهم بخيرات هذا النهر ، في الزراعة وتربية الاسماك ، والسياحة ، فبالإضافة الى النباتات والاشجار الحرشية التي تنمو على ضفاف النهر ، هناك آثار قديمة تجذب اليها السياح كالمغاور القريبة من الضفة الشمالية للنهر ، والجسر الذي اقامه العثمانيون يربط بين ضفة النهر الشمالية والجنوبية وقد اقيمت طواحين بالقرب من هذا الجسر .
ان بلدة جسر الزرقاء ومواطنوها وسلطتها المحلية غريبة عن هذا النهر ، ولا نستبعد ان تقوم السلطات الاسرائيلية باسم الديمقراطية بتجريد هذه القرية من اسمها الذي اقتبسته من اسم النهر.
هناك خصوصية أخرى لهذه القرية لها علاقة بموقعها وانبساطها فهي تقع فوق تلال كركارية ومنحدرات تمتد من الشرق الى الغرب ، باتجاه ساحل البحر الذي لا يبعد عن بيوت القرية سوى عشرات المترات ، هذه التلال اكسبت القرية موقعاً جغرافياً مميزاً ، ومناخاً لطيفاً للغاية ، خاصة في أيام الصيف الحارة ، لكن مردود هذا الموقع أصبح سلبياً أكثر منه ايجابياً ، لأن الصخور التي تكسو التلال المذكورة في مواقع كثيرة من مسطح القرية ، زادت من وعورة طرقها الداخلية ، لأن سلطتها المحلية عاجزة عن تطويرها ، فبقيت شوارعها ضيقة ، وزادت من صعوبة التنظيم فيها ، كما أن كثبان الرمال المحيطة بها ، خاصة من الجهة الجنوبية، والجنوبية الغربية ، تعكر أجواء الحياة في القرية ، خاصة في فصل الخريف بسبب كثرة الغبار المتطاير بفعل الرياح ، وهذا من شأنه يلوث أجواءها ، فالديمقراطية الاسرائيلية لم تفكر في يوم من الايام اقامة مصدات مانعة لتحرك الرمال ، وبسبب عدم وجود اشجار للزينة وحدائق عامة داخل القرية ، هناك خصوصية أخرى لموقع هذه القرية ، بقيت حتى الآن بدون مردود ايجابي لصالح سكانها ، هذه الخصوصية كونها القرية العربية الوحيدة في البلاد الواقعة على ساحل البحر ، فقبل نكبة عام 1948 كانت قرى فلسطينية كثيرة واقعة على ساحل البحر ، باستثناء المدن ، نذكر منها قرية الزيب في الشمال ، وعتليت ، والطنطورة ، وقرية سيدنا علي ، وأم خالد ، والشيخ مونس وغيرها .
أن ساحل بلدة جسر الزرقاء مفتوح وهادي وخال من الصخور ، يمكن تطويره بسهولة لممارسة السياحة ، وكافة انواع الرياضة المائية ، ومما زاد من أهمية هذا الساحل الرملي ، وجود جزيرة صغيرة داخل البحر ، لا تبعد عن الشاطىء  سوى عشرات الأمتار وتسمى جزيرة الحمام .
ان سياسة التمييز القومي التي تمارسها المؤسسة الحاكمة في اسرائيل ، تحاصر سكان هذه البلدة ربما أكثر من غيرها من بقية القرى العربية ، بهدف منعها من التطور والتوسع لعل سكانها خاصة الجيل الشاب فيها يتركها كما حدث لسكان ” خربة برة قيسارية ” عندما طردوا من ارضهم وبيوتهم قبل أقل من عقدين من الزمن ، فتم مصادرة ارضهم وضمها الى مسطح مسنعمرة ” أورعقيبا” وهذا أيضاً كان مصير اهالي ” خربة المفجر ” الذين طردوا لأقامة محطة للطاقة فوق اراضيهم .
بفضل سياسة التمييز القومي منع سكان بلدة جسر الزرقاء من اقامة أي مشروع سياحي بالقرب من ساحل بلدتهم المميز ، في حين سمح للقرية التعاونية ” نحشوليم ” التي اقيمت على اراضي وساحل قرية الطنطورة المهجرة ، وهي قريبة من جسر الزرقاء باقامة أكبر صرح سياحي في البلاد ، ويدر ملايين الشواقل في السنة على سكان القرية التعاونية المذكورة .
اضافة الى ما ذكر من ممارسة سياسة التمييز القومي ، فهناك وسائل ضغط أخرى تمارسها هذه السلطات بهدف ترحيل أكبر عدد من سكان القرية ، أهمها عدم توفير اية امكانية من توسيع مسطح البلدة العمراني ، فالقرية وسكانها في حالة اختناق بسبب كثافة عمران البيوت ، فلا حلول في الأفق لحالة الضيق هذه ، وهذا من شأنه زاد من  حالة العنف بين السكان ، المعروفين بنسبة تكاثرهم الطبيعي العالية .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة