قناة السويس إرادة أمة – بقلم : إبراهيم خليل إبراهيم

دراسات …..
بقلم إبراهيم خليل إبراهيم – مصر …..
قناة السويس فكرة اقتصادية وعمرانية فكّر فيها المصريون القدماء بهدف ربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر وذلك لتميّز موقع مصر المتوسط بين قارات العالم القديم ومصر شقت أول قناة صناعية على وجه الأرض ولكن التنفيذ الأول للقناة قام به الملك سيتى الأول والد الملك رمسيس الثانى عام 1310 قبل الميلاد ولكن من أجل ربط النيل بـالبحر الأحمر وأعيد بناء هذه القناة من جديد فى عهد الفرعون سنوسرت الثالث والملكة حتشبسوت وكان اسمها قناة سيزوستريس
عندما فتح المسلمون مصر جدد عمرو بن العاص القناة تنفيذا لأوامر الخليفة عمر بن الخطاب وظلّت قناة سيزوستريس قائمة إلى أن أمر الخليفة العباسى أبو جعفر المنصور بردم القناة تمامًا وسدّها من ناحية السويس لمنع وصول أيّة إمدادات مصرية لأهالى مكة والمدينة الثائرين ضد الحكم العباسى وظلت القناة مغلقة حتى عام 1820ميلاديًّا.
ثم جاءت فكرة شق قناة السويس عندما اندلعت أزمة اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح ونشبت المنافسة التجارية بين الدول الكبرى التى تريد أن تسوق بضائعها من أوروبا ودول المشرق والعكس وبعد أن اكتشف البرتغاليون رأس الرجاء الصالح عام 1488م تسبب فى تحول طريق التجارة عن مصر وأدى إلى انهيار دولة المماليك بعد أن كانت التجارة تمر على مصر والبندقية الإيطالية وجاءت فكرة إنشاء طريق يمر بالبحر الأحمر والأراضى المصرية بالبحر المتوسط وذلك لتقليل المسافة التى تقطعها بضائعهم فى طريق رأس الرجاء الصالح وعودة حركة التجارة فى مصر وإيطاليا وعندما علم البرتغاليون بفكرة شق القناة التى تطيح بطريقهم، هددوا المماليك بتحويل مجرى نهر النيل إلى البحر الأحمر ومنعها عنهم حتى يتراجعوا عن هذه الفكرة.
ثم جاءت الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م واجتمع نابليون بالخبراء حول إمكانية شق قناة السويس والاستفادة من هذا الطريق لكن لم تكتمل الدراسة بعد هزيمة الفرنسيين فى معركة أبى قير وبعد فترة عاد الفرنسيون بالاقتراح على محمد على لشق القناة وبدأوا فى تنفيذ هذه الفكرة التى أصبحت من أهم المشاريع الاقتصادية على مستوى العالم.
عندما تولى محمد علي باشا حكم مصر في 17 مايو عام 1805 حتى 2 مارس عام 1848 رفض حفر قناة السويس فعندما جاءت جماعة هنري سان سيمون الفرنسي إلى مصر وأثبتت أن البحر الأحمر والبحر المتوسط في مستوى واحد وأنه بالإمكان شق قناة بينهما وعرضت جماعة سان سيمون على محمد علي باشا فكرة إنشاء القناة بالإضافة إلى مشروعات أخرى في مصر منها مشروع سد القناطر وافق محمد علي على مشروع القناطر ولكنه لم يتحمس لمشروع القناة واشترط أن تتفق القوى الأوروبية مع الباب العالي في تركيا بشكل واضح وموثق على حقوق وواجبات كل طرف في حال شق هذه القناة.
كانت وجهة نظر محمد علي هى أن هذا المشروع مختلف عن كل المشاريع التنموية الأخرى التي قام بها في مصر لأنه سيفتح الباب على مصراعيه لتدخل القوى الأجنبية في مصر للسيطرة على هذا الطريق الإستراتيجي الذي سيصبح أقصر الطرق البحرية لربط أوروبا بمستعمراتها في آسيا لذلك فلم تكن المسألة معارضة للفكرة و إنما لمنح شركة أجنبية امتياز الحفر والانتفاع به واعتمد محمد علي على إنجلترا في الوقوف ضد المشروع وعدم إتمامه لأنه سيسهل لبقية الدول الأوروبية مد نفوذها في جنوب شرق آسيا على حساب النفوذ الإنجليزي هناك.
بعد أن تولى محمد سعيد باشا الابن والوريث الثانى لحكم محمد على حكم مصر فى 24 يوليو عام 1854 تمكن المهندس الفرنسى فرديناند ديليسبس صديق محمد سعيد باشا وزميل دراسته فى باريس والذى كان مُقرّبًا منه بدرجة كبيرة من الحصول على فرمان عقد امتياز قناة السويس الأول لمدة 99 عامًا من تاريخ فتح القناة ضمن 12 بندًا آخرين شملهم الاتفاق والفرمان الموقع من سعيد باشا وقام ديليسبس برفقة المهندسين : لينان دى بلفون بك وموجل بك وكبيرى مهندسى الحكومة المصرية بزيارة منطقة برزخ السويس فى 10 يناير عام 1855 وقد صدر تقريرها فى ديسمبر 1855 والذى أكد على إمكانية شقّ القناة وأنه لا خوف من منسوب المياه لأن البحرين متساويان فى المنسوب وأنه لا خوف من طمى النيل لأن شاطئ بورسعيد شاطئ رملى وفى 5 يناير 1856 صدرت وثيقتان هما : عقد الامتياز الثانى وقانون الشركة الأساسى وكان من أهم بنود هذا القانون قيام الشركة بكل أعمال الحفر وإنشاء ترعة للمياه العذبة تتفرّع عند وصولها إلى بحيرة التمساح شمالاً إلى بورسعيد وجنوبًا إلى السويس مع مراعاة أن يكون حجم العمالة المصرية أربعة أخماس العمالة الكلية المستخدمة فى الحفر وتوالت الإجراءات السياسية والقانونية والتنفيذية لإنجاز قناة السويس والتى استغرق حفرها 10 سنوات منذ عام 1859 وحتى عام 1869 وجاء حفر القناة عن طريق سواعد نحو مليون فلاح مصري ممن أجبروا على ترك حقولهم وقراهم لكي يشقوا الصحراء في أجواء من المرض والإهانة وذلك في وقت وصل فيه عدد سكان مصر لأقل من 4 ملايين فيما يعرف بالسخرة والتي مات خلالها أكثر من 120 ألف مصري أثناء عملية الحفر على إثر الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة ومعظمهم لم يستدل على جثمانه ودفن في الصحراء أو تحت مياه القناة وتم افتتاح القناة فى عهد الخديوى إسماعيل يوم 16 نوفمبر 1869 فى حفل أسطورى حضره كثيرون من ملوك ورؤساء العالم.
يوم الثلاثاء 5 أغسطس عام 2014 أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسى الذي تولى رئاسة جمهورية مصر العربية في 8 يونيو عام 2014 أن مصر ستطلق مشروعًا لحفر قناة سويس جديدة بطول 72 كيلو مترًا فى إطار مشروع للتنمية فى منطقة القناة الحالية ضمن خطط وبرامج المشروع القومى الضخم المعروف باسم محور قناة السويس على أن تكون هذه القناة المزمع إنشاؤها مرحلة أولى من مراحل المشروع ومن المنتظر أن تتمّ أعمالها بتكلفة استثمارية تبلغ 4 مليارات دولارات بحيث يتم إنشاؤها موازية للقناة الحالية بطول 72 كيلو مترًا منها 35 كيلو مترًا سيتمّ حفرها بنظام الحفر الجاف إلى جانب 37 كيلو مترًا كتوسعة وتعميق لقناة السويس وهذا المشروع سيتيح مليون فرصة عمل للمصريين علاوة على أن حفر القناة الجديدة مع تنفيذ مشروع تنمية قناة السويس سيجعل مصر مركزًا صناعيًّا وتجاريًّا ولوجيستيًّا عالميًّا،وسيزيد من الدخل القومى المصرى والعملة الصعبة ويضاعف من دخل قناة السويس كما أنه سيزيد من فرص الاستثمار الوطنى والأجنبى وزيادة كفاءة القناة بحيث تستوعب سفنًا عملاقة بغاطس يصل إلى 65 قدمًا وهو ما لا تستطيع القناة استيعابه قبل هذا المشروع وذلك سوف يساهم فى زيادة دخل القناة بنسبة 2,6 % بالإضافة إلى إقامة خمسة موانئ استثمارية ضخمة حول المنطقة وأعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن المشروع سيتم تنفيذه خلال سنة واحدة بدلًا من 3 سنوات كما كان مُخطَّطًا له حتى يتمكّن المصريون من جنى ثماره وعوائد فائدته فى أسرع وقت وبالفعل تحقق ذلك حيث واصلت الإرادة المصرية ضرب أروع الأمثلة في تحقيق المعجزات.
يمتد مشروع تنمية قناة السويس جغرافيًّا ليشمل محافظات القناة الثلاثة بورسعيد والإسماعيلية والسويس وسينعكس أثره الإيجابى على كل مناحى الحياة فى هذه المحافظات : المطارات والفنادق والقرى السياحية والأسواق والمراكز التجارية والملاهى والنوادى ودور السينما والمسارح ويرتكز المشروع على محاور اقتصادية وصناعية.
الإسماعيلية ومشروع “وادى التكنولوجيا”
على الضفة الغربية من بحيرة التمساح توجد محافظة الإسماعيلية، والتى تُعتبر جزءًا من ممرّ قناة السويس، ويسكنها أكثر من نصف المليون نسمة، وأساس خلق محافظة الإسماعيلية وهذا التجمع البشرى فى هذه المنطقة ثلاث هجرات رئيسية تدفقت فى وقت واحد، بالتزامن مع افتتاح قناة السويس عام 1868، كانت أولاها مع أولئك الذين شاركوا فى بداية أعمال حفر القناة، وكانت من مواطنى الجنوب ومدن صعيد مصر، ومع افتتاح قناة السويس للملاحة الدولية، اختلط الوافدون القدامى مع مهاجرين جدد أتوا من محافظات أخرى للعمل فى أعمال وحرف تتطلّبها حاجة الحياة فى قلب المدينة، ثمّ شهدت المدينة هجرات جديدة حديثة نسبيًّا، من أجل بناء وإعادة إعمار المدينة المدمرة بعد عودة السكان المهاجرين للبلدة بعد نكسة يونيو 1967 واحتلال القوات الإسرائيلية لشرق المدينة على قناة السويس.
وجاء مشروع “وادى التكنولوجيا” من نصيب محافظة الإسماعيلية، من أجل إنشاء جامعة تكنولوجية ونفق أسفل قناة السويس يربط ضفتيها، بالإضافة إلى إنشاء منطقة صناعية وكذلك مراكز خدمية وإدارية تفيد السفن المارة بالممر الملاحى، وهو الأمر الذى سيكون له بالغ الأثر فى تطوير ضاحية الأمل غرب قناة السويس، وسيعمل هذا المشروع أيضًا على إنشاء مخارج جديدة من ترعة السلام فى الإسماعيلية، وتنقيتها فى موقع محطة تنمية المياه شرق القناة، ولا يمكن إغفال تطوير طريقى: القاهرة –السويس، والإسماعيلية– بورسعيد، لتسهيل الحركة بين مدن الإقليم والعاصمة.
عندما حفرة قناة السويس لأول مرة جاءت محافظات بور سعيد والسويس والإسماعيلية وعندما تم حفر قناة السويس الجديدة فسوف تستفيد بور سعيد من مشروع محور تنمية القناة الجديدة حيث مشروع ميناء شرق بورسعيد أو ميناء شرق التفريعة والمرحلة الأولى منه تشتمل على إنشاء رصيف ميناء بطول 1200 متر، وله حائط بنفس الطول وعرض الرصيف 500 متر، وذلك بخلاف أعمال التكريك للممرّات الملاحية وبناء حاجز أمواج وقد تمّ تنفيذ إنجازات عديدة فعلًا من هذه الخطط والبرامج وفى المنطقة الصناعية شرق بورسعيد سيتم إنشاء نفق أسفل قناة السويس للربط بين الضفتين وكذلك سيتمّ إنشاء مجمّع للصناعات الميكانيكية والكهربائية ومجمع صناعى لبناء وإصلاح السفن إضافة إلى مجمع صناعى ضخم لصناعات الغزل والنسيج.
أما في السويس فسوف تقام مشروعات ومناطق صناعية مهمّة وسوف تساهم فى إحداث نقلة اقتصادية كبرى فيها فستكون هناك عدّة مشروعات صناعية شمال غرب خليج السويس وفى العين السخنة تشمل إنشاء مصانع معدّات وآلات صيد وبناء سفن صغيرة وآلات وهياكل ومستلزمات إنتاج سيارات وأجهزة كهربائية مُعمِّرة علاوة على إنشاء منطقة تجارة حرة جنوب السويس وكذلك ستشمل المنطقة الصناعية شمال غرب خليج السويس إنشاء مجمّع صناعى للبتروكيماويات ومجمع للصناعات الميكانيكية والكهربائية ومجمع صناعى لمنتجات الأسماك ومجمع للصناعات التعدينية ومواد البناء.
أما شبه جزيرة سيناء التى تمثّل الجزء الآسيوى الشرقى من مصر بمساحة إجمالية تبلغ 6% من إجمالى مساحة مصر ويحدّها من الشمال البحر المتوسط ومن الغرب خليج السويس وقناة السويس وجنوبًا يحدّها البحر الأحمر وخليج العقبة وتحدّها فلسطين شرقًا فسوف تساهم قناة السويس الجديدة فى تحقيق التنمية السياحية والعمرانية للمنطقة ما بين العريش والشيخ زويّد والطور ورأس محمد فضلا عن إقامة قرى ومنتجعات سياحية عديدة فى شرم الشيخ لتلبية الطلب الذى سيتزايد على المنطقة إلى جانب إقامة قرى ومنتجعات سياحية جنوب محمية نبق وفى مناطق دهب ونويبع وطابا وعلى المستوى الصناعى سوف يتم إنشاء مجمّعات صناعية للبتروكيماويات فى المنطقة الصناعية بالمساعيد وللصناعات الغذائية بالمنطقة الصناعية بالشيخ زويّد ومثلها فى وسط سيناء إضافة إلى مجمّع صناعى لمنتجات السخانات الشمسية فى وسط سيناء أيضًا.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة