ارهابيون (6)- بقلم : افنان القاسم

فن وثقافة ……
بقلم : د . افنان القاسم – باريس ……
السيناريو السادس – غزة
أبو زكي تاجر في السبعين من عمره، لحيته أطول من لحية شيخ، لكن عينه فارغة، كلما مرت امرأة محجبة أمام دكانه، انتهرها قائلاً:
– احتشمي، يا امرأة، الله يحب الاحتشام!
في إحدى المرات، تصدت له إحدى النساء:
– طب ما أنا محجبة ومحتشمة من قمة رأسي حتى أخمص قدمي أكثر من جدة جدتك!
– أكثر من جدة جدتي! قال بقرف واشمئزاز، أعوذ بالله من غضب الله!
– غضب الله لماذا، يا حاج؟
– لأن الحجاب للصبابا الفاتنات لا للعجائز الشمطاوات، يا ابنة الناس.
– شايب وعايب ونفسه خضرة.
– شايب نعم، نفسه خضرة نعم، عايب لا.
– عايب لا، سنرى.
دخلت المرأة الدكان، وبين شوالات الحمص والفول والعدس، رفعت حجابها، وكشفت عن فخذ لم ير أبو زكي بجمالها إلا في الأحلام، فخر على قدميه متوسلاً:
– دعيني ألمسها، فقط ألمسها، لا أريد أكثر من أن ألمسها.
– وماذا ستعطيني بالمقابل؟
– الدكان، مكاني في الجنة، ثروتي، حياتي…
– سيرانا الناس.
جذبها من ذراعها إلى مكان أعمق في الدكان.
– هنا لن يرانا أحد.
– سيرانا الله.
– الله اتركيه عليّ، أنا وهو صاحبان.
– سيرانا شرطيو الأخلاق.
– أنا أعرف كيف أكشف عن لا أخلاقهم بحفنة سكر أو حفنتي رز.
وخرّ مرة أخرى على قدميه.
– مكانك في الجنة لا أريده، فما الذي سيضمن لي أنك ستعطيني الدكان؟
– أنا رجل دين وعبادة وكلامي كحد السيف القاطع لا رجعة فيه.
– المس إذن، هتفت المرأة وهي ترفع حجابها حتى وسطها.
داخ الرجل على مرأى الفخذين المصبوبتين، فتماسك، وبأصابع مرتعشة لمسهما، وفجأة ألقى بوجهه عليهما، وراح بهما قبلاً، والمرأة تضربه، وتشتمه، وتدفعه، حتى تمكنت من التخلص منه.
– ليس هذا ما اتفقنا عليه، لهثت.
– الرحمة، يا ستنا العدرا! لهث.
– ستنا العدرا! أنت مسيحي أم مسلم؟
– أنا… مسلم، مسلم.
– وستنا العدرا ليش؟
– تريدين الحق أم أخاه؟
– كمسلمة طبعًا أريد الحق.
– الحق أن من “عاش مع القوم أربعين يوم” صار منهم.
– أنت إذن مسيحي.
– وطي صوتك، يا بنت الحلال، لجدران حماس آذان!
– وإذا ما فضحتك؟
– أنا في طولك، أنا في عرضك!
ذهبتْ إلى صندوق النقود، وأفرغته في شنطتها.
– خذي كل ما تريدين.
– وهل تظن أني سآطلب منك الإذن بعد الآن؟
جذبها إلى ما وراء الحاجز الداخلي، وتوسل إليها:
– اكشفي عن وجهك.
– سأفزعك.
– أنت تكذبين.
– وماذا ستعطيني بالمقابل، مكانك في الجنة أم مكانك في الجحيم؟
– الدكان وأخذتِها، فماذا يبقى؟
– الدكان لم آخذ منها سوى صندوقها.
– الدكان صندوقها.
– اليوم أخذتُ الصندوق، وغدًا آخذ الدكان، هذا شرط كشفي عن وجهي.
– موافق.
كشفت المرأة عن وجه أجمل من وجه هيفاء وهبي، فصرخ أبو زكي من الرعب، كل ذاك الجمال كان بسطوة كل شرطة حماس عليه، بجبروت كل مساجدها، ببأس كل شرعيتها، بأيد كل ضرائبها، كل جماركها، كل لصوصيتها، كل عنجهيتها، كل تجبريتها، وكل سرسرية الأتقياء. انهار، فأمسكته بين ذراعيها، ودفنت وجهه بين نهديها.
– هذا ما كنت أخشاه، أن أميتك بجمالي.
والآخر ما انفك يردد:
– يا ستنا العدرا! يا ستنا العدرا!
– كفى لهذا اليوم.
رمته على كرسي، وخرجت، وهي تضع في شنطتها كل ما تصل إليه يداها من أكياس.

* * *

في اليوم التالي، جاءت المرأة المحجبة، وجذبت أبا زكي من لحيته حتى ما وراء الحاجز الداخلي. فتحت قنبازه على صدره، وأخرجت الصليب.
– أيها الجبان! صاحت، لماذا تخفي حقيقتك عن الناس؟
– لأن حقيقة الناس هي أحق حقيقة. وأنتِ؟
– أنا؟
– نعم، أنتِ؟
– أنا أخفيها ليس جبنًا وإنما حيلة.
– أنتِ شرموطة؟
– أنا راقصة باليه.
– يعني شرموطة.
– يعني راقصة باليه.
رماها على صدره، وحاول تقبيلها من وراء نقابها، فأوقفته عند حده.
– عندما تريد شيئًا، اطلبه بأدب.
– بأدب؟ بابتزاز!
– أنا أمارس الحيلة ولا أمارس الابتزاز.
– لماذا تفعلين هذا؟
– لماذا لا أفعل هذا؟
– أريد شيئًا واحدًا.
– أريد أشياء.
– أترين؟
– أريد أولاً أن أطعم تلاميذي…
– أنتِ لكِ تلاميذ يرقصون في مسرح البولشوي تاعك؟!
– …أريد ثانيًا أن أبني مسرحًا…
– أن تبني مسرحًا والناس لا تجد أين تنام؟!
– …أريد ثالثًا أن تخلع النساء الحجاب كالماضي…
– أن تخلع النساء الحجاب والرجال يربون لحاهم؟!
– …أريد أريد أريد!
– كل ما تريدين مستحيل.
– كل ما أريد على علو طموحي.
– ولم تجدي غير أبو زكي لتحلبيه.
– الباليه ثقافتكم، والإخوان المسلمون لن يعطوني عشرة شيكل.
– وماذا ستعطينني؟
مد أصابعه، وأراد أن يفتح الحجاب عن صدرها، فضربته على أصابعه.
– لن أعطيكَ شيئًا.
– إذن أنا كذلك لن أعطيكِ شيئًا.
في تلك اللحظة، وصلتهما طرقات عصا، ونداء “أبو زكي!”، فأشار أبو زكي إلى المرأة بالسكوت، وهو يضع إصبعًا على فمه، وخرج من وراء الحاجز الداخلي.
– أنا تحت أمرك، يا سيدي! همهم التاجر أول ما رأى الملتحي وعصاه.
– هذه المرة أريد ضعف المعتاد، هدد الملتحي.
– ضعف المعتاد!
– أما إذا كنت تريد أن أحمّل كل شيء، فهذا أسهل ما يكون عليّ.
– أنا تحت أمرك، يا سيدي! عاد أبو زكي إلى الهمهمة.
تناول من الصندوق حزمة كبيرة من النقود، وأعطاه إياها.
– في المرة القادمة اخف صليبك كما يجب، واشكر ستك العدرا على عدم فضحي إياك، ألقى الرجل قبل أن يختفي.
– لماذا لم تتركني أتصدى لهذا القذر؟ قالت المرأة من ورائه، فالتفت أبو زكي والدموع حبيسة في عينيه. هل تعرف كيف يقتل صيادو غزة الأسماك المتمردة؟ بالطبع تعرف، يضربونها بالقدوم على رأسها حتى تلفظ أنفاسها. هل تعرف لماذا؟ لأن الأسماك لا تتقن العض.
– أعدك أن تكون هذه المرة الأخيرة مع هذا القذر.
– أبو زكي!
– تعرفين اسمي؟
– ومن لا يعرف من هو أبو زكي الطيب الغزي!
– نقود هذا القذر وكل القذرين الآخرين ستكون لمسرحك، هل أنت مبسوطة مني الآن؟
– تقول مسرحي وكأن المقصود مسرح بولشوي.
– أنا حائر معك.
– يجب الذهاب مع الناس…
– أعرف، أعرف، على دفعات، كالفكرة عند السيد المسيح.
– لماذا كالفكرة عند السيد المسيح؟ كالفكرة، فقط كالفكرة، فهم الإخوان المسلمون ذلك، وأنت لم تفهم.
– كالفكرة. سيقص الرجال لحاهم ليلعبوا القمار، وستخلع النساء أحجبتها لترتدي المايوهات، وأخيرًا سيكفر الجميع بالله، أستغفر الله، يا رب لا تسمع لابنك الإنسان، يا ستنا العدرا ما هي سوى زلة لسان!
– هذا لأننا بعد أن نبني المسرح سنبني الكازينو والكباريه؟
– سنبني الكازينوهات والكباريهات ونفتح الخمارات والكراخانات ونعمل من غزة لاس فيغاس.
– تعال معي، أيها الحالم المجنون.
– إلى أين؟
– إلى أول الحُلم.
سار أبو زكي وراء المرأة، فجذبته من ذراعه، وجعلته يسير جنبها. سارا طويلاً، حتى بقعة كل شيء فيها دمرته القاذفات الإسرائيلية في الحرب الأخيرة. وشيئًا فشيئًا بدأت تصلهما سيمفونية بحيرة البجع لتشايكوفسكي، وفي الأنقاض، أخذا يريان البنات والأولاد وهم يرقصون الباليه على أنغامها.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة