ميكانيكي مع سبق الاصرار والترصد – بقلم : وليد رباح

اراء حرة  ……
بقلم: وليد رباح …..
كلما أوغلت في معرفة الناس ازداد جنوحي الى المعرفة بصورة أكبر.. فكما لكل (فولة) كيال فإن لكل مهنة اخطاءها.. و كما لكل رغيف خبز عربي ( صرصاره) فإن لكل مهنة قراصنة .. كما لكل حلة غطاءها فإن لكل صنعة مهرجين ..وكما لكل مهرج (سناشيل) تضحك السلطان فإن لكل إبريق (بعبوزة).. و هكذا دواليك.. ولكن بعض المهن التي يقوم على إدارتها عرب في بلاد الغربة.. مقتنعون تماما انهم ربما قاموا بتلك المهنة عن طرنق ( الفهلوة) و الذكاء و الغش و الخداع.. ففي بلادنا تسأل العامل عن إجادة المهنة فتكتشف انه(قصير، و حداد، ونجار، و طوبرجي، و حلاق، وفلاح، و بتاع كله..) فإن خبرته وجدته جاهلا لا يدري من صنعته شيئا.. وكل همه أن يقتنص الزبون ثم من بعد ذلك فليذهب كل شىء الى الجحيم.. أما في بلاد الغربة ( و نحن هنا نتحدث عن غير العرب) فإن لكل مهنة قائدها.. و لكل  صنعة ماهرها.. و لكل زنديق أمه الضائعة.. وكلمتنا لهذا الاسبوع عن (ميكانيكيو العرب).. فهي مرة واحدة فقط تذهب فيها الى الميكانيكي لاصلاح عطل في سيارتك فتصبح زبونا دائما له.. فهو الوحيد الذي يعرف او سيعرف علل سيارتك.. فإن اصلح لك (البوجيات) مثلا فإنه يعطل (الباكاكس) لكي تعود إليه في الأسبوع الذي يليه..و ان اصلح لك العجلات عطل لك المرايا لكي تعود إليه ثانية.. و ان اصلح (الكاربوريتر) فإنه يفسد ( الترانسميشن) لكي تراه ثانية و ثالثة و رابعة و هكذا.. و لا يأتي  الإصلاح و الخراب عادة مرة واحدة.. ففي البدء يشتري لك قطعة ما لسيارتك تساوي عشر دولارات ثم تكتشف انه أضافها في فاتورته فبلغت 80 أو 90 ..ثم يحسب أجور اليد العاملة فتكتشف أن فاتورتك قد غدت 130.. وهي في الأصل دولارات عشر يضاف اليها عشر دقائق عمل وفي احسن الأحوال تبلغ عشرين دولارا.. و لكن ماذا ستفعل و أنت تجهل مهنة الميكانيك و تجهل القواعد ( السلوك).. فان حدثته عن مخافة الله اثبت لك باليقين انه يذهب للمسجد او للكنيسة أيام الجمع و الاحاد.. و أن اثبت له ما يفيد ان قطعته لا تساوي غير عشر دولارات قال لك انك تشتري بضاعتك من ( الحرامية) .. و ان قلت له ان الظلم حرام قال لك: إذهب الى ميكانيكي غيري.. و لعدم حسن إجادتك الإنجليزية فانك سوف تفتش عن ميكانيكي عربي اخر يضيف على العشرة مائة  فتترحم على الميكانيكي الأول.. انه الضحك على الذقون و الرغبة في الغنى المبكر حتى و لو كان على حساب الناس البسطاء الذين يجهدون للحصول على الدولار بشق النفس.. و يعيدني هذا الامر الى حكاية مسلية: فقد ذهبت مرة الى من يصلح ساعتي بعد ان توقفت فقال لي عند النظر إليها .. إنها بحاجة الى مسح و تنظيف و شطف و تعديل ميزان الإبره و الشعرة.. فقلت له: ما الفرق بين المسح و التنظيف و الشطف.. أليست جملة واحدة فقال: كلا يا عزيزي.. المسح ان تمسح ساعتك من الوجود فتضطر ان تشتري غيرها من عندي و التنظيف يعني (كش) الغبار عن تروسها ووضع المزيد في (مينائها).. و الشطف يعني ان تنقعها (بالبنزين) ليوم كامل لكي تبوح بأسرارها و تقول لي ما سبب علتها.. فإن (مشت) من غير قطع فذلك حسن.. و إن لم تمش فإنني سوف أقول لك ان ساعتك (خربانة) و يجب إلقاءها في الزبالة.. و كل ذلك لأنني لا أستطيع ان أصلحها.. (وكان الساعاتي صديقي).. ميكانيكيو آخر زمن قرفونا.. ولا يعني هذا انه لا يوجد ميكانيكي  شريف.. فهناك الكثير ممن لا يمتلكون النقود شرفاء لأنهم لا يتقاضون اكثر من حقوقهم.. و لكنهم يعملون عند اصحاب الكراجات الذين لهم حق الصولة و الجولة في كتابة الفواتير للزبون.. و هكذا تكتشف ان الميكانيكي الشريف لا يمتلك محلا خاصا به.. بل يعمل عند الآخرين.. أما اولئك الذين يفتحون ابوابهم على مصاريعها فهم او بعضهم شلة من (الحرامية) الذين يذبحون الزبون من الوريد الى الوريد. رفقا بنا.. و من هنا حتى نرى مهنة اخرى لعرب الزمان الأخير.. فإنني ادعوا الله ان تظل سيارتي ( على خير ما يرام) و الا فسينتقم الميكانيكيون مني على هذه الكلمة.. و السلام.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة