رواية”تغريبة حارس المخيم” للكاتب سعيد الشيخ: انتصار الحياة على الموت

اصدارات ونقد ….
تتناول رواية “تغريبة حارس المخيم” جزء من الحكاية (المأساة) الفلسطينية التي لا تنتهي، عبر تنقل الكاتب في احداثها ما بين بيروت والسويد وفلسطين على مدى أربعة فصول وثلاثين سنة مليئة بذاكرة تعود الى أيام النكبة الأولى يستحضرها الكاتب كلما أطبقت المأساة في حياة بطل الرواية . تتحدث الرواية  عن قصة “يوسف سعد الدين” اللاجئ الفلسطيني الذي يسكن في مخيم شاتيلا ويعمل كحارس لهذا المخيم وتلحقه اهوال المجزرة البشعة التي اقتُرفت بحق سكان مخيمي صبرا وشاتيلا من اللبنانيين والفلسطينيين عام 1982.
هي رواية عن الغربة والحنين إلى الوطن. الحنين الى فلسطين حين يكون المكان هو مخيم اللجوء والحنين الى المخيم  حين تذهب الغربة عميقا الى اوروبا. وتتناول الرواية  أيضا مشاكل الجيل الذي ولد في اوروبا وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه ومدى انتمائه الى وطن الاباء والاجداد، ونلاحظ أن الكاتب حدد موقفه مما يجري من احداث،  وهو يدّون جزء من المأساة الفلسطينية من خلال السرد والتطرق الى المفاصل التاريخية للقضية الفلسطينية بعد عام 1982 وخاصة بعد مجزرة صبرا وشاتيلا وصولا الى يومنا هذا.
في هذه الرواية ليس هناك مهادنة مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وخاصة ان بعض الكتاب نقلوا  ثقافة التطبيع في رواياتهم. وبذلك حافظ سعيد الشيخ على صوته النقي والصادق تجاه قضية شعبه التي تبناها الشيخ منذ بداية مشواره الادبي.
الفصل الأول جاء بعنوان”المجزرة… نياماً جاءتنا الفؤوس” ويبدأ بمشهد فجائعي حيث  ينظر بطل الرواية من ثقب صغير  ليرى آلات القتل من فؤوس وبلطات وسكاكين وهي تعمل عملها في أجساد والديه واخويه الاثنين الذين فقدهم في هذه المجزرة وكان هو الناجي الوحيد مع زوجته امينة وابنه عمر. يبدأ الكاتب بوصف بشاعة هذه المجزرة وما رأه من دم واشلاء متناثرة وجثث مكوّمة في الشوارع وصراخ الناس في الشوارع والبيوت، وتتوالى الاحداث وتريد امينة  زوجة يوسف معرفة ماذا حل باهلها، تذهب مع زوجها لتجد أن عائلتها بالكامل قد أبيدت، وامام هذا المشهد المأساوي تصيح أمينة “يا ويلي، لقد ذبوحوهم كلهم، لم يبق لي أحد”((ص19). ولكن يشاء القدر أن يجدا طفلة أخيها ابنة السنة الاولى من عمرها في حضن أمها ما زالت على قيد الحياة، ويقررا تبني زهرة اسم الطفلة الناجية الوحيدة من عائلة امينة.
بعد المجزرة أخذت تتراءى ليوسف هيئة رجل مكتسٍ بالبياض، هو الطيف الذي يظهر بين حين وآخر، يراه متكئا على عصاه  ولا يكلمه، ويتساءل لماذا يظهر له  دون سواه وما هو سر ذلك الرجل الابيض، وبعد ذلك سنعرف انه وجه جده الذي مات ايام النكبة في فلسطين.
بسبب إختلاط الأشلاء يقرر رجال الانقاذ وضعها في مقبرة جماعية، عندما يعرف يوسف الأمر يقول” كم مقبرة جماعية أيها الجسد، يا جسد الفلسطيني المقطّع… شريدا تمضي في الحياة، واللحّد لا يلمّ مماتك كما هيأك الخالق، كأنك مختبر للوحشية، مسيح العصر” (ص30) عند عودة يوسف وامينة وطفليهما من زيارة المقبرة الجماعية ،  يتذكر يوسف عمته  ربيعة الارملة التي تسكن وحيدة في نفس المخيم ويقرر مع زوجته تفقدها ليريا ماذا حل بها، ويتبين انها نجت هي الأخرى من المجزرة، تسأله عن اهله ويسرد لها ما حدث لهم ويتشاركون اللوعة على  ما حدث.
على أثر المجزرة يسرد لنا الكاتب زيارة الوفود المحلية والدولية للمخيم لتفقد ما حصل، ومن ثم تأتي بعثة هيئة دولية تبحث عن ناجين من أجل تسفيرهم الى أوروبا ان ارادوا، فيقرر يوسف سعد الدين تسجيل نفسه مع افراد عائلته، ويصف الكاتب زحام الناس في طوابير من أجل الهجرة، ينتهي الأمر بسفر يوسف وعائلته الى السويد.
أما الفصل الثاني تدور احداثه في السويد، وهو بعنوان “أيها الثلج.. كيف الشقاء في بياضك؟”  هي الهجرة الثانية ليوسف سعد الدين الذي هجّر صغيراً مع اهله من بلدة “صفورية” في الجليل.
تبدأ أحداث الفصل بوصول يوسف سعد الدين مع عائلته الصغيرة فجر الخامس عشر من شباط عام 1983  الى مطار” أرلاندا” في ضواحي ستوكهولم، يكون بانتظارهم هناك موظف من دائرة الهجرة السويدية  وبصحبته مترجم حيث ينقلون الى مسكن يجدون فيه كل احتياجاتهم،  وبعد ذلك تبدأ اجراءات ومعاملات الاقامة، وبعد اسبوعين تقبل إحدى البلديات في جنوب السويد استقبال عائلة يوسف ويصبح لهم بيت مؤلفا من ثلاث غرف، في هذا البلد البعيد اصبحوا ينعمون بالطمانينة والهدوء كباقي البشر، يقول يوسف واصفاً الحال بعد ذلك ” حياتنا التي أراد الجزارون دفنها بين ردم المخيم، وانسانيتنا التي ارادوا لها ان تنشطر الى أشلاء مبعثرة ومعطوبة بلا روح في نيران المحرقة، نشعر أنها تنبعث في أعماقنا من جديد، وتتلملم في بوتقة كائننا الانساني”(ص72 ).
بعد ذلك يبدأ يوسف بالتعرف على المدينة التي تقع على ساحل البحر، وفي يوم من الايام بينما كان يوسف يمشي وحيدا في شوارع المدينة يمر بمقهى فيجد داخله “مصطفى”، وهذا هو المترجم الذي كان يرافق يوسف إلى دوائر البلدية والعيادات، فتنشأ بينهما صداقة قوية يجمعهم الهم الوطني والانساني،  فمصطفى من طولكرم ويقيم في السويد منذ سنوات طويلة، يعيش وحيداً، ونعرف من حديثه الى يوسف بأن زوجته السويدية قد تركته واخذت معها طفلهما الذي لم يره منذ وقت طويل.
بعد ثلاث سنوات يبدأ عمر وزهرة الذهاب الى الروضة، وأثناءها  يرزق يوسف وأمينة بابنة يسميانها “منى”. وتتواصل الاحداث، و في احدى اللقاءت مع مصطفى في المقهى يرى يوسف ان مصطفى متجهماً وينظر في جريدة امامه يقع نظره على المانشيت”اشتعال حرب مخيمات في بيروت” بالرغم من البعد فان الانسان يبقى حاملا هموم وطنه وشعبه هذا ما كان الكاتب يريد ايصاله لنا.
وتبدأ رحلة البحث عن عمل حيث يعمل يوسف كحارس على الدراجات الهوائية، وحطابا في غابة ومزارعا في الحدائق من اجل تـأمين لقمة العيش للعائلة. تفاصيل كثيرة يعيشها يوسف مع عائلته، المدرسة والاولاد، الطعام في بلد اجنبي، الصلاة ، الحجاب الذي تقرر أمينة وضعه على رأسها بعد ان كانت طوال الوقت دون حجاب، وينشئ يوسف  ومصطفى جمعية للجالية العربية الآخذة بالتزايد في هذه المدينة، ولكن تنتهي بالفشل  بسبب الخلافات ما بين أعضاء الجالية. كأن بالكاتب يريد الاشارة الى الواقع العربي أينما حل.
تنقلنا احداث الرواية الى انطلاق الانتفاضة الاؤلى التي يحتفي بها ابناء  الجالية العربية والوفود اليسارية من الاحزاب السويدية، يذهب يوسف مع ابنه عمر، اثناء الحفل يتلقى يوسف اتصالا بوجوب الذهاب إلى البيت لأن امينة تواجه آلام المخاض، يأخذ يوسف زوجته الى المستشفى وهناك تولّد طفلا ويطلق عليه اسم بلال.
هنا يذهب الكاتب بالاحداث سريعا  ويتوقف بها عند اتفاقات اوسلو التي يرى فيها البطل ضياع للحقوق الفلسطينية  ويطلق عدة مواقف تنم عن معارضته  لها، وهنا تطرح الرواية الكثير من الاسئلة : هل ستتيح الاتفاقيات عودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم، هل تنتهي الغربة، وهل الجنسية السويدية التي يحملها  البطل تعني عدم الشعور بالمنفى؟ وربما يريد الكاتب ان يوصل لنا ما يظنه حول هذه المسألة “فإن هذا المنفى لم يكن نهائياً، ولا يمكن المراهنة عليه كنهاية الرواية، وعلى سطوته لن يشكل ممحاة نهائية للذاكرة الجمعية”(ص125).
في الفصل الثالث من هذه الرواية الذي جاء بعنوان”الهاوية.. حين اشتعال النيران في الثياب” تدور احداث هذا الفصل ايضا في السويد بعد ان يكبر الأبناء (عمر، زهرة، منى وبلال)  وهنا ستظهرالتناقضات والمشاكل التي يعيشها الجيل الجديد.  الأب  يريد الحفاظ على العائلة في هذا المجتمع الذي  تختلف فيه  القيم عن القيم التي تربى عليها جيل يوسف. وتبدأ مشاكل يوسف وأمينة من جهة ومع  اولادهما الذين يعانون من وجودهم بين ثقافتين مختلفتين.  وهذه المحافظة تودي بيوسف دخول السجن بعدما ترفع عليه ابنته دعوى اساءة معاملتها.

من محاسن التكنولوجيا ان يصبح الفلسطينيون على تواصل مع بعضهم بعدما فرق الاحتلال فيما بينهم. عائلات بأكملها توزعت بين الوطن والشتات بات يجمعها الفيس بوك والمسنجر وبقية وسائل الاتصال الاجتماعي. وتبدأ  عائلة يوسف بالاتصال  والتكلم مع عائلة ابن عمه سليم في الناصرة لتقوم أعراس البكاء بين أقارباء لم يلتقوا أبداً في حياتهم .
ضربات عديدة يتلقاها يوسف في منفاه السويدي، تترك جروحا في نفسه يصعب دملها، فبعد الضربة القاسية التي وجهتها له ابنته “منى” التي تخجل من اسمها وجعلته “مالين سالدين” ومن انتمائها  للتابعية الفلسطينية العربية المسلمة، تأتيه الضربة الثانية من ابنه بلال، الذي خرج صباحا إلى مكان دراسته ولم يعد الى البيت في المساء ولا في اليوم الثاني والثالث، وبدأ يوسف مع ابنه عمر البحث عنه لكن دون جدوى، حتى يُستدعى يوسف الى مركز المخابرات السويدية ليتضح له ان بلالاً ذهب الى سوريا لينضم  الى “داعش”. ولا يخلو هذا الفصل من تدخل الكاتب والتعبير عن آرائه الشخصية بأن هذه الحرب ليست حرب الفلسطينيين، وان هذا الربيع العربي لم يحقق الرجاء وانما البلاء، وان الجهاد الحقيقي هو من أجل فلسطين المغتصبة.
تدور احداث الفصل الرابع في فلسطين وجاء بعنوان”انتفاضة الاطياف.. حينا مضينا الى الشعاع” يطالعنا هذا الفصل الاخير من الرواية بسفر يوسف برفقة زوجته بدعوة من إبن عمه سليم الى فلسطين بلد الاباء والاجداد، وتلقي الرواية الضوء على الاجراءات الامنية المشددة على المسافرين المتوجهين الى تل أبيب، وهنا يتساءل يوسف” لماذ الإسرائيلي يظل خائفاً، يهجس ويشك في كل الناس؟ هل لأن وجوده في فلسطين يقوم على جريمة قائمة” (ص214 ).
يذهب يوسف الى قريتة صفورية في الجليل حيث ولد، والتي محاها الاحتلال عن الوجود، وهناك  تكون المفاجاة… هناك في قرية صفورية ما زالت بعض الاحجار شاهدة على وجود هذه القرية وعلى ان أناس كانت تسكن هنا لهم  بيادرهم ومزارعهم التي ينمو فيها التين والزيتون والملوخية الأكلة المحببة للصفافرة، ويستذكر يوسف حكايات الاهل عن اطياف بيضاء كانت تظهر عند غسق الليل، وعن حياة كاملة دفنها الاحتلال ها هنا تحت التراب.
المفاجأة التي تمثلت اثناء الزيارة هي بتناهي أصوات هدير آليات ثقيلة، ويتضح بعد ذلك ان جرافات الاحتلال كانت تستهدف إزالة القبور من “مقبرة الاشراف”، اثار هذا المشهد حنق كل من سليم ويوسف، سليم أشار بوجوب مغادرة المكان، ولكن يوسف وزوجته التي تمسك  بذراعه بقيا في المكان. وفجأة،  يجدان انفسهم في وسط ظلمة يسمعان ارتطام الحديد بالارض، وبعد انقشاع الظلمة ينكشف المكان عن بياض باهر ورؤية الجرافات وقد تحولت الى حطام وكأن قوة الهية قد تدخلت في هذه اللحظة، وفي وصف هذا المشهد الغرائبي يقول يوسف” بدأنا نشعر بأننا نمشي بين أطياف قامت للتو من موتها لتدافع عن تربتها وقبورها، أصبحنا لا ندري إن كنا بين الاطياف من الاموات أم من الأحياء”(ص261).
وتستمر المشاهدات الغرائبية، في هذه اللحظات يرسل جيش الاحتلال آلة القتل من طائرات ودبابات وجنود ويطلقون النار على البياض، لكن تتحلل الصواريخ وتذوب فيما البياض يعم وينتشر.
” ثمة ملائكة في السماء ترسل فيروساً إلكترونياً يخترق آلة القتل وينزل بها فتكاً. ثمة عقاب تنزله محاكم السماء على قوم تجبروا وسفحوا دماء الاخرين “(ص263).
لقد إختار سعيد الشيخ، أن يسرد بصوت ضمير المتكلم  وبأسلوب السيرة الذاتية، التي من خلالها نرى الأشياء من زاوية واحدة، وهي زاوية الراوي في سياق المنولوج الداخلي  أي مخاطبة الرواي للقارئ مباشرة. أما الحوارات  تميزت بقصرها لتؤدي الهدف المطلوب في إيصال الأفكار، وقد اعتمد الكاتب تقنية السرد المتتابع للأحداث وحافظ على متانة القص ومساراته دون الاقتراب من اللهجة العامية الا فيما ندر حيث ظهرت العامية الفلسطينية في الاغنيات الشعبية التي يرددها الفلسطينيون وهي جزء من تراثهم المحفور في الذاكرة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة