من الجاليه : في جعبته مليونا وبعض الفكه – بقلم : وليد رباح

 

كلمة رئيس التحرير
بقلم : وليد رباح
جاء الى امريكا مبكرا .. في ثلاثينات القرن الماضي .. هجر مصعب ربيع قريته الامنه ليتجه الى القنصلية الامريكية في لبنان .. كل قريته  شأنها الفقر والجوع والعرق والدموع .. ترك امه في القرية ثم اتى .. وعندما بدأ حياته في الولايات جاءه نعي امه.. ولم تكن الاتصالات في ذلك الزمان مثلها هي اليوم .. فوصله الخطاب بعد شهرين .. وهكذا انقطع ما بينه وبين القرية التي اتى منها ..
جهد مصعب في العمل عندما كان شابا واستطاع ان يوفر مبلغا من المال افتتح به دكانا صغيرا في حي امريكي نظيف .. ولما كان مصعب لطيف المعشر طلق المحيا تواتر اليه المشترون فنمت دكانه وكبرت .. ثم فتح بعد ذلك سوبر ماركت .. وانهالت عليه النقود .. غير ان شيئا واحدا كان يعذبه هو انه ( عنين) لا يستطيع الزواج .. لذا فقد قرر ان يستفيد من النقود التي بحوزته حتى آخر قطره .. فقام بالصرف على نفسه وعلى اصدقائه بجنون ..
تعلم السكر ولعب القمار وتناول المخدرات وصرف كل ما في جيبه .. ثم فجأة قرر ان يترك رفاق السوء ويبدأ من جديد بعد ان باع مركزه التسويقي بمبلغ كبير من المال .. غير ان كل ذلك ضاع هباء قبل ان يترك عاداته القبيحه ..
بدأ مصعب من جديد .. كون ثروة لا بأس بها .. غير ان كل تلك الثروة كانت بلا فائده .. فلا زوجة ولا ولد له .. وكان يشبه نفسه امام اصدقائه بانه كالشجرة العارية التي ليس لها اوراق .. فاين يذهب بكل تلك النقود .. واين ينفقها .
اشار عليه احد اصدقائه بان يدعم جمعية خيرية في لبنان .. فقام مصعب بارسال النقود تباعا للجمعيه .. وقامت الجمعية بارسال كتب الشكر له تباعا .. واعلمته انها تربي ستة ايتام على حسابه الخاص .. وكان ينشرح صدره لذلك .. فاخيرا استطاع ان يفعل شيئا يستفيد منه اهل بلده .. وهكذا سار مصعب في حياته آمنا مطمئنا حتى بلغ سن الشيخوخه .
اراد ان يسافر الى بلده ثانية ويأخذ نقوده ويعيش هناك آمنا .. لكن ارتباطه بامريكا وبالاصدقاء منعه من ذلك فقر ان يظل في الولايات .. وجاءه المرض واحدا اثر الاخر .. فانعكست الدنيا في عينيه واعتزل اصدقاءه وكل معارفه وقبع في داره .. وقام باستئجار رجل مكسيكي لكي يخدمه في عزلته .. كان المكسيكي مخلصا الى حد كبير .. كان يخدمه وكأنما يخدم نفسه .. فاغدق عليه مصعب مما اعطاه الله .. واصبحت احوال المكسيكي في احسن صورة .
مر زمان طويل قبل ان يعود مصعب الى عاداته التي تركها منذ زمن .. فقادته خطواته الى لعب القمار .. وكان المكسكي ينصحه بترك تلك العادات .. وبما ان مصعبا كان قد اعطاه  صلاحيت كبيرة في سحب النقود وايداعها فقد قام المكسيكي باخفاء مبلغ كبير من المال في المنزل الذي يقيم فيه الرجل دون ان يخبره .. وكانت حجته في ذلك بينه وبين نفسه ان مصعبا سوف يلاقي اياما سوداء في حياته ان ظل على عاداته .. عندها فقط سوف يقول له ان لديه مالا خبأه له لكي يعتاش منه ..
وساءت احوال مصعب .. وكان المكسيكي يعطيه شيئا فشيئا من نقوده التي لا يعرف مكانها .. ثم يقول له بانه يعطيه من ماله الخاص .. وحاول مصعب ان يعرف اين تلك النقود .. ولكن المكسيكي كان امينا الى اقصى درجات الامانه فلم يدله عليها لعلمه انه سيصرفها ثم يواجه حياة صعبه .
المكسيكي اراد ان يسافرالى بلاده في يوم  من الايام فقرر ان يدل مصعبا على مكان النقود .. قبل ان يترك عمله عنده .. فاعطاه مصعب مبلغا على قدر كبير من الاهمية .. وكان القدر بالمرصاد .. فقد ذهب المكسيكي لزيارة اهله وكانت المكسيك عندها تشهد ما يشبه الحرب الاهليه .. فالتقت به عصابة في الطريق وهو يحمل بعض النقود وقامت بالسطو على نقوده .. ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بقتله والقائه على قارعة الطريق .. واعلنت السلطات عن مقتله ..
طال الامر بمصعب في الانتظار .. لكن المكسيكي لم يعد .. فقد ذهبت روحه الى بارئها ..
كان مصعب يسجل كل مذكراته في دفتر مدرسي كبير .. وعندما ذهب المكسيكي في اجازته التي لم يعد منها كتب في مذكراته انه عثر على النقود ويخاف الفقر لذا فهو يصرف منهاشيئا فشيئا .. ولكن المبلغ كان ضخما وايقن انه لن يصرف طيلة حياته ..
ساءت احواله الصحية .. وفي يوم من الايام تفقد الجيران مصعب ربيع ولكنه تغيب عن مكانه المعهود الذي كان يجلس فيه امام منزله .. وقام احد اصدقائه باخبار البوليس عن اختفائه .. غير ان رائحة كريهة غير معهودة انبعثت من داره فقام البوليس بمداهمة شقته فعثروا عليه ميتا بالسكتة القلبية ..
بحث البوليس وفتش المنزل .. وعثر على كيس من الزبالة يحوي مليونا وثمانمائة الف دولار وبعض الفكه اختزنها المكسيكي لايام مصعب القادمه .. وعندما قام البوليس باعطاء مترجم للعربية بان يقرا ما كتبه مصعب فقد كانت وصيته تقول ..
ان مت فالمبلغ المتبقي كله للمكسيكي ماركوس  فرناندس .. وبعد ايام اتصل محام بالبوليس ليقول لهم انه يمتلك وصية من مصعب .. وعندما فتحت الوصية وجدوا ان مصعبا قد كتب وصيته لماركوس كما كتبها في مذكراته .. غير ان ماركوس لم يعد .. ولن يعود .. وهكذا اودع المبلغ في الامانات حتى يظهر ماركوس .. ماذا كانت النتيجة .. لا ندري .. ربما بعد كل هذه السنوات قد اودعت هذه الاموال لدى جمعية خيرية او غير ذلك .. الله اعلم ,…

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة