رؤية فلسفية : هل بدأ عصر ما بعد الرأسمالية? بقلم : نبيل عودة

دراسات ….
نبيل عودة – الناصرة …..
*عصر الرأسمالية يقترب من نهايته ويجري تغيير جذري بتركيبة النظام الرأسمالي * نحن
اليوم في مراحل “ما بعد الرأسمالية”، “ما بعد الاستعمار”،”ما بعد الحداثة” وأيضا “ما بعد
الأديان” *لم يعد اسلوب الانتاج هو المعيار، بل التطوير العادل للتوزيعة الاجتماعية للثروة*

هل تشكل التعددية الثقافية خطرا على ثقافة ما؟
حقيقة  اني اطرح هذا السؤال في فضائه الواسع وليس الديني الضيق او الاثني كما جرت العادة بوصم ثقافتنا وحضارتنا العربية بصفتها اسلامية وانا بصراحة لا ارى ان الثقافات لها هوية دينية اذ لا يمكن مثلا تجاهل دور مسيحيي العراق والفرس  واسلاميين غير عرب بالانجاز الحضاري  الذي يعرف بالعربي الاسلامي.. واهم منجزاته ليست عربية ولا اسلامية.. بل هناك رفض من الفكر الديني للكثير من الانجازات بوصمها بالكفر – الموسيقى والفنون مثلا!!.
جميع الحضارات تطورت باتجاه معاكس لمجمل  الفكر الديني الذي كان سائدا، في المسيحية نجد كوبرنيكوس  راهب وعالم فلكي أثبت ان الأرض تدور وأنها ليست مركز الكون وهي النظرية التي سادت 20 قرناً ودعمتها الكنيسة لمدة 12 قرن وجعلت مجرد التشكيك في هذه النظرية كفراً، وغاليليو غاليلي الذي نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية.   في الاسلام نجد  حرق كتب ابن رشد الذي سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة، وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التي قامت عليها النهضة الحديثة‏، قبل ذلك قتل ابن المقفع، قطعت يدي ورجلي السهروردي  وصلب  الحلاج . قائمة القمع الفكري تمتد وصولا الى العصر الحديث بطعن نجيب محفوظ وقتل فرج فودة والسكاكين التي تذبح البشر مثل الخراف تحت فكر ديني لم يجرؤ حتى اليوم علماء الأزهر، بصفتهم ارفع قيادة دينية ان ينتقدوه وان يقوموا بحملة توعية دينية ضده.. من منطلق ان المسلم لا يمكن ان يزدري دينه فبأي تبرير ديني يذبح الأبرياء مسلمين وغير مسلمين؟
هناك فكر اضطر ان يلائم نفسه للتعددية الثقافية وفكر آخر يصر على  رفضه لأي تحول وهذا يبرز بقوة في مستوى التطور الحضاري ، مستوى تطور اللغة، مستوى تطور الفلسفة، مستوى تطور العلوم والتعليم وطبعا بمجالات عديدة وكثيرة لدرجة يبدو ان ردم الفجوة بات من المستحيل لأنها تزداد اتساعا .
ونحن على ابواب القرن الواحد والعشرين نرى ان الكثيرين لا يفقهون معنى التقدم الهائل في التكنولوجيات والعلوم وان ما يحدث ليس تعبيرا عن تقدم التاريخ الانساني فقط، بل تحولات ثورية وانقلابية في جميع مجالات الحياة والفكر وخروجا عن الكثير من النظريات الاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية التي سادت القرنين السابقين بحيث بات من الصعب تطبيق ما كان في القرنين السابقين على ما هو حداثي اليوم، حيث ان البشرية تجاوزت مراحل ذات مدى انقلابي- راديكالي مما يعرف باصطلاح “ما بعد الحداثة” وحتى “ما بعد بعد الحداثة” وهي ليست ظاهرة في الثقافة الروحية فقط، بل شملت كل مناحي الحياة من الاقتصاد والعلوم الى الأدب والفنون، في الوقت الذي يعيش الشرق تحت سطوة العصر الحجري.
اقول بدون تردد اننا نعيش حقبة جديدة في تاريخ البشرية، حقبة تشهد تغييرات عاصفة ليس في السياسة فقط، انما في مركزية العالم التي تنتقل من مراكز شكلت المدخل للحضارة الانسانية ــ اوروبا القديمة، الى عالم متعدد المراكز الحضارية والثقافية والعلمية.
ان واقع الشرق يعني انه سيبقى مزرعة خلفية للعالم المتطور، وربما نجد ان ضرورات التحول ستفرض مسح هذا الجزء من العالم من الخارطة الانسانية. العقل البشري برقيه لم يعد مستعدا لقبول ظاهرة تشكل تشويها لحلمه الانساني .
لم نعد في عصر الرأسمالية، عصرها في نهاية طريقه، التطورات ليست في اتجاه نظام اشتراكي كما يحلم بقايا المنتمين للفكر الماركسي. تجري تغيرات جذرية بتركيبة النظام الرأسمالي الاجتماعية، القانونية والقكرية .. هناك تحولات تفرض التغيير وتخرج المضمون القديم الى ساحة تجديد لا حدود لها الا السماء، على رأسها وضع الانسان (المواطن) في قمة الأهمية للأنظمة التي ما زالت تعرف بأنها رأسمالية ولكن كل تطبيقاتها تسقط المفاهيم القديمة التي راجت لقرنين كاملين تقريبا، المضحك ان البعض ما زال يغرد بفلسفات قديمة بالية لا تملك تفسيرات للتحولات العاصفة في المجتمعات المتطورة اقتصاديا. هل نسمي ما يجري  “ما بعد الرأسمالية” .. لا اجد صيغة أخرى؟!
ما قيمة التسمية حين نستوعب المضامين التي بدأت تفرض نفسها بقوة ؟  دولا عديدة أقرت مثلا مستوى من  ضمان الدخل للعاطلين عن العمل يضمن لهم حياة محترمة ورفاهية اجتماعية تجعلهم ليس فوق خط الفقر فقط انما بمستوى حياة واكتفاء تحافظ على كرامة الانسان ومساواته بالقيمة مع سائر المواطنين.
عندما كتبت في بداية مقالي عن التعددية الثقافية كان القصد أيضا ليس الابداع الروحي فقط، انما الابداع المادي ايضا الذي بدونه تذوى حتى الثقافة الروحية.
البشرية تجاوزت في تاريخها الحديث ( ولن اعود لتكرار المعلوم من مراحل التاريخ القديم للبشرية ) الكثير جدا من التطورات والاكتشافات والرقي الاجتماعي ، مما احدث ثورة فكرية في المفاهيم الفلسفية والثقافية بكل تنوعاتها المادية والروحية. كانت نظريات قديمة تتحدث عن صراع طبقي. عن كون الامبريالية آخر مراحل الرأسمالية، عن حتمية تاريخية، عن نظام عدالة اجتماعية لا يتحقق الا بنظام اشتراكي… عن كون العولمة  تخدم  النظام الرأسمالي. هل يمكن تخيل عالمنا المتطور بدون العولمة؟ انا اليوم استصعب فهم العالم الرأسمالي حسب النظريات التي يتمسك بها البعض من القرن التاسع عشر.  ما اراه اليوم انه يتجذر في المجتمعات ليس اسلوب الانتاج الذي اشغل فلاسفة القرن التاسع عشر، بل نشاط الدول على تطوير التوزيعة الاجتماعية للثروة بشكل اكثر عدلا . هذا لا يعني ان وجود حظائر (دول) ما زالت تعيش بعقلية سابقة للقرن الواحد والعشرين بان لا شيء يتغير .
عالمنا ليس هو عالم القرن التاسع عشر والقرن العشرين. نظريات تلك المراحل ، مع كل اهميتها التاريخية والفكرية في وقتها، احدثت تطورات لم تكن بالاتجاه الذي توقعته (بعلميتها!!) وبالتالي تلاشت اهمية  تلك النظريات ولم تعد تعطي الأجوبة الضرورية لواقعنا المتحول.
نحن اليوم في مراحل ” ما بعد الراسمالية”  ،”ما بعد الاستعمار” ، “ما بعد الحداثة” ، بل و “ما بعد بعد الحداثة”  واتجرأ واقول أيضا اننا في مرحلة “ما بعد الأديان” . ما يجري في الشرق ليس عودة للدين بقدر ما هو نسف جذور الدين… والعنف هو التعبير عن نهاية مرحلة وسيكون الثمن رهيبا، والحروب الدينية عبر التاريخ عرفت جرائم مروعة.
طبعا لا يمكن النظر لجميع الأنظمة بنفس المعيار ، ما اطرحه هنا هو أقرب  للرؤية  الفلسفية  لما سيكون من تحولات ان لم نعشها نحن سيعيشها ابناؤنا.
ستبقى الثقافة معيارا هاما، التعددية الثقافية هي النواة الصلبة لكل تقدم فكري او اجتماعي ، ان تقدم العلوم والتقنيات لم يكن وليد عبقريات شخصية فقط بل وليد النقد والنقض الذي ساهم اما باثبات فشل نظرية ما او بتطويرها وتحولها الى أداة لها جذورها بالتحولات الهامة في المجتمعات البشرية.
ان مجتمعا يبقى مغلقا رافضا  للانفتاح التطويري الشامل في جميع مجالات الحياة، يتحول تدريجيا الى مجتمع متفكك في نسيجه الاجتماعي ، في ثقافته الروحية  وفي  تقدمه بكافة محاور الحياة. نفس الأمر ينسحب على الأحزاب ، ليس بالصدفة الظاهرة العالمية لهبوط مكانة التنظيمات الحزبية وبدء ظاهرة حركات المجتمع المدني التي تؤثر على مجرى الفكر والثقافة والتربية، رؤيتي ان هذا الدور سيزداد اتساعا وتأثيرا. ان التعددية الثقافية لا تعني التعددية فقط داخل مجتمع محدد، بل تعني اساسا اتساع شبكة التواصل الثقافي والمعلوماتي على مستوى الدول المختلفة.
ما يجري لن يكون مجرد تجربة ، بل مسارا لا فكاك منه، سينبذ بتقدمه كل العقليات المغلقة، كل الفكر الخرافي . قد نشهد اختفاء او اضمحلال مجتمعات بكاملها، عبر ذوبان نخبها المثقفة بالمسار التاريخي واضمحلال تدريجي لمن ارتبطوا بالماضي وتقيدوا بسلاسله.. وليس مهما لأي نوع بشري ينتمون..
في النهاية اريد ان اقول اننا في بداية عصر “ما بعد القومية”، تماما كما اننا في “عصر ما بعد الرأسمالية” – العصر الرأسمالي (البرجوازي) ساهم بتشكيل القوميات وتعميق ترابطها، الحلقات الضعيفة في تطورها الاقتصادي كانت ضعيفة في جوهرها القومي أيضا وما تزال.. من هنا نجد ان الهوية الدينية تجاوزت الانتماء القومي..وبالتالي أغرقت شعوبها بفكر معاد لأي تطور حضاري. انتهاء العصر الرأسمالي سيضع القوميات على هامش التاريخ. هذه الظاهرة بدأتها اوروبا، تاريخيا كانت اوروبا دائما في طليعة التحولات الكبرى في تاريخ البشرية تحولات اجتماعية، قانونية، ثقافية، علمية.. الخ، لذلك اوروبا تشكل اليوم الاتجاه الجديد.. الذي سيسود عالمنا في عصره ما بعد الرأسمالي!!

[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة